المسكوت عنه في الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان

المسكوت عنه في الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان

22 سبتمبر 2021
الصورة

قوة من الشرطة المصرية في أحد شوارع القاهرة (5/1/2019/فرانس برس)

+ الخط -

صدرت، أخيرا في مصر، الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بعد شهور من الحديث عنها، وإجراء حوارات بين الدولة ومنظمات عاملة في مجال حقوق الإنسان في الداخل. جاءت الاستراتيجية في 78 صفحة، تغطي عددا من المحاور، أبرزها الحقوق المدنية والسياسية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحقوق المرأة والطفل، وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان. ويضم كل محور الفرص ونقاط القوة، والتحدّيات، والنتائج المتوقعة أو الالتزامات التي ستبقى على كاهل الإدارة المصرية. وقد تم تقسيم كل محور إلى حقوق فرعية متعلقة به.

تفترض الاستراتيجية، في الجزء التمهيدي بها، عوامل مساعدة على المضي بالارتقاء بأوضاع حقوق الإنسان. أولها وجود الإرادة السياسية العازمة على تنفيذ ذلك، والالتزام باحترام الدستور في كفالة الحقوق والحريات الأساسية. وللأسف على عكس ذلك، تفتقد الاستراتيجية الإرادة السياسية المشار إليها، حيث الحكومة والسلطة التنفيذية أحد الأسباب التي تؤدي إلى وضع مزيد من معيقات احترام الحريات، وهو ما ظهر في القيام بتعديلات دستورية منافية لنصوص الدستور، والخاصة بتعديل المواد الرئاسية المتعلقة برئيس الجمهورية، فضلا عن تعديلات أطاحت استقلال الهيئات القضائية وسيرها، في تغييب احترام الضمانات المقرّرة في الدستور، بإصدار قوانين مكبّلة للحقوق والحريات، بالإضافة إلى صدور تعليمات إدارية وأمنية للجهات الوزارية تضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط في مجال الحق في التنظيم أو حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، والمشاركة السياسية.

بالإضافة إلى استمرار حالة الطوارئ بلا توقف منذ عام 2017، بالمخالفة لنصوص الدستور التي تفترض إصداره ثلاثة أشهر ومدة للفترة نفسها بعد موافقة أغلبية ثلثي نواب مجلس النواب، والتي تسمح بإحالة جرائم كثيرة منصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين الخاصة الأخرى إلى محاكم أمن الدولة طوارئ، والتي لا تسمح بالطعن في أحكامها أمام جهة قضائية أعلى، ويتمتع رئيس الجمهورية بحق التصديق على هذه الأحكام أو رفضها أو إحالتها إلى دوائر قضائية أخرى.

السلطة التنفيذية لا تعترف بحقوق الإنسان

تشير الاستراتيجية إلى عدة تحدّيات رئيسية تواجه تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية في مصر وحمايتها، أهمها: الحاجة إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، فهذه الثقافة ضعيفة، كما بعض الموروثات الثقافية التي تتعارض مع فهم حقوق الإنسان ومبادئها. الحاجة إلى تعزيز المشاركة في إدارة الشأن العام، وأهمية معالجة ضعف مستوى المشاركة، بما في ذلك ضعف الوجود المجتمعي للأحزاب السياسية، وعدم انخراط الشباب في العمل الحزبي على النحو المأمول. الصعوبات التي تواجه تحقيق التنمية الاقتصادية المستهدفة. وأخيرا، الإرهاب والاضطراب الإقليمي.

تتجاهل الاستراتيجية المناخ والخلفية السياسية والقانونية التي يتم من خلالها إدارة شؤون الملفات الداخلية والخارجية، ومنها المتعلقة بحقوق الإنسان والمجتمع المدني

والمشكلة أن جزءا كبيرا من أسباب هذه التحدّيات يعود إلى ممارسات الإدارة والسلطة التنفيذية في تقييدها الحقوق والحريات، حين قيدت المنابر الحقوقية، وتحفظت على مئات الجمعيات والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، كما أنها جعلت هناك انفصالا بين اللافتات والورش الخاصة بثقافة حقوق الإنسان وانعكاسها على مستوى التطبيق داخل الجامعات والأحزاب والمجتمع بشكل عام. كما أنها تقيّد المشاركة السياسية للأحزاب السياسية، وأبرز مثال لذلك هو في حبس مئات من أعضاء الأحزاب والناشطين السياسيين لمجرد التعبير عن آرائهم، والقبض على أعضاء "تحالف الأمل" المكون من عدة أحزاب ديمقراطية، لمجرد تنسيقه لخوض انتخابات مجلس النواب الماضية، ولا زال أبرز هؤلاء خلف قضبان الحبس الاحتياطي، والإحالة إلى محاكمات أمام محكمة أمن الدولة طوارئ، منهم النائب السابق والمحامي زياد العليمي، الصحافي هشام فؤاد، القيادي في حزب الكرامة حسام مؤنس، أحمد تمام، حسن بربري، وعشرات على ذمة القضية 930 لسنة 2018، حصر أمن دولة عليا.

وهناك مشكلات أساسية تتعلق بهذه الاستراتيجية، أولاها أنها تتجاهل المناخ والخلفية السياسية والقانونية التي يتم من خلالها إدارة شؤون الملفات الداخلية والخارجية، ومنها المتعلقة بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، والمتعلقة بإدارة الأحزاب السياسية والنقابات المهنية العمالية والإعلام، من خلال تعليمات إدارية وتشريعات قانونية، أدّت، ولا تزال، إلى تكبيل استقلال السلطة القضائية، وهيمنة الإدارة على السلطة التشريعية، من خلال هندسة انتخاباتها بشكل معين، للخروج بنتيجة محدّدة، وتسيير منظمات المجتمع المدني بأشكالها المختلفة. ويعتبر هذا المناخ البناء الفوقي الحاكم للوضع السياسي الحالي، وتساهم في تدويره الأجهزة الأمنية. وتحكم تلك التفاعلات وتشكل مسار المجتمع المدني وحالة حقوق الإنسان، وهي الفاعل الرئيسي المؤثر بحق في تلك الحالة، وقد سكتت عنها هذه الاستراتيجية، ولم تتحدّث عنها، لأنها تتعلق بإدارة الملفات الداخلية في "الجمهورية الجديدة"، تلك التي يعمل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تكريسها، والتي ليس لها مضمون سياسي أو تنموي واضح، يستطيع كثيرون مناقشته بالاختلاف أو الاتفاق.

أهم المسكوت عنه في الاستراتيجية

أولا، على سبيل المثال، وكما هو متوقع، لم تتحدث الوثيقة عن إدارة الأجهزة الأمنية الملفات المتعلقة بالتعامل مع الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية، والتدخل في شؤون الأحزاب السياسية، خصوصا غير المساندة للنظام، مثل "مستقبل وطن" وغيره، وهي الأحزاب التي تنتمي للتيار الديمقراطي، مثل الدستور والمصري الديمقراطي والكرامة والمحافظين والحركة المدنية. وكذلك إدارة التدخل في الشأن الانتخابي للنقابات المهنية والعمالية، وهو ما حدث، على سبيل المثال، في انتخابات النقابات العمالية في عام 2018.

جزء كبير من التحدّيات يعود إلى ممارسات الإدارة والسلطة التنفيذية في تقييدها الحقوق والحريات

ثانيا، تتجاهل الوثيقة ملف استقلال القضاء، والذي تم إضعافه إلى حدود كبيرة، بعد التشريعات التي صدرت خلال السنوات الماضية، وأبرزها ما جاء انعكاسا للتعديلات الدستورية التي أجريت في عام 2019، واستهدفت في أحد جوانبها تعيين السلطة التنفيذية رؤساء الهيئات القضائية المختلفة.

ثالثا، تتجاهل الاستراتيجية الوضع المتردّي لحالة حقوق الإنسان في ملفات عدة: منها الحبس الاحتياطي المطوّل، وإعادة الاتهام المتكرّر، وهو ما بات معروفا باسم التدوير لأعضاء الأحزاب والنشطاء السياسيين والحقوقيين المحبوسين منذ سنوات، فضلا عن حالة سيطرة الأجهزة الأمنية على ملف الإعلام من خلال إحدى شركات الإنتاج الإعلامي، الشركة المتحدة، وتحكّم هذه الجهات في الصحافة الحكومية والمستقلة من خلال رسائلها اليومية إلى رؤساء التحرير، والاتصالات الهاتفية المستمرّة للتأكيد على توجهات هذه الصحف، وحجب مئات المواقع الخاصة والمستقلة.

رابعا، استمرار إعلان حالة الطوارئ منذ إبريل/ نيسان 2017، وإحالة موضوعات وجرائم كثيرة إلى نيابات ومحاكم أمن الدولة طوارئ، والتي لا تستطيع الطعن في أحكامها، ويحوز رئيس الجمهورية سلطة التصديق على تنفيذ أحكامها أو وقفها أو إلغائها.

خامسا، تتجاهل الوثيقة الخلفية القانونية والبنيان القانوني والتشريعي بقانون العقوبات والإجراءات الجنائية والقوانين الخاصة الأخرى الذي يؤدّي إلى دولة استبدادية، تغيب فيها قواعد القانون والعدالة، ويسود فيها التصرّفات المطلقة لأجهزة الأمن، بما يشملها من تعذيب المحتجزين، والإخفاء القسري لكثيرين منهم، ومن أبرزهم النائب السابق، مصطفى النجار، ومئات من الشباب الذي يختفون قسريا تحت أيدي أجهزة الأمن من أسبوع إلى شهور حتى يُعرضوا على نيابة أمن الدولة.

تتجاهل الوثيقة ملف استقلال القضاء الذي تم إضعافه إلى حدود كبيرة

وتتجاهل "الاستراتيجية.." أيضا وجود عشرات من أعضاء الأحزاب السياسية وقياداتها محبوسين لمجرّد ممارستهم نشاطا سياسيا وحزبيا، وآلاف تم حبسهم لمجرّد تعبيرهم عن آرائهم، في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل رئيس حزب مصر القوية، عبد المنعم أبو الفتوح ونائبه محمد القصاص، ناهيك عن عشرات الأعضاء في أحزاب الكرامة والدستور والتحالف الشعبي والمصري الديمقراطي. وتتجاهل أيضا الأحكام القضائية التي صدرت على بعض الناشطين السياسيين، مثل ممدوح حمزة والحقوقي بهي الدين حسن.

الدستور بمفرده لا يكفي

من جانب آخر، تشير "الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان" إلى نصوص الدستور، واعتبرته ضمن نقاط القوة والفرص المتاحة، وهو ما اعتادت فعله في التقرير الرسمي أمام مجلس حقوق الإنسان في المراجعات الدورية المختلفة، ولكنها تتناسى أن نصوص الدستور لا تحكم بمفردها، فهي تضع قواعد عامة ومبادئ عامة للحريات، فهي ليست الحاكمة في هذا السياق، إلا حين يتم الدفع بعدم دستوريتها أمام المحكمة الدستورية العليا، ولكن تلك النصوص تحيل إلى القوانين لتنظيم هذه الحقوق، فيأتي القانون ليكبل هذه الحقوق، إما بقيود قانونية واضحة أو بتفاصيل تفرضها الأجهزة الأمنية والإدارية والوزارية من وراء الستار. ومن النتائج المتوقعة أيضا من الاستراتيجية التشريعات التي أشار دستور 2014 إلى ضرورة إصدارها. ومنذ ذلك الوقت، تجاهلت الدولة وأجهزتها إصدار مثل هذه القوانين، مثل قانون العدالة الانتقالية، قانون بتعويض المحبوسين احتياطيا الذين لم تثبت الاتهامات في حقهم، قانون بحرية المعلومات، وغيره من القوانين التي تشير إليها الاستراتيجية. فماذا يمنع الدولة والسلطة التنفيذية من إصدار هذه التشريعات، وهي التي تتحكّم في البرلمان، وتختار أعضاءه وتضعهم في قوائم "دعم مصر"، ليتم اختيارهم بشكل أتوماتيكي، في ظل نظام القائمة المطلقة التي لا تضع بالا للأحزاب الأخرى.

