المسلم الذي انتصر على الوحش

09 نوفمبر 2025

عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني يلقي كلمة في مسجد في بورتو ريكو (7/11/2025 Getty)

+ الخط -

عندما تزور نيويورك، وتتجوّل في شوارعها، تُبهرك بضخامتها وأضوائها ومبانيها العالية، فتظنّ أنّك تتجوّل في رياض الجنّة. لكنك لمّا تحاول الغوص في منعرجاتها، والتعرّف إلى حياة سكّانها، تكتشف أن لهذه المدينة الساحرة وجهاً آخر، وأن خلف المباني الضخمة يتراكم البؤس والحرمان، فهذه المدينة الفاتنة تحكمها أقليةٌ من الأثرياء، يتحكّمون فيها من طريق المال والشرطة واللوبيات القوية. لهذا يبدو لك أن اختراقها والتفكير في تغيير نظامها مستحيلان... ماذا فعل الشاب زهران ممداني، الهندي الأصل، حتى ينجح في كسر أقفال هذه المدينة، ويُحدِث الزلزال في أميركا كلّها؟ وقد يكون الأثر أوسع من ذلك بكثير.
جرت العادة أن على الطامحين إلى الحصول على مفاتيح المدينة أن يبدؤوا مغامرتهم بطَرْق أبواب كبار الأثرياء الذين في أيديهم المفتاح السحري لأبواب السلطة. وأن يطوفوا بأهم اللوبيات يرجون دعمها وحمايتها، وفي مقدّمتها أضخم تجمّع صهيوني في العالم.
لم يفعل ممداني هذا، وإنما سلك الطريق المعاكس؛ بحث عن الدعم في صفوف جحافل البؤساء والمسحوقين. هؤلاء، الذين حاصرتهم المنظومة الرأسمالية المتوحّشة، وجعلتهم يعيشون من الفتات الذي يمسك رمقهم حتى لا يتلقّفهم الموت. هؤلاء الذين لا يهتمون بالسياسة، ولا يصدّقون ما يردّده محترفوها من أكاذيب، لمّا استمعوا إلى هذا الشاب لم يعبؤوا به في البداية، لكنهم عندما أحسوا بصدقه، وأدركوا أنه يدعوهم إلى مواجهة الوحوش الكبيرة، وأن مصلحته من مصلحتهم، قرّروا خوض المغامرة معه مهما كانت النتائج.
لم يحدّثهم عن الإسلام، ولم يتعامل معهم داعيةً، ولم يبشّرهم بالجنة ويرهبهم من النار، ولم يميّز بينهم على أساس العقيدة واللون والجنس والعرق. تعامل معهم بروح إنسانية عالية وانفتاح كامل وصدق نادر وتواضع صادق وحبّ فيّاض. وبمثل هذه الأخلاق صدّقوه، وتفاعلوا معه وأحبّوه، واستقبلوه في محالّهم وأماكن عبادتهم ولهوهم وفي بيوتهم. التحموا به واتّحد معهم من أجل مطالب حارقة وقضايا عادلة.
عرض عليهم برنامجاً انتخابياً قابلاً للتنفيذ، ولم يحلّق بهم في سماوات عالية. عرض عليهم حلولاً واقعيةً لمشكلاتهم اليومية، خلافاً لما يفعله السياسيون عادة، وانخرط معهم في الدفاع عن الحرية والعدالة. وعندما رُفع القناع عن جرائم الإبادة الجماعية في غزّة، كان صوته عالياً، يقود الجماهير بصفاء وعمق. وكان أول ما أقدم عليه توثيق العلاقة باليهود المعادين للصهيونية، الذين انقلبوا على سرديّة اللوبي الصهيوني، وتحرّروا من شباكه، وقطعوا الصلة بحِيله وإغراءاته. هكذا أسهمت قضية غزّة المحاصرة في تحريك مئات آلاف من أهل نيويورك، وأخرجت الكتلة الصامتة من صمتها.
لم يكذب الرجل كما كذب السياسيون، فالسياسة أخلاق والتزام، أو لا تكون. وفي هذا الطريق المليء بالأشواك والمخاطر كان لا بدّ من مواجهة دونالد ترامب الممتلئ بذاته، والمعتزّ بماله وحلفائه، وبقدراته على إيذاء خصومه. لم يُصَب زهران بالخوف من هذا التنّين الذي له استثمارات ضخمة خاصة في نيويورك، وقرّر أن يتحدّاه إلى آخر لحظة في السباق الانتخابي. التحدّي شرط لازم من شروط السياسي القادر على التغيير وتحقيق الفوز، فبرنامج زهران كان متناقضاً تماماً مع برنامج ترامب ورؤيته إلى الحياة والسياسة والناس والمستقبل. هما خطّان متوازيان لا يلتقيان.
مرّة أخرى، يتأكّد أن المستحيل يمكن أن يتحقّق في أميركا، فعندما تُغلق الأبواب، يخرج من تحت الأرض من يعدّل الكفّة ويخترق الأسوار الإسمنتية. لا يتحقّق هذا بالعنف والقتل والإرهاب كما فعل بعضهم، وإنما عبر الاختراق واستثمار الحريات والقوانين، والأهم اكتساب الحصانة الأخلاقية والوعي السياسي والقدرة على مخاطبة الناس، والإيمان بهم من دون تمييز أو محاصصة. هذا ما حاول أن يفعله كلٌّ من مارتن لوثر كينغ ومالكولم إكس. وما يُخشى في هذا المحيط الهائج أن تعمد المنظومة إلى اغتيال من يهدّدها، خصوصاً إذا كان مسلماً، أدرك أن الله ليس في السماء ولا في البندقية، وإنما في قلوب المظلومين، وأن الانتصار على الوحوش يتحقّق من خلال الانغراس بين الناس والتمسّك بالقيم.