المغارب: الوطنية الإقليمية والانعزال السياسي
لا يمكن الحديث، في الوقت الراهن، عن أيٍّ من أشكال العلاقة الرابطة بين الدول المغاربية على أيٍّ من المستويات التي يمكن توقعها، أو الواجب قيامها، أو المفروض أن تكون في أساس التجاور الجغرافي القائم بينها في نطاق الحدود المرسومة للسيادة التي أقامتها. وهذه الوضعية، بما يترتّب عنها من عواطف ومواقف (العداء، الفرقة، إهدار الوقت المغاربي في المنافسة والتحالفات الإقليمية غير المجدية، والسباق نحو التسليح...)، وما تثيره من تساؤلاتٍ استنكاريةٍ عمومية، طابعها الاستغراب، تمثل حالة مثيرة، حتى لا نقول استثنائية، في التجربة الحضارية للضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، أي كما في الدلالة التاريخية: باعتبارها نقطة اتصال وتواصل متعدّد الأوجه، ومجالاً لنشر (وتبادل) الأفكار والمعتقدات الدينية وغير الدينية، لا يمكن هذا الحديث من دون الحديث عن المنظور المتوسطي إجمالاً الذي يُعْتَبَر في التصور التاريخي الهلِّينِي "مركز العالم القديم" بسبب ثقله الثقافي والعلمي وتنوعه البشري والعرقي والنشاط التجاري والعسكري وسوى ذلك.
لا أثير هذا الموضوع إلا لأن التجليات الواضحة لما هي عليه العلاقة بين الدول المغاربية قد ظهرت، في الفترات الأخيرة، قوية، عنيفة، ذات دلالات مخزية من حيث التأويل، من خلال التظاهرة الكبرى التي أقيمت للكأس الأفريقية للأمم في المغرب على امتداد شهر، بين 21 ديسمبر/ كانون الأول 2025 إلى 18 يناير/ كانون الثاني 2026، من التباري والتبارز. ولو أظْهَرْتُ من تلك التجليات ما كان مرتبطاً منها بثلاث دول (المغرب، الجزائر، تونس) معنية بها تبارت وتبارزت فيها، لأمكن الوقوف على ثلاثة أوضاع بارزة قد تكشف، لمن يريد أن يتأمل في ظاهرة الانشقاق المغاربي، ما لا يُحصى من الظواهر والمظاهر المزعجة:
أولها أنَّ العداءَ ثابتٌ، وما عداه من مظاهر التجاوب بدافع الأخوة والتضامن والجوار وغير ذلك، ليست إلا تقديرات شخصية عابرة لذوي النيات الحسنة، وهم قلة في الشبكات الاجتماعية يعبّرون عنها بأسف، لعدم توفر الظروف الإيجابية لتحقيق ما يرونه، أو يفكّرون فيه، من أساليب، أو أدوات لتغيير الأوضاع الاستثنائية التي تشغل وعيهم. والعداء المقصود في هذه الملاحظة ليس إلا وجهاً واحداً من تعبيراته المُصَوّتة والمكتوبة التي أثارتها المناسبة الكروية، بينما يمكن الافتراض أن التعبيرات الأخرى، ضمنية أو غير مَقُولَة، تحتاج مناسباتٍ أخرى لكي تبرز على ما هي عليه في الكمون، أو في الخطابات الشعبوية المنتشرة والجارية في انتظار السياق المناسب. والعداء في هذه النقطة مباشر وفيه إحالات مختلفة على موضوعات وقضايا مرتبطة بتاريخ المنطقة إما كمواجهة عسكرية صريحة، أو نزاع حدودي مُوَثَّق، أو اقتلاع بشري وتهجير، أو لطبيعة النُّظم القائمة في تلك البلدان بسبب الاختلاف والسياسات العامة التي اتبعتها في بلدانها بعد التحرير والاستقلال. وغالبية من يُسمون بالمؤثرين في البلدان المغاربية الثلاثة يجعلون ذلك أسلوب تخاطب للمزايدة على من يتحاورون معهم، أو يستهدفونهم بالسباب، أو التفاخر، ويستعملونه أيضاً للانتقاد وللتعنيف وللتحرش الجنسي، ولغير ذلك مما يمكن أن يراه أي "مؤثر" وارداً، أو مطلوباً، للأهداف التي يتوخّاها والمصالح التي يودّ جنيها، فلا يزيد العداء إلا قوة، كذلك يتحول إلى عنف يُراد به الإذاية.
