المشاركة السياسية في سورية والاعتصام أمام البرلمان

09 يونيو 2026

من اعتصام "قانون وكرامة" قرب مبنى البرلمان في دمشق (6/6/2026 مواقع التواصل)

تجمّع عشرات من الناشطين السياسيين والفاعلين الاجتماعيين في دمشق، أمام البرلمان، بناءً على دعوة إلى تجمّع 17 نيسان، الذي أعلن اعتصاماً في 6 يونيو/ حزيران الجاري، انطلاقاً من وثيقة صاغوها قبل الاعتصام الأوّل، في 17 إبريل/ نيسان الماضي، وأضافوا إليها بنداً بشأن مناهضة الخطاب الطائفي، بسبب خطورته على السلم الأهلي. وأصرّ الاعتصام على أنّ سورية لن تنهض من آثار المأساة التي أنزلها بشّار الأسد بسورية وبالسوريين إلّا بعملية انتقالية حقيقية، وانتقال سياسي يشترك فيه الجميع. جاء في بنود الوثيقة: العدالة الانتقالية، ورفض التسوية مع شخصيات النظام السابق، والمشاركة السياسية، والحفاظ على الحرّيات العامّة، وربط الأجور بالأسعار ودعم الفئات الأكثر هشاشةً، ودعم الصناعة والزراعة، وإنهاء استملاك العقارات، كما في المرسوم 66، وعدم خصخصة الخدمات الأساسية، وقضايا كثيرة. هذه القضايا هي حديث السوريين جميعهم، ومن دون الانطلاق منها، لا يمكن الانتقال إلى الاستقرار والسلم الأهلي والنهوض الاقتصادي وإعمار المدن وتأمين فرص العمل للأكثرية.

تقع وزارة الداخلية في خطأ كبير حينما تستدعي شارعاً مقابل شارع

يهدف هذا "التجمّع"، ونقّاد سياسات السلطة كلّهم، إلى تدارك الأمور، وعدم وصول الأزمات السورية إلى مرحلة الانفجار العنيف، ودفع البلاد نحو الإصلاح خياراً سياسياً واعياً وهادفاً لحلّ الأزمات كلّها عبر الحوار، وبوسائل سلمية وديمقراطية. رفض مسارات السلطة، كما نصّت الوثيقة، هو من أجل الانتقال السياسي المستدام وغير القابل للانتكاس، ومحاصرة تفكّك المجتمع السوري الذي من مؤشّراته القطيعة مع السويداء، وضعف اندماج الفصائل في الجيش، وتذمّر السوريين العلويين الواسع بسبب الانتهاكات بحقّهم، وابتعاد المزاج السوري العام عن التمسّك بالوطنية السورية التي عكستها بدايةً المؤشّرات التي أنجزها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فأشارت إلى تفضيل سوري واسع الفكرة الوطنية والحزب الوطني. إن وضعية المرحلة الانتقالية تعتمد على كيفية إدارة السلطة للدولة والمجتمع، وبالتالي، ووفقاً لتلك المسارات، يتحقّق التقدّم ويفترض أن ينتهي بنظام ديمقراطي أو الانتكاسة إلى ما قبل لحظة هروب بشّار الأسد. يستهدف الاعتصام الجديد تجنيب سورية الخيارات الكارثية، كما يحصل في السودان أو ليبيا مثلاً؛ وهذا هو الهدف الجوهري لنقد سياسات السلطة، ونستثني الانتقادات الطائفية أو الانعزالية، فهي تستقي "قوّتها" من بعض أوجه سياسات السلطة الطائفية، وكلاهما كارثي على السوريين.
أعلن التجمّع، عبر صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي، أنّه حاول، بالسبل كلّها، إرسال طلب إخطار للسلطة، ولكنّ الأمر تعذّر لغياب "المعرّفات والمنصّات" التابعة لوزارة الداخلية. ووجود الطلب في "فيسبوك" وغيرها من منصّات هو بمثابة الإخطار، ووجود القوى الأمنية في موقع الاعتصام كان بمثابة استجابة له، ولكنّ أحد قادة القوى الأمنية هدّد المعتصمين بالاعتقال، بحجّة أنّ الاعتصام لم يحصل على ترخيص وزارة الداخلية. وللتوضيح: لقد رفض "التجمّع" التعميم الذي أصدرته وزارة الداخلية الذي يطلب ترخيصاً للاعتصامات، وكانت الوزارة قد أصدرته بعد اعتصام "التجمّع" الأوّل، وكأنّ من يدعو له يريد تسجيل شركة تجارية، بينما يكفي الإخطار، وهو ما تتمسّك به الفعاليات الرافضة للتعميم كلّها، الذي يتناقض مع روح الإعلان الدستوري المؤكّد حقّ التظاهر، والحلّ السليم هو التخلّي عن التعميم أو تجميده. ولا تقمع الوزارة الاعتصامات جميعها، ولكنّها تتقصّد منع بعضها، والأكثر إحراجاً لسياسات السلطة.
لم تشارك أعداد كبيرة في الاعتصام، ولم تكن هناك لافتات ضخمة. رفع المعتصمون أوراقاً صغيرة تعبّر عن مطالب "التجمّع" وقضايا أخرى تنسجم مع روح وثيقة تأسيس "التجمّع" ومع مطالب السوريين بانتقال سياسي تشاركي. ربّما كان الوقت قصيراً بين إعلان الاعتصام وتنفيذه سبباً لمشاركة محدودة، وهناك انتقادات تتعلّق بإدارته، وبغياب أطر حوارية سابقة له تُعمّق مطالبه أو تُشتقّ منها، وبشأن شكل الاعتصام، وغيرها من انتقادات. على هامش الاعتصام، دارت حوارات مع مستطلِعين أمر هذا الاعتصام، وكانت أغلبيتها غير عدائية إلا أنّها كانت حادّة نوعاً ما، وكذلك ردود بعض المعتصمين. وأبدى محاورو المعتصمين استغرابهم من الاعتصام، وبرّروا للسلطة، وأنّ لها أولويات أخرى، رغم أنّ بعض تلك الأولويات تضمّنتها وثيقة "التجمّع" التي من الواضح أنّهم لم يطّلعوا عليها. تجمّعات أخرى، لم تتجاوز الشارع المقابل للمعتصمين، راحت تصدح بعبارات ضدّ الاعتصام، وكان الشعار الأكثر تكراراً "قائدنا للأبد سيّدنا محمّد"، رغم خلو الاعتصام من أيّ إشارات فئوية.