لوم المجتمع.. أين دور الدولة؟

ومن التحدّيات التي تأتي عليها الوثيقة ضعف الوعي المجتمعي في عدة محاور، مثل المشاركة السياسية، والوعي بحقوقهم القانونية، وأمثلة أخرى. تشير الوثيقة، في البعد الخاص بالحق في الحياة والسلامة الجسدية من ضمن التحديات، إلى نقص الوعي القانوني في المجتمع، بما يعد معاملة قاسية، أو مهينة أو غير إنسانية، والمجرّمة وفقا للقانون، وكذلك نقص الوعي بحقوق الضحايا، وسبل التعامل معهم. كما تشير، في المحور الخاص بالحق في الحرية الشخصية، إلى نقص الوعي القانوني لدى بعض المواطنين عند ضبطهم. وهو الأمر الذي يرجع، بشكل أساسي، إلى مأموري الضبط القضائي الذين يقرّر لهم القانون سلطات القبض والتفتيش. وعلى الرغم من أنه يجرّم التعذيب المادي والمعنوي بحق المواطنين، إلا أن ذلك يُمارس ذلك بشكل منهجي، وإذا ما توفرت حالة الوعي لدى المواطن فهي تكون سببا إضافيا للتنكيل به، وليس لإعطائه حقوقه. كما لا تحمّل "الاستراتيجية .." مسؤولية للإدارة التنفيذية في تنفيذ التشريعات الوطنية التي تحظر المسّ بالحرية الشخصية، أو المسّ بسلامة الجسد، وتضع عشرات العراقيل الروتينية التي تحمى رجال الضبط القضائي من أي مساءلة، إلا في بعض قضايا الرأي العام. وعندما تتناول الاستراتيجية معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين، تشير إلى تنفيذ خطة تطوير منشآت السجون وتحديثها وبرامج هذا كله، وإنشاء سجون جديدة لتقليل الكثافة في السجون واستحداث آليات متطوّرة لتنظيم الزيارات في السجون من خلال تحديد مواعيد مسبقة لذوي النزلاء باستخدام تطبيق إلكتروني، تتجاهل أن هذه الآلية قللت من مدد الزيارة التي كفلها قانون السجون في زيارة أسبوعيا إلى زيارة شهريا، كما تتجاهل عدم تطبيق القانون الخاص بالتريض والرعاية الصحية والتراسل أو الاتصالات التليفونية بين المسجون أو المحبوس احتياطيا مع ذويه.

لم تتحدّث الوثيقة عن إدارة الأجهزة الأمنية الملفات المتعلقة بالتعامل مع الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية

وعندما تتناول الوثيقة الحبس الاحتياطي، فإنها تشير إلى الحاجة لوضع إطار لازم لضوابط الحبس الاحتياطي ومبرراته، الواردة في القوانين الوطنية، ماذا يمنع الدولة والسلطة التنفيذية من ذلك إلا الارتياح للوضع القائم واستغلاله، في انتهاك الحق في الحرية لآلاف المحبوسين احتياطيا. كما تشير الحاجة إلى تعميم مشروع النظر عن بعد في أوامر الحبس الاحتياطي الذي يتيح للقاضي الاتصال مباشرةً بالمتهم المحبوس احتياطيا بحضور محاميه عبر دائرة تليفزيونية مغلقة، متجاهلة أن هذا الإجراء قد ينتهك الحق في محاكمة عادلة، ولا يتيح للمحامي حرية إبداء دفاعه أمام المحكمة.

