"المعجين الظفاري"... وجبة لا تشبه إلّا نفسها

17 نوفمبر 2025

(ضياء العزاوي)

+ الخط -

كثيراً ما كنّا نردّد في المجالس إنه من الجيّد أن يقام في محافظة ظفار، وعاصمتها صلالة، مهرجان ثقافي سنوي، نظراً إلى طبيعة طقسها النادر في منطقة الخليج والجزيرة العربية، ذات الطبيعة التي يغلب عليها التصحّر وارتفاع الحرارة صيفاً. فظفار على عكس ذلك؛ في الصيف خضراء وماطرة، إلى جانب ما تتمتع به من تضاريس جاذبة وشلّالات ووهاد خضراء، فتكون في الموسم الصيفي المسمّى بالخريف مقصداً سنوياً للسياحة الداخلية والسياحة الخليجية. سيكون الأمر جميلاً لو كان فيها مهرجان سنوي ثقافي على غرار مدينة أصيلة المغربية، التي فازت أخيراً بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عن فرع الثقافة، ممثّلة في منتدى أصيلة الثقافي، فيما فاز بالجائزة عن قسم الآداب الناقدة اللبنانية يمنى العيد، وفي قسم الفنون النحّات المصري عصام محمّد سيّد درويش. مهرجان أصيلة هبة المسؤول الحكومي والمثقف النوعي الراحل محمّد بن عيسى، الذي سخّر جميع علاقاته ومعارفه لكي تزدهر هذه المدينة الصغيرة ثقافياً.
وممّا تتمتّع به محافظة ظفار، إلى جانب تنوّعها البيئي الخلّاب صيفاً، أنها لا تقلّ جمالاً في الشتاء، حين يكون الطقس جاذباً بسبب توسّط برودته. التقيت قبل أيام بسائح من بيلاروسيا وزوجته قَصَدا، انطلاقاً من مسقط، الذهابَ إلى صلالة لقضاء أسبوع هناك، وهما يتنقّلان في المسافة الأكبر من رحلتهما عبر الأقدام، إذ يسمح جوُّ صلالة بهذا الشغف سواء في الصيف أم في الشتاء. تتميز أيضاً محافظة ظفار بوفرة الماشية، وخاصة الأبقار، وربّما لا يخطئ المذاق الطيّب لحم الأبقار الظفارية، وذلك بسبب طراوته نتيجة وفرة المراعي الخضراء على طول وهاد وهضاب المحافظة الجنوبية. وتتنوّع فنون الطبخ لهذه اللحوم بين الشوي والقلي والدفن تحت الأرض لأيام مع لهيب الجمر الخافت.
من أغرب هذه المأكولات وأطرفها ما يُطلق عليه "المعجين الظفاري"، إذ يُفصل الشحم عن اللحم، ويوضع في إناء معدني ليذوب ويتحوّل دهناً طبيعياً. وفي الوقت نفسه، تُرفع شرائح من اللحم وتُعلّق تحت الشمس لكي تنشف ويذوب منها أيُّ دهن. سنكون هنا أمام معادلتَين متناقضتَين. تتعلّق الأولى بالشحم الذي يُحافَظ عليه ليذوب في وعاء وُضع مغطىً على الأرض. والثانية تتعلّق باللحم المُعلّق تحت الشمس لكي يتخلّص ممّا تبقّى به من دهن. وبعد يوم ونصف يوم يُخلط اللحم المُعلَّق بعد أن يُقطع بالشحم الذائب الذي تحوّل إلى دهن يصلح للطبيخ، ولا يُضاف إلى تلك الوجبة سوى الملح، فأهل ظفار قليلاً ما يستخدمون البهارات، لأن معظم طعامهم يطبخ شواءً بالنار مباشرة، مع نثر القليل من الملح.
تظلّ طبخة "المعجين الظفاري" تنضج تحت النار الهادئة قرابة ساعة، ثم تُقدَّم في صحون متفرّقة ليؤكل معها الخبز. هذه الأيام في مسقط بدأنا نجد "المعجين الظفاري" في أماكن نادرة، وقد أعدته أيدي شباب من ظفار فتحوا مطعماً في مسقط، التي تمتاز بميزتَين من هذه الناحية. فشمس مسقط اللاهبة تؤدّي غرضها سريعاً في إذابة اللحم المُعلَّق حتى يتقدّد، كما تفعل الأمر نفسه في إذابة الشحوم المغطاة في الأرض بأسرع ممّا عليه الحال في البيئة الظفارية المائلة إلى البرودة والاعتدال صيفاً وشتاءً.
الميزة الثانية التي تتوافر عليها مسقط هي الكثافة السكّانية، فترى المطاعم تغصّ بالزبائن، وخاصّة في فترتَي؛ الظهيرة بعد انتهاء الدوام الرسمي، إذ يُعرِّج الموظفون القادمون من القرى أولاً على المطاعم لازدراد غدائهم. وهناك أيضاً الفترة المسائية، خاصةً في وقت الإجازات، فتغصّ هذه المطاعم الشعبية بالزبائن، ويكون الطلب كبيراً على هذه الوجبات الخاصة التي لا يمكن أن يتقنها إلّا أصحابها، نظراً لارتباطها بتاريخ وتفاصيل تتعلّق بمراقبة الزمن وتحوّلات الطقس.
يقال في ظفار إنّ مَن يتذوّق "المعجين الظفاري" مرّة سيعود، عاجلاً أم آجلاً إلى ظفار ليتذوّقه ثانيةً، ولأن هناك من صار يُقدّمه في العاصمة، فإنه لن يحتاج سوى إلى العودة ثانيةً إلى ذلك المطعم الظفاري بمسقط.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي