المغرب إلى معركة انتخابية بلا رهان

المغرب إلى معركة انتخابية بلا رهان

27 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

يُدعى المغاربة، يوم 8 الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، إلى واحدةٍ من أكبر المعارك الانتخابية في تاريخ البلاد، فلأول مرة سوف تنظم الانتخابات التشريعية (مجلس النواب) والانتخابات المحلية (مجالس الجماعات والمقاطعات) بشكل متزامن. تعقبها، بعد حوالي أسبوعين، انتخابات أعضاء مجالس العمالات والأقاليم (المحافظات)، ثم انتخابات أعضاء مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان)، في 5 أكتوبر/ تشرين الأول. بذلك تكون 2021 سنة انتخابية بامتياز، يتم فيها تجديد أعضاء جميع المؤسسات المنتخبة. وانطلق هذا المسلسل قبل شهرين، مع انتخابات ممثلي المأجورين، ثم انتخابات الغرف المهنية، مطلع شهر أغسطس/ آب الجاري.

هذه الاستحقاقات هي خامس انتخابات تشريعية في عهد الملك محمد السادس، والثالثة في ظل دستور الربيع العربي لعام 2011. يخوض غمارها 32 حزبا سياسيا مؤهلا للمشاركة، تتنافس لكسب أصوات قرابة 18 مليون مغربي، مسجّلين في اللوائح الانتخابية، وفق أحدث بيانات وزارة الداخلية التي لا تزال تتولى، بمعية النيابة العامة، الإشراف على الانتخابات، في غياب هيئة مستقلة خاصة، كما هو الحال في أغلبية الدول (تونس وموريتانيا والجزائر...)، فأقلية فقط من تستند إلى الحكومة في إدارة الانتخابات.

إصرار الدولة على الالتزام بالآجال الدستورية للانتخابات، ورفض كل دعوات التأجيل ومطالبه، على الرغم من سريان حالة الطوارئ الصحية في البلاد، واستفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، بسبب تفشّي وباء كورونا، تعيد إلى الواجهة مسألة العزوف السياسي التي أضحت ثابتا ملازما للممارسة الانتخابية في المغرب، فضعف المشاركة الانتخابية واقع لا يرتفع؛ فأول انتخابات في العهد الجديد عام 2002، بإرث انتقال العرش وحكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، لم تتجاوز 51%. ثم هوت النسبة بقوة إلى حدود 37%، في تشريعيات عام 2007. لترتفع بثمان درجات فقط، في غمرة اشتداد الحراك المغربي، مسجلة 45% في انتخابات 2011. وتراجعت مجدّدا إلى 42%، في استحقاق 2016.

تجاوزت ظاهرة الهجرة بين الأحزاب في هذا الاستحقاق كل الحدود، فلم يسلم أي حزبٍ، في الحكومة أو المعارضة، من دخول بورصة الترحال

قد تكون الخشية من تكرار سيناريو سنة 2007 سببا وراء فكرة اقتران الانتخابات البرلمانية بالمحلية، فعادة ما تكون نسبة المشاركة في هذه الأخيرة مرتفعة (54%/ 2003، 52%/ 2009، 53%/ 2015)؛ لاعتبارات خاصة ليس هذا مقام التفصيل فيها. لذا تحاول الدولة جاهدة تسجيل نسبة مشاركة معقولة، تسمح بإكساب المؤسسات التمثيلية منسوبا من الثقة داخل المجتمع، وتمكّن النظام السياسي من تجديد شرعيته ومشروعيته.

لن تفلح المساعي كيفما كانت في جبر واقعة "الانكسار" الديمقراطي، عقب اقتراع عام 2016، ولن تنجح في تحقيق مصالحةٍ بين المغاربة والسياسة، بعدما فقدوا الثقة في الممارسة السياسية التي باتت بلا هاجس ولا رهان. بأي خطابٍ يمكن إقناع المواطنين اليوم بجدوى المشاركة؟ وأي رهانٍ على الاستحقاق الانتخابي في زمن الانسداد السياسي، بعد توالي الانتكاسات على أكثر من جبهة، في مغرب تمكّن، إبان الحراك المغربي، من تجسيد الاستثناء العربي واقعيا؟

لن يُخلي عاقل عاتق السلطوية من المسؤولية عن الطلاق البائن بين المغاربة والسياسة، فالأنظمة بطبعها محافظة تخشى التغيير والتحديث؛ إذ لا تراه طوق نجاة لها بل خطرا عليها، ولا تُصلِح نفسها إلا تحت الإجبار والضغط. لكن هذا لا يعني، بأي حال، تبرئة ذمة الفاعل الحزبي من خطيئة وأد مسلسل الإصلاح في المغرب، والنصيب الأوفر من المسؤولية في تحويل الانتخابات المقبلة إلى استحقاقٍ بلا رهان، بتطبيعها مع ممارساتٍ وسلوكياتٍ تضفي على المشهد الحزبي نوعا من العبثية.