وحين تتناول الوثيقة الحقوق السياسية، ومنها حرية التعبير، والحق في المشاركة السياسية والحق في التنظيم، والتجمع السلمي، والحق في تكوين النقابات العمالية والانضمام إليها، وحق تكوين النقابات المهنية، وحرية الدين والمعتقد، فإنها تقوم بتجزئة تلك الحقوق المنصوص عليها، والمحمية دستوريا واختزالها في جوانب أخرى، ليس لها علاقة بدور أجهزة الدولة في تحقيقها بقدر إلقاء اللوم على المواطن، من دون الإشارة إلى المعوقات التي تضعها الدولة في تجريم حرية الرأي والتعبير، من خلال الصحف والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي باتهامات عدّة، منصوص عليها في قانون العقوبات، وبعض القوانين الخاصة، مثل نشر أخبار كاذبة، أو المساس بالقيم الأسرية في المجتمع المصري، وتشجيع الإرهاب وغيرها.

تبقى الاستراتيجية وثيقة أخرى تفتقد التنفيذ، وتنضم إلى الأدراج إلى جانب تعهدات الحكومة المصرية أمام مجلس حقوق الإنسان ونصوص الدستور والاتفاقيات الدولية من دون تنفيذ!

وحين تتناول الوثيقة الحق في التجمع السلمي، لا ترى فيه تحدّيا سوى ضعف الوعي العام بثقافة الاحتجاج السلمي، وغياب الإلمام بالشروط القانونية لتسيير المظاهرات، بينما لا تضع احترام هذا الحق وتنفيذه بالأخطار موضع التطبيق. وعمليا، لم يتم السماح بأي مظاهرات سلمية منذ عام 2015، سواء ضمن الأخطار المشار إليها في الدستور أو حتى في الأماكن المخصصة من مديريات الأمن بالتظاهر من دون إخطار، بسبب قانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914 وقانون التظاهر 107 لسنة 2013، اللذين يقيّدان حرية التجمع السلمي بشكل كامل، ويضعان عقوبات بالحبس والسجن ضد المخالفين للقانون.

أخيرا، لن يصبح الحديث عن استراتيجية حقوقية وطنية في مصر جادا إلا بوجود حدٍّ أدنى من الحقوق والحريات الأساسية، تسعى الاستراتيجية إلى تطويره، إنما حين تنطلق من أوضاع بالغة التردّي والانهيار في مجال حقوق الإنسان، سواء فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، والبنيان القانوني الذي يسمح بالحبس الاحتياطي المطوّل لآلاف الشباب والناشطين في العمل العام، لمجرّد آراء خاصة بهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وبما يسمح بالاتهام المتكرّر لهؤلاء النشطاء، ليظلوا في الحبس الاحتياطي مددا تصل إلى أربع سنوات من دون إحالتهم إلى محكمة نزيهة وعادلة ومختصة ومستقلة، فضلا عن القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير، خصوصا في وسائل التواصل الاجتماعي، وتقييد استقلال الإعلامين، الخاص والحكومي. والقيود المفروضة على الهيئات القضائية من جانب السلطة التنفيذية في اختيار رؤساء هذه الهيئات وتعيين القضاة في مجلس الدولة، وجمع النيابة العامة بين سلطات الاتهام والتحقيق والإحالة إلى القضاء، الأمر الذي يزيد من تعاظم سلطاتها في مواجهة المواطنين العزّل من أي حماية قانونية وقضائية أخرى، فضلا عن تغوّل الأجهزة الأمنية والإدارية على استقلال الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والمبادرات الطلابية والمدنية.

في ظل هذا المناخ، لن تصبح "الاستراتيجية .. " إلا مجرد وثيقة أخرى تفتقد التنفيذ، وتنضم إلى الأدراج إلى جانب تعهدات الحكومة المصرية أمام مجلس حقوق الإنسان ونصوص الدستور والاتفاقيات الدولية من دون تنفيذ! أو لتصبح شاهدا أمام الرأي العام الدولي باحترام هذه المواثيق من دون إعمالها فعليا.