لا تهدد الاعتصامات في سورية السلطة بل إنّ غيابها هو الخطر الحقيقي على مستقبل البلاد وعلى السلطة

تقع وزارة الداخلية في خطأ كبير حينما تستدعي شارعاً مقابل شارع، وقد رفعت القوى الأمنية التي أتت لمراقبة الاعتصام أصوات منبهات سيّاراتها وقتاً طويلاً، ما بدا إزعاجاً وتعمّداً للتشويش على المعتصمين، وهدّدت المعتصمين بالاعتقال في حال لم يفضّوا اعتصامهم، وحاولت القوى الأمنية فضّ الاعتصام بإغلاق بوابة الصالحية بشرطة مكافحة الشغب وتحريك سيارة أمنية تجاه المعتصمين. تجاوزت وزارة الداخلية ما فعلته في المرّة السابقة حين وجدت فقط لحماية اعتصام "التجمّع".
هذا الاعتصام ومطالبه، واعتراضات سوريين آخرين، ليست بالضرورة ضدّ السلطة كما يرى بعضهم؛ فهي مطالب إصلاحية، تريد تصويب السلطة، وقد تتفق مع انتقادات دولية وأممية. فمطالب الاعتصام سياسية واقتصادية وحقوقية واجتماعية، تدافع عن مشروع وطني للنهوض بسورية، وهي مطالب وطنية بامتياز، وليست لصالح فئة ضيّقة، بل تستقي رؤيتها من الخيار الوطني العام، وبما يفيد السوريين كافّة، بل هي في مصلحة السلطة ذاتها، التي لم يطالب المعتصمون بإسقاطها.
انتقالية المرحلة التي تمرّ بها سورية توقع السلطة والمعارضة ومختلف الفاعلين في كثير من الأخطاء والتعثّر، لكن السلطة وحدها من تتحمّل مسؤولية هذا حين تغيب الشفافية من أبسط قضايا الحكم وحتّى أعقدها. فالسلطة السورية الجديدة تتعامل وكأنّها سلطة منتخبة، بينما تقصي في الواقع الفعاليات السورية عن المشاركة والمساهمة، بل عن دورها في مساعدة السلطة في مواجهة التحدّيات الكُبرى التي تواجه السوريين، في وقت يستدعي فيه تعدّد الأزمات التي تواجه السلطة كلّ مشاركة سياسية ممكنة، وهناك ضرورة للدعوة إلى مؤتمر وطني عام. المشاركة هي ما سيدفع بالضرورة نحو الشفافية، والمعرفة التفصيلية بأحوال البلد التي قد تَخفى على السوريين، ما يسهم في وضع الأسس الوطنية وإنجاح المرحلة الانتقالية. هل تشكّل هذه الاعتصامات خطورةً على مستقبل السلطة؟ العكس هو الصحيح: غيابها هو الخطر الحقيقي على مستقبل البلاد وعلى السلطة ذاتها.