النخب السياسية التي ساهمت في فشل النموذج القديم، ذاتها تصارع اليوم للظفر بمهمة تنفيذ النموذج الجديد

أولا؛ لقد أفقدت ظاهرة الترحال السياسي (تغيير الانتماء السياسي) الخريطة الحزبية أي معنى، فلم تعد الإيديولوجيا ولا المرجعية ولا المبادئ ذات قيمة لدى شريحة واسعة من محترفي العمل الحزبي، حتى بات المشهد، قبيل موعد الانتخابات، أشبه ما يكون بتنقلات "الميركاتو" الشتوي والصيفي في كرة القدم. وتجاوزت ظاهرة الهجرة في هذا الاستحقاق كل الحدود، فلم يسلم أي حزبٍ، في الحكومة أو المعارضة، من دخول بورصة الترحال، بتصدير "المناضلين" أو استقدامهم. بما في ذلك زعماء الأحزاب وقياداتها، فعلى سبيل المثال التحق الأمين العام لحزب الاستقلال سابقا حميد شباط بحزب جبهة القوى الديمقراطية، لاعتبارات غالبا ما ترتبط بنيل التزكية أو الترتيب في اللائحة، أو طبيعة الترشّح (برلماني أو جهوي أو محلي).

ثانيا؛ يصعب على غير المتابع للشأن الحزبي المغربي أن يميز أحزاب الائتلاف الحكومي عن أحزاب المعارضة، فالخطاب شبه موحد بين هؤلاء وأولئك. وقد حدث أكثر من مرّة، عند التصويت على مشاريع القوانين أن التبست المواقع؛ فانتقلت أحزابٌ مشاركة في الحكومة عند التصويت إلى صفوف المعارضة، واصطفّت أخرى مع الحكومة في مشهد سوريالي. وانكشف الوهن الحزبي بجلاء، لحظة إعلان الأحزاب عن برامجها، لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، فجل الأحزاب تتبارى في التأكيد على أن برنامجها هو "البرنامج التنموي الجديد"، وأنها الأقدر على التنزيل الأمثل لمضامين هذا النموذج، من دون أدنى اعتبار لتداعيات كورونا على الواقع المغربي، فقد كانت في سباتٍ عميق، طوال مواجهة الجائحة، تنتظر الإشارات، من دون أن تقدم على أي مبادرة.

ثالثا؛ بفرض حسن النية ورغبة الأحزاب الصادقة في تطبيق البرنامج الملكي، يثار السؤال بشأن قدرة النخب الحزبية على الاضطلاع بهذه المهمة، فالنموذج الجديد يُعد رهانا مستقلا بذاته، يحتاج إلى نخب جديدة قادرة على تمثله، قصد ضمان الفعالية عند التنفيذ والإنجاز. وهذا ما لا يتوفر في جل الأحزاب؛ فالنخب السياسية التي ساهمت في فشل النموذج القديم، ذاتها تصارع اليوم للظفر بمهمة تنفيذ النموذج الجديد. إطلالة سريعة على قوائم الترشيحات تكشف أن أسلوب إعادة تدوير النخب ديدن الكل، فلا يخلو أي حزبٍ من مرشّحين؛ للمرة الرابعة والخامسة وأحيانا الولاية السادسة، وحتى التاسعة مع أقدم برلماني في العالم عبد الواحد الراضي، عن حزب الاتحاد الاشتراكي.

إطلالة سريعة على قوائم الترشيحات تكشف أن أسلوب إعادة تدوير النخب ديدن الكل

رابعا؛ التفريط في الديمقراطية التي صار النضال من أجلها رهين الحسابات الخاصة والمصالح الحزبية الضيقة، بدءا من لحظة تشكيل حكومة سعد الدين العثماني، وتحكّم زعيم حزب جاء رابعا في الانتخابات؛ إذ لم ينل سوى 37 مقعدا، في هندستها، وانتهاء بواقع التصويت على إصلاح منظومة القوانين الانتخابية، وتحديدا القاسم الانتخابي؛ حيث تتم قسمة مجموع الناخبين المسجلين على عدد المقاعد بدلا من عدد الأصوات الصحيحة، وإلغاء العتبة؛ أي الحد الأدنى من الأصوات المحصلة في الانتخابات. ما يعِد بفسيفساء حزبية بعد الانتخابات، فالتقديرات الإحصائية تفيد بدخول حوالي 20 حزبا إلى البرلمان، بموجب القواعد الانتخابية الجديدة.

تكشف الممارسات الحزبية، وقبلها السلطوية، أن دستور 2011 أضحى إرثا من الماضي، فلا الفاعل الحزبي استطاع أن يقطع مع سلوكيات زمن ما قبل الحراك المغربي، ويؤهل نفسه بالاصطفاف في أقطابٍ وتكتلاتٍ وفق مرجعيات وعلى أساس برامج، تقدّم أجوبة سياسية واقعية لمشكلات مغرب ما بعد كورونا، ولا الدولة العميقة أدركت أن استقلالية الفاعل السياسي صمام أمان ودرع حماية من الاصطدام المباشر مع الشعب.