تشير التجارب التاريخية التي مرت بها البلدان المغاربية أن المستقبل المشترك، في إطار علاقات تنسيقية، أو وحدوية، أو براغماتية، أفُقٌ مُمْكِن
وثاني تلك الظواهر والمظاهر، التحقير والتباهي بدافع المقارنة الضمنية، أو المكشوفة بين البلدان والأنظمة والشعوب، إما في ضوء الخصوصيات المحلية المتميزة هنا أو هناك، وإما بدافع النعرة العرقية عندما يتعلق الأمر بالهوية (الأمازيغية مثلاً)، أو إذا ما تحول المجال السياسي في البلدان الثلاثة إلى مفاخرةٍ بالاختيارات السياسية المتناقضة المتبعة، بناءً على المصالح الوطنية، أو القضايا الخلافية. وموضوع الصحراء هنا، المشمول بقدر كبير من الأوهام التي راكمها الصراع على امتداد 50 سنة، أظهر التحقير، بشكل خاص، على أنه "خيانة" قومية بسبب التطبيع مع الكيان الصهيوني، وَمَكَّن المتباهي من الكلام نيابة عن "الاتحاد الأفريقي لكرة القدم"، قائلاً باسمه إنه أحجم عن برمجة أية منافسة كروية في الأقاليم الصحراوية للإثارة السياسية التي يتسبب بها الموضوع، أي مراعاة لموقف (الاتحاد الأفريقي) الذي تمانع بعض دوله الإقرار بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية إحقاقاً لمبدأ تقرير المصير. وإلى جانب هذا نقطة فرعية أخرى دارت حولها تعليقات ذات طابع رسمي لم تبقِ لمعارض مغربي أي دور في مواجهة النظام السياسي القائم في بلده، أقصد ما شَخَّصَه وأوّله التحقير والتباهي في علاقة بِصُور المَلك "الموضوعة في أماكن الإقامات الفندقية" كما قيل، فكانت المناسبة سانحة للتعريض بالملكية والإعلاء الضمني من أفضال الجمهورية، من خلال مقارنات سخيفة فيها كثير من الإسفاف والجهل والعنتريات المحسوبة على الرذيلة والأهواء المجنونة.
ثالث الظواهر والمظاهر يتعلق بالعنف اللفظي المباشر، والتشخيص العلني المضغوط في صور اختزالية لا يُراد بها إلا الاتهام المباشر للرموز، أو للفاعلين السياسيين وغير السياسيين، أو لأفراد بعينهم يمثلون قيمة رمزية في مجتمعهم، أو في ميدان من ميادين العمل التي تثير الاهتمام وتشحذ المنافسة. وغير خافٍ أن الأمر يتعلق هنا بخطاب الشبكات الاجتماعية المكتوب والمَقُول بجميع اللغات المعمول بها في الدول المغاربية (الفرنسية، المَحكي الدَّارج بتنوع مخارجه ومصطلحاته المحلية، اللغة العربية، الأمازيغية، الإنكليزية أحياناً). ثم إن من قاموا به من الجنسين، ذكوراً وإناثاً، وبرعوا في كيل الذَّم دون تدبر ولا حساب، هم من المهتمين المعنيين بكرة القدم، وعلى اهتمام سياسي "تعبوي"، ولو في أحطِّ درجاته، وبالظواهر العامة المطروقة في بلدانهم وفي بلدان الجوار، ولهم عنها، في الغالب، بعض التصورات وعليها بعض الأحكام، وفي أذهانهم عنها ما لا يخفى من الأوهام، فشرعوا، إذن، في إجراء المقارنات على جميع المستويات التي بدت لهم مختلفة لا تتطابق مع شكلين من القبليات التي تؤرق وعيهم المقلوب: تلك التي عقولهم مَعْجُونة بالمفارقات والأكاذيب المنتشرة في الإعلام الذي يتلقونه دون رقيب، وتلك التي ليست على مثال سابق في أدمغتهم، أو لا يرون مثيلاً لها في الواقع الذي يصطدمون به. مجالات متعدّدة تتعلق بالتغذية وبالنظافة وبالعمران، إلى جانب موضوعات أخرى تتعلق بالسلوك العاطفي المقبول والمرفوض، أو الميول الجنسية الفضائحية المذمومة أخلاقياً، أو تلك التي تثير أقصى درجات الغيرة مع تمجيد الفحولة.
