المعارضة التونسية ليست جريمة...
لافتة في احتجاج تونسيين في العاصمة ضدّ القمع والاعتقال السياسي (6/12/2025 Getty)
"المعارضة ليست جريمة" شعار رفعه متظاهرون تونسيون في مسيرة نُظّمت في العاصمة التونسية يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، شارك فيها نشطاء ينتمون إلى أغلب التيارات السياسية والمدنية الرافضة زجّ المعارضين السياسيين والمدنيين في السجون، ومنهم قادة أحزاب وجمعيات وإعلاميون ومحامون، بارزون، يعدّون بالعشرات، صدرت في حقهم أحكام ثقيلة، وكان منهم أخيراً أحمد نجيب الشابي والعياشي الهمامي وشيماء عيسى.
عاد مسار زجّ المعارضين التونسيين في السجون بقوّة بعد الانقلاب الذي قاده الرئيس قيس سعيّد يوم 25 يوليو/ تموز 2021، بعد أن شهد تراجعاً ملحوظاً خلال العشرية الديمقراطية 2011-2021. وبموجب ذلك الانقلاب، تحوّل سعيّد من شريك في السلطة وفق مقتضيات دستور 2014 إلى حاكم مطلق السلطات بالاعتماد على ما جاء في الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 ودستور 25 جويلية (يوايو/ تموز) 2022.
وعلى عكس الفصل 60 من دستور 27 جانفي (يناير/ كانون الثاني) 2014، والذي أعطى، بصريح النص، شرعية دستورية للمعارضة، وجاء فيه "المعارضة مكوّن أساسي في مجلس نواب الشعب، لها حقوقها التي تمكنها من النهوض بمهامها في العمل النيابي، وتضمن لها تمثيلية مناسبة وفاعلة في كل هياكل المجلس وأنشطته الداخلية والخارجية، وتسند إليها وجوباً رئاسة اللّجنة المكلّفة بالماليّة وخطّة مقرّر باللّجنة المكلّفة بالعلاقات الخارجيّة كما لها الحق في تكوين لجنة تحقيق كل سنة وترؤسها ومن واجباتها الإسهام النشط والبنّاء في العمل النيابي"، لم يتضمّن الدستور الذي خطّه الرئيس سعيّد بيمينه، من دون أن يشرك أياً كان من ممثلي الشرائح الشعبية والنخب السياسية التونسية (موالاة ومعارضة)، أي إشارة إلى المعارضة، ولم يعد لهذا المصطلح وجود ومعنى في النصوص الدستورية للدولة التونسية وفي مختلف تشريعاتها من مراسيم وقوانين وأوامر وقرارات وفي بياناتها الرسمية الحكومية والإعلامية.
عاد مسار زجّ المعارضين التونسيين في السجون بقوّة بعد الانقلاب الذي قاده الرئيس قيس سعيّد بعد أن شهد تراجعا ملحوظا خلال العشرية الديمقراطية 2011-2021
ترجم سعيّد خياره عمليا في ضرب الحياة الحزبية عامة والمعارضة على وجه الخصوص، بالطرق الناعمة في البداية، من خلال منع الأحزاب السياسية من استخدام أسمائها وراياتها وشعاراتها في الترشحات والدعاية والحملات الانتخابية لخوض الانتخابات النيابية في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2022- 29 يناير/ كانون الثاني 2023، بتعلّة أن الترشحات فردية، وهو ما حال دون وجود معارضة برلمانية، ولم يسمح باستخدام تلك الصفة في المؤسسة التشريعية التونسية بغرفتيها البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم وكل المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم. وتلا ذلك قرار وزير الداخلية آنذاك، كمال الفقي، في 18 إبريل/ نيسان 2023، بغلق مقرات حركة النهضة الإسلامية المعارضة بالقوّة الصلبة، كما تضمّن القرار نفسه منع جبهة الخلاص الوطني، وهي تحالف معارض علماني- إسلامي- يترأسّه أحمد نجيب الشابي، من استعمال مقرّاتها في تونس الكبرى، ولا تزال تلك المقرّات مغلقة. أما بقية الأحزاب السياسية المعارضة وغير المعارضة فقد أحيلت على العطالة السياسية، ولم يعد لها مكان في منظومة الحكم السعيدية، ولا يُعترف لمن يعارض منها بمعارضته، هذا إذا لم يصنّف بأنه خارج عن القانون ولا بد من إخضاعه للمرسوم عدد 54، المنافي لحرّية الإعلام والاتصال، وتتبعه قضائيا.
يعتقد الرئيس سعيّد، بتجاهله الظاهرة الحزبية وعدم قبوله بوجود معارضة في الحياة العامة والإكثار من وصفها بالفساد والعمالة والولاء للخارج والتعامل مع الاستعمار والتآمر على الدولة، وهو ليس الأول الذي ينعتها بتلك الصفات فقد كيلت لها التهم نفسها في زمني حكمي الحبيب بورقيبة وخليفته زين العابدين بن علي، ومن ثمّة زج قياداتها في السجون بعد محاكمات صورية بموجب قوانين الإرهاب وغسل الأموال والخيانة العظمى، التي يجري تطبيقها في غير مقامها، يعتقد أن المعارضات في تونس ظواهر طارئة ومستحدثة، ليس لها جذور، وهي قابلة للاستئصال والإنهاء. وذلك ضمن مقاربته التي لا تعترف بالأجسام الوسيطة، ولا تقبل إلا بشعب نقي متجانس خال من الاختلاف وقائد ملهم يقوده إلى الخلاص النهائي.
والحال أن المعارضة التونسية التي كُتب حولها مئات الكتب الفردية والجماعية والبحوث الأكاديمية والمقالات الصحافية، ضاربة في تاريخ تونس المعاصر، وتمتلك إرثاً نضالياً ناصعاً ضد الاستعمار والاستبداد، وخاضت معارك سياسية وأخرى انتخابية، وكانت على مرّ الأزمنة السياسية توفّر للدولة التونسية الكوادر القادرة على إدارة شأن الدولة وتولي المناصب القيادية والحكومية بحسب مقتضيات كلّ مرحلة تاريخية. فقد ورث الحزب الحرّ الدستوري الجديد الحكم في تونس عن الدولة الاستعمارية بعد 22 سنة (1934-1956) من النضال السياسي والعمل المسلّح وتحوّل قادته من موقع المعارضة إلى إدارة الدولة والحكم في كافة مستوياته التنفيذية والتشريعية والقضائية.
أحيلت الأحزاب السياسية المعارضة وغير المعارضة على العطالة السياسية، ولم يعد لها مكان في منظومة الحكم السعيدية
وبوصوله إلى هرم السلطة سنة 1987، لم يكتف الرئيس زين العابدين بن علي بقطف ثمار نضالات المعارضات التونسية (30 سنة) اليوسفية والقومية العربية البعثية والناصرية واليسارية الماركسية من آفاق والعامل التونسي والشعلة وحزب العمال الشيوعي والإسلامية الجماعة الإسلامية والاتجاه الإسلامي، والمعارضات القانونية المتمثلة في حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحزب الوحدة الشعبية والحزب الشيوعي التونسي، والحركتين النقابية (1978 و1984) والطلابية بمختلف تنظيماتها السياسية والنقابية (1971-1987) والشعبية (انتفاضة الخبز سنة 1984) ، وإنما استنجد برموز بارزين عارضوا حكم الرئيس بورقيبة (تنظيم راديكالي غير معترف به) وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين (حركة معارضة قانونية معترف بها)، التي أسّسها أحمد المستيري الموصوف بأبي المعارضة التونسية، وحركة البعث القومية العربية (تنظيم سرّي) والاتحاد العام لطلبة تونس، ومكّنهم من مناصب قيادية في الحزب الحاكم آنذاك التجمع الدستوري الديمقراطي وفي الحكومة التونسية على غرار محمد الشرفي ومنصر الرويسي والدالي الجازي وعياض الودرني وعبد الحميد الشيخ وسمير العبيدي، وغيرهم من أسماء أعطت الشرعية لحكم بن علي ما يناهز ربع قرن .
ومع سقوط نظام بن علي سنة 2011، سينتقل التيار الدستوري الذي تولّى الحكم 55 سنة (1956-2011) إلى موقع المعارضة، بينما سيرتقي إلى هرم السلطة الإسلاميون (حركة النهضة) القادمون من السجون والمنافي لمعارضتهم حكمي بورقيبة وبن علي، متحالفين مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بقيادة المنصف المرزوقي القادم من منفاه في فرنسا وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات، المعارض، الذي يقوده مصطفى بن جعفر.
