المعارضة العراقية وفوضى المؤتمرات

المعارضة العراقية وفوضى المؤتمرات

23 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أدخلت انتفاضة تشرين في عام 2019 قوى وشخصيات عراقية كثيرة، وبخاصة منها المقيمة خارج العراق، في تكتلات وجبهات حملت كلها (شكلاً) أفكاراً ومسمّياتٍ ذات دلالات وطنية، هي في واقع الحال بعيدة كل البعد عن قدراتها التنظيمية وحجم تفاعلها مع أبناء الشعب العراقي، بل وحتى مستويات نزاهتها، سواء في الفترة التي سبقت عام 2003 أو بعده.

غريب أمر العراق حقاً؛ ففي وقتٍ قدّم، ويقدّم ملايين العراقيين دماءهم ومقدّرات حياتهم الأمنية والمعيشية منذ 18 عاماً، لمواجهة قوى الاحتلال المتعدّدة والفساد المستشري وتدخلات دول الجوار، مع تنوع عجيب في أساليب المظالم التي ارتكبتها الحكومات العراقية بحقهم، ثم أكملت المليشيات والمافيات المرتبطة بأجندات أجنبية المشهد، لتقوم بحرية كاملة بتقييد حركة الأفكار والممارسات المطالبة بالتغيير وإرادتها. في ظل هذه الظروف والعوامل يخرج من بريطانيا أو الولايات المتحدة والكويت وفرنسا وأستراليا.. وغيرها من الدول ليعقد مؤتمرات باسم ثوار تشرين، ويدّعي تواصله مع تنسيقيات ثورتهم التي كانت في عام 2019 - 2020 موجودة، ثم سرعان ما فرضت حركة الالتفاف التي قامت بها الحكومة العراقية التي خلفت حكومة عادل عبد المهدي واقعاً جديداً، يعرفه الداخل العراقي جيداً.

الخلاص من الاحتلال والحكم الفاسد والتخلف يأتي دائماً من داخل المجتمع

حاول الكاتب، خلال أيام مضت، أن يحصر أسماء الجبهات، والكتل والائتلافات والقوى.. إلى آخره من المسمّيات التي غيّر مسمّاها، مستعيناً بقدرات google الهائلة في الرصد، لكننا فشلنا معاً في الوصول إلى كشف فعلي بها. وخلال عملية البحث كانت إعلانات مؤتمرات التأسيس لهذه القوى على تطبيق Zoom الأبرز شكلاً. أما من حيث المحتوى، فلم أجد حقيقةً أي قوة حقيقية يعتدّ بها، ربما لسبب مشترك لكل هذه المحاولات، انعدام أية قاعدة جماهيرية لها، مع اعتماد سوادها الأعظم على أحلام مراهقين في العمل السياسي، وينتظرون تخيلاً قيامهم بدور البطل الخارق والمنقذ للعراقيين، من خلال جلوسه في بيته، لعقد الدردشات مع آخرين مشتركين، في الوقت نفسه، مع قوى عديدة أخرى، من باب التسلية وقضاء الوقت والتشارك بأحلام اليقظة.

لقد أثبتت تجارب الأمم والشعوب التي مرّت ربما ببعض ما مرّ به شعب العراق أن الخلاص من الاحتلال والحكم الفاسد والتخلف يأتي دائماً من داخل المجتمع، والظلم بأنواعه هو الكفيل بإيجاد طليعة قادرة على تبنّي نهج المقاومة، وتنظيم الشباب حولها ومعها، متحمّلةً كل أنواع الممارسات الوحشية والاقتصادية ضدها. ولعل تجربة المعارضة السورية في الخارج، وعلى الرغم من دعم كثير لها، بخاصة تركيا والاتحاد الأوروبي، ومع وجود عناصر عديدة ذات عقيدة جهادية وتنظيم عالٍ داخل سورية، إلا أنها لم تصل إلى مبتغاها، بل وانحسرت شخصيات فيها محترمة شعبياً ودولياً، لإنها كانت، في نهاية المطاف، خارج سورية، ونجح بسبب ذلك الطابور الحكومي السوري في زرع مقولة مفادها "تعال هنا وتحمّل ما يتحمّله الشعب من قتل وتشريد وتجويع واعتقال، تعال هنا وسنحميك بأنفسنا".

شعب العراق لن ينخدع بمن يقدّم له شعارات في الخارج، ويقول عنها "صنعت خصيصاً لشعب العراق"

يبدو أن عقدة مؤتمر لندن (2002) وأحلامه، وقد نظمته ورعته وموّلته ورسمت مخرجاته الولايات المتحدة وبريطانيا وقوى أخرى هي سبب فوضى المؤتمرات المهووسة بها كل الجهات التي تعلن عن مؤتمرات تأسيسها، وتناسوا أن ذلك المؤتمر لم يكن لأي مشارك فيه دور في إسقاط حكم النظام الوطني واحتلال العراق، ثم تنصيب من نُصِّب لحكم العراق طيلة هذه الفترة، بل كانت واشنطن، تحديداً، ثم لندن وإيران.

المتمنّى أن لا يضيف هؤلاء إلى ويلات الشعب العراقي القاهرة مصائب جديدة، من خلال تحطيم ما تبقى لدى العراقيين من روح الأمل بتغيير شامل، يأتي من بين أضلعهم ووسط مدنهم وقراهم ومدارسهم وحقولهم. والمتنمّى أيضاً أن يعرف كل طرفٍ حجمه الحقيقي، وأن شعب العراق لن ينخدع بمن يقدّم له شعارات في الخارج، ويقول عنها "صنعت خصيصاً لشعب العراق".