الواضح أن مجمل هذه الظواهر السلبية، وهي مؤثرة ولها تراكماتها الخاصة على المستويات العاطفية والسياسية والعقلية، إنْ هي إلا النتيجة المباشرة والمنطقية لمخططات الشحن بطريقة مباشرة كما في الجزائر، أو بطريقة غير مباشرة كما في المغرب وتونس، انطلاقاً من الأوضاع الداخلية لكل بلد على حدة في "معركته الخاصة" مع واقع الاستبداد العام الذي تتفنَّنُ النظم القائمة في تدبيره بطريقة تكنولوجية، الرَقْمَنَة والذكاء الاصطناعي، للسيطرة "الناعمة" على العواطف وعلى الألسن، وكذا على الذهنيات التي سرعان ما تتكيف مع الخوف، ويستشري فيها الخذلان، فضلاً عن التكميم الممارس بكونه أسلوباً من أساليب السيطرة المتفشية في مختلف الدول المغاربية.
التجليات الواضحة لما هي عليه العلاقة بين الدول المغاربية قد ظهرت، في الفترات الأخيرة، قوية، عنيفة، ذات دلالات مخزية من حيث التأويل
واعتقادي أيضاً أن توجيه السياسة العامة، المبنيّة على اختيارات وطنية خاصة بكل بلد في مجالات مختلفة، نحو المنافسة والتأكيد القطعي لمفاهيم السيادة الوطنية والهويات المتنابذة، وفبركة الأخبار الزائفة، يزيد من تلحيم التصورات الشوفينية كافة المتناقضة مع الخطاب الوحدوي التي سبق للبلدان المغاربية أن صاغته في مراحل التحرير الوطنية. ويظهر لي أيضاً أن واقع القمع الشامل المسلط على الإرادات المختلفة، أو المنافسة، سواء كانت معارضةً سياسية مُنظمة، أو أصواتاً فردية انتقادية في الداخل، أو في الخارج، فيه ما يكفي دليلاً على أنَّ العلاقة بين البلدان المغاربية قد بلغت درجة عليا من الشحن والاحتقان، ولا يبدو في الأفق المنظور أي مظهر مختلف قد يوحي بعكس ما يُؤجّجه الشحن وَيُكرّسه الاحتقان، إلا إذا قدَّرْنَا، من باب الافتراض، أنَّ حصول وعي مشترك بالمخاطر الحادثة، أو المحتملة، في علاقةٍ بالأسباب التاريخية والسياسية التي أوجبت ذلك، أو حشدته حشداً لظروف استثنائية وأزمات مختلفة، بمقدوره أن يشيع شيئاً من الأمل في تَصَوُّرِ مُسْتقبلٍ آخر تكون فيه الإرادة المستقلة التي يمكن أن تبلورها الأنظمة الحاكمة من خلال تشييد صرح الديمقراطية وبناء المؤسسات القادرة على ترجمة الأشواق الشعبية إلى حقائق تطورية تتوخى إقامة العدالة الاجتماعية وترسيمها وتحقيق الازدهار والرفاهية والإقرار بمختلف مظاهر الاختلاف والتنوع في جميع المجالات المتصلة بحياة الأفراد والجماعات.
أما ما هو في حكم المنظور، أي طريقة التفكير أيضاً، فقد أبانت التجارب التاريخية التي مرت بها البلدان المغاربية أن المستقبل المشترك، في إطار علاقات تنسيقية، أو وحدوية، أو براغماتية، أفُقٌ مُمْكِنٌ متى ما عملت الإرادات الديمقراطية الفعالة في التطور على صوغه والإيمان به، خصوصاً أن المشترك العام من حيث التاريخ نفسه، واللغات، والدين للمتدينين، والأرض الجغرافية الممتدة من طنجة إلى طبرق، هي من الحقائق الثابتة التي من الممكن، من زاوية التحضر، أن تعلو بشروحها الديمقراطية على أعقد مفاهيم الوطنية الضيقة السّفَسَافة المُحرِّضَة على التوسّع والإشادة بالقوة وتكريس الاستبداد الذي يقتل الإرادات الإنسانية.