وكان في انتظار ذلك التحالف الإسلامي - اللائكي الذي شكّل حكومتي الترويكا الأولى والثانية 2011-2014 عدّة معارضات ذات انتماءات أيديولوجية وسياسية مختلفة منها اليساري الماركسي (الجبهة الشعبية) والقومي العربي (حركة الشعب) والدستوري (نداء تونس)، وقد تمكّن الأخير بقيادة الباجي قائد السبسي، السياسي المخضرم، وبعد أن فتح حزبه لتيارات نقابية وأخرى يسارية وثالثة على علاقة بالمجتمع المدني، من أن يحقق فوزاً كاسحاً في انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية، ما سيؤدي إلى عودة الدستوريين إلى رئاسات الجمهورية (السبسي) والبرلمان (محمد الناصر) والحكومة (الحبيب الصيد).
توسّعت دائرة المعارضات لتشمل هذه المرّة الحزب الدستوري الحرّ (2016) بقيادة عبير موسي التي استفادت من التجربة الديمقراطية التي أتاحتها الثورة التونسية رغم انحدار حزبها من تجربة استبدادية علا فيها شأن الحزب الواحد واحتكار السلطة ومنع معارضيه من حقهم في التداول السلمي على مؤسسة الحكم، الأمر الذي مكنها من الفوز بـ 17 مقعدا في انتخابات 2019 التشريعية. وعلى الرغم من أن موسي وحزبها كانا جزءاً من مؤسسة الحكم التشريعية فقد اختارت المعارضة، وخصوصا معارضة رئيس البرلمان راشد الغنوشي (2019-2021)، ومن سخرية الأقدار أن يكون مصير كل من موسي والغنوشي السجن في ظلّ حكم قيس سعيّد.
امتطى سعيّد صهوة حصان المعارضة وقد عُرف بقولته الشهيرة عشية اغتيال محمد البراهمي يوم 25 يوليو/ تموز 2013 "ليرحلوا جميعا بسلطتهم ومعارضتهم". ولم يضع سعيّد الفرص في تقديم نفسه معارضا للمنظومة الحاكمة برمتها ولكافة الطبقة السياسية حتى تمكّن من توظيف النظام الديمقراطي الذي أقرّه دستور 2014 للوصول إلى الرئاسة سنة 2019، وأن يجعل من الرئاسة مدخلا لعودة الحكم المطلق وضرب المعارضات المختلفة وإيداع قادتها السجون.
خبرت المعارضات التونسية بيسارها وليبرالييها وبعروبييها وإسلامييها وبنقابييها وحقوقييها النظام الاستبدادي القديم، ولم يفلح معها نظام الاستئصال
وعلى خلاف ما كان يتعرّض له معارضو الرئيسين بورقيبة وبن علي من متابعة ومراقبة بوليسية واعتقالات ومحاكمات وسجن واعتداءات بالعنف وطرد من العمل وتهجير قسري لهم ولعائلاتهم وتجويع أبنائهم وحرمانهم من حق التعلّم، كان سعيّد يمارس معارضته، 8 سنوات، قبل وصوله للحكم، من خلال ما وفّرته التجربة الديمقراطية من مساحات إعلامية وسياسية للفعل والتعبير، دون التعرض إلى أي أذى من أي كان، فقد كان يعلم أنه يخرج إلى الفضاء العام لممارسة حقه في معارضة المنظومة الحاكمة ونعتها بأقذع النعوت، ومع ذلك فهو سيعود إلى بيته وعائلته التي تنتظره سالما معافى.
ومن غير المعروف ما إذا كان الرئيس سعيّد سينتهي به الأمر معارضاً بعد تجربة الحكم المطلق، ولكن المعروف تاريخيّاً أن الرئيس بورقيبة قد أزيح من الحكم بعد 30 سنة وأكمل سنواته الأخيرة سجين منزله في مدينة المنستير مسقط رأسه، وكذلك الأمر مع بن علي الذي أنهى مسيرته طريداً في منفاه الاختياري في السعودية قبل وفاته، وانتهى الأمر بحزبهما الدستوري في صفوف المعارضة إلى جانب العروبيين القوميين واليساريين الماركسيين والإسلاميين النهضويين الذين كانوا ضحايا تنكيل ذلك الحزب عشرات السنين.
كانت المعارضات في تونس على مرّ التاريخ، في ظلّ الأنظمة المستبدّة، دائماً عنواناً للتضحيات ومقاومة الاستبداد والحدّ من غطرسة الحكام وتغولهم على الأفراد والمجموعات والمجتمعات، وفي الزمن الديمقراطي ستصبح المعارضة قوّة توازن ومراقبة للرؤساء والحكومات ووسيلة للتداول السلمي على السلطة وفق ما يقتضيه الدستور الذي يمثّل عقداً اجتماعياً يُدوّن فيه المشترك بين أغلب فئات المجتمع الواحد ومختلف شرائحه.
والمعارضة التونسية، بهذا المعنى، تعبّر عن حيوية المجتمع السياسي وتعطيه القدرة والقوّة على تجديد نفسه، إنها منبع حياة الدولة، فهي من تضخّ فيها، في كلّ مرحلة تاريخية، دماء وأفكارا وبرامج جديدة تمكنها من البقاء والاستمرارية، وهي الأداة المثلى للحيلولة دون شيخوخة الدول وإصابتها بالتهرّم والعجز والموت والاندثار.
تجريم المعارضات التونسية وشيطنتها من سلطة الرئيس قيس سعيّد، وزجّ بعض قياداتها في السجون، وتهميش دورها في الحياة العامة، بالنسبة لبعض آخر، لن يزيدها إلا قوّة وثباتاً، فقد وجدت لتقوم بدورها المعارض وتفرض التعدد والتنوع السياسيين وتدعم الحريات العامة والفردية وخاصة حريات التعبير والإعلام والحق في التنظم السياسي والمدني والنقابي وممارسة حقّها في تولي السلطة بما ينطق به الصندوق الديمقراطي.
يعتقد قيس سعيّد أن المعارضات في تونس ظواهر طارئة ومستحدثة، ليس لها جذور، وهي قابلة للاستئصال والإنهاء
لقد خبرت المعارضات التونسية بيسارها وليبرالييها وبعروبييها وإسلامييها وبنقابييها وحقوقييها النظام الاستبدادي القديم، ولم يفلح معها نظام الاستئصال والاقتلاع من الجذور وسياسة تجفيف المنابع التي مارسها عليها ذلك النظام. أما وقد اشتدّ عودها في العشرية الديمقراطية ومارس من كان مُقصى منها الحق في التداول السلمي على السلطة، فإن تلك المعارضات لن تستسلم للاستبداد الجديد الذي عرفته تونس بعد 25 يوليو/ تموز 2021. وقد بدا هذا الأمر واضحاً في عودة تلك المعارضات إلى الشوارع، في ظاهرة نادرة مقارنة بالدول العربية التي يهيمن عليها الاستبداد، متدثرة بمقولة مركزية لا اختلاف عليها بين فرقاء المعارضة "المعارضة ليست جريمة"، مستفيدة من فشل الرئيس سعيّد في تحقيق مكاسب حقيقية للتونسيين واتسام فترة حكمه، سبع سنوات، برفع الشعارات من دون ترجمتها في إصلاحات حقيقية في مختلف المجالات، وخصوصاً الحيوية والاستراتيجية منها في الاقتصاد والتنمية والتشغيل والتعليم والصحة والنقل والبحث العلمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وآن الأوان للمعارضات التونسية، رغم عمق خلافاتها الأيديولوجية والتاريخية، أن تعلو على تلك الخلافات، وأن تستفيد من محنها ومحاولات القضاء عليها وطمس تجربتها من الشعبوية الحاكمة التي تنكّرت لنضال مختلف المعارضات، بعد أن استفاد منها الرئيس سعيّد دون أن يعترف بالتعدد والتنوع والتداول السياسي ويحترم هذه القيم السياسية المثلى.
الأصوات التي هتفت المعارضة ليست جريمة ورفع أصحابها صور المساجين السياسيين ومعتقلي الرأي والتعبير، مطلوب من قادتها ومراجعهم السياسية أن يتفقوا على تحقيق الأدنى بينهم، هدفين رئيسيين، الأول أن الرئيس سعيّد استوفى حقه الدستوري في ولايتين رئاسيتين ولم يعد يمتلك حق الترشّح مرّة أخرى حسب الشروط الواردة في دستور 2014 ونظيره لسنة 2022، فلا مناشدات ولا "جبهيات" ولا عبقريات بعد اليوم. أما الهدف الثاني فهو تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في آجالها الدستورية بمشاركة كل من يرغب في خوض تلك الانتخابات بإشراف هيئة محايدة ومستقلّة تلتزم بعدم التزوير والقبول بما سينطق به الصندوق، وذلك بعد الإفراج عن سجناء السياسة والرأي والتدوين والعمل المدني، من دون تمييز أو إقصاء.