المسؤولية الديمقراطية والمسؤولية عنها

المسؤولية الديمقراطية والمسؤولية عنها

16 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

طرح الانقلاب الكاريكاتوري، سيّئ الطبخ والإخراج والقيادة، على الديمقراطية التونسية، أسئلة مهمة بشأن طبيعة المسؤولية السياسية في الإطار الديمقراطي، وكذلك المسؤولية عن حماية الديمقراطية، وهما أمران متداخلان. فالقيادات المنتخبة ديمقراطياً عليها مسؤولياتٌ كجزء من مهام الحكم، وأهمها العمل بجدّية على تنفيذ البرامج التي انتُخبت على أساسها، والوفاء بحدّ أدنى من مسؤوليات الدولة. فالسياسي ينتخب لكي يؤدّي مهام محدّدة، ثم يحاسب عليها، ويستبدل من لم يفِ بها ليأتي غيره. في الوقت نفسه، ينعكس سلوك القادة المنتخبين وأداؤهم سلباً وإيجاباً على رؤية الشعب للعملية الديمقراطية، وقد يقوّض الثقة فيها إذا تدنّى مستواه، فالقيادة المنتخبة ديمقراطياً مسؤولة في الديمقراطية، ومسؤولة عنها.
ويرتبط هذا بما تعجّب منه معلقون كثر مما بدا أنه ترحيب قطاع كبير من التونسيين، بين العامّة والنخبة، بالانقلاب وتهليلهم له، بل حتى ما وصفه المهدي مبروك بـ "كراهية الديمقراطية". مثل هذه الكراهية لا تنتج من تطوّرات سياسية وقتية، بل تمثل قناعات. وإذا استبعدنا ما دأب بعضهم على ترداده أن العرب/ المسلمين لا يعقلون الديمقراطية ولا يطلبونها بسبب "معوقات ثقافية"، فلا بد من التساؤل عن سرّ رفض خصوم التجربة التونسية العملية الديمقراطية برمتها، خصوصاً إذا صحّت مزاعمهم بأنّ طرفاً واحداً، هو حزب النهضة (لم يحصل على أغلبية أصلاً) هو المشكلة، فلماذا لا يلجأون إلى الحل الديمقراطي السهل، ويدعون إلى انتخاباتٍ جديدةٍ تطيح "النهضة" وتأتي بمن يريده "الشعب"؟
يذكّرنا هذا بأنّ ما تشهده تونس اليوم هو، إلى حد كبير، تكرارٌ للتجربة المصرية التي وُئدت فيها الديمقراطية في مهدها، خصوصاً في ما يتعلق بأنّ السطو على مؤسسات الحكم الديمقراطية جرى في الحالين في وضح النهار، وليس في غسق الليل أو السحر، كما هي العادة. وفي الحالتين، جاء البغاة من داخل التجربة ومن تحت سقف الديمقراطية، وعبر مؤسساتها. وفي الحالين، كانوا يدّعون أنهم جاؤوا لاستحضار الديمقراطية الحقيقية، (ولكن من دون أن يفكروا أبداً في الانتخابات الحرة النزيهة، ولا متطلباتها الأخرى من إعلام حر وحريات، إلخ).

تناول عزمي بشارة مساهمة أخطاء الأحزاب التونسية، وخصوصاً حزب النهضة، في توفير الذخيرة لأعداء الديمقراطية عبر المساومات غير المبدئية مع فلول النظام السابق

في الحالين أيضاً، يصبح الحديث عن "فشل الديمقراطية" موضوع تساؤل، فهل يمكن تسمية العدوان الوحشي على التجارب الديمقراطية من أعدائها فشلاً؟ ما تسمّى الديمقراطية في مصر بالكاد أكملت عاماً، ولم يكن للجهاز التنفيذي ولا التشريعي سلطان حقيقي فيها، فالرئيس لم تكن له ولاية على الجيش، ولا على الشرطة والأمن، ولا على القضاء، ولا على الجهاز البيروقراطي، ولا على الإعلام. فكيف يوصف بالفشل وهو لا يحكم، خصوصاً أن الجهات التي تحكم بالفعل هي التي قامت بالانقلاب؟ الأمر نفسه يمكن أن يقال في تونس التي أقال فيها الرئيس قيس سعيّد الحكومة التي وضعت تونس من أوائل الدول التي تغلّبت على وباء كوفيد 19 في 2020، إن لم تكن أولها، قبل أن يعرقل عمل الحكومة التي عيّنها بديلاً لها، ثم قام بالانقلاب عليها بحجّة أن الوباء عاد إلى التفشي، في عهده وعهدته، وكنتيجة مباشرة لتصرفاته؟
هذا بالطبع لا يعفي من الحديث عن المسؤولية الديمقراطية، وهو موضوع كان عزمي بشارة من أوائل من تصدّى له على صفحته في "فيسبوك" (28 يوليو/ تموز)، حيث تناول مساهمة أخطاء الأحزاب التونسية، وخصوصاً حزب النهضة، في توفير الذخيرة لأعداء الديمقراطية عبر المساومات غير المبدئية مع فلول النظام السابق، بدءاً بالتحالف مع الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس، على حساب العدالة الانتقالية، وانتهاءً بالتحالف مع نبيل القروي وحزبه "قلب تونس"، على حساب مكافحة الفساد. وما زاد الطين بلة، أنّ حركة النهضة تمادت في انتخابات 2019 في شيطنة القروي ووصفه بالفساد وكل نقيصة، داعمة بذلك منافسه قيس سعيّد، على الرغم من معاداة الأخير، الشعبوية السافرة، وكل مبدأ ديمقراطي. وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن "النهضة" عادت وتحالفت مع القروي، فوضعت نفسها والديمقراطية في موضع الإدانة. وبحسب بشارة، أفقدت هذه المناورات الجمهور النماذج المبدئية للعمل الحزبي، مقابل ما يبدو أنها انتهازية فجّة، فشلت حتى هي في تحقيق هدفها البراغماتي. ذلك أن "النهضة" خسرت بهذه المناورات قطاعاً من جمهورها الأساس، المؤيد للديمقراطية والمتمرّد على الفساد، ولم تكسب جمهور الأحزاب التي تحالفت معها، وهي أحزابٌ تكره "النهضة" والديمقراطية معاً... هل نستنتج من هذا أنّ الديمقراطيات العربية الوليدة لم تتعرّض فقط للاغتيال والاختطاف، بل أيضاً انتحرت بممارسات القائمين عليها؟
هناك كثير من الصحة في هذا الاستنتاج، لأن العدوان على الديمقراطية لا يأتي في الغالب إلا بعد أن تكون قد قتلت معنوياً، عبر التأليب عليها، واستغلال التقصير الإداري، أو الأزمات الاقتصادية، أو الصراعات الأهلية، أو تفشّي "الفوضى" للتنفير منها، وتصوير الدكتاتورية حلاً. وفي حالاتٍ كثيرة، تستبق الأحزاب الأيديولوجية الأزمات، معلنةً رفض الديمقراطية من حيث المبدأ، مبشّرة ببدائل "ثورية" وصنوف من اليوتوبيا، يسعد فيها الشعب بنعيمٍ مقيمٍ تحت نظام طاهر مطهر، أو خالٍ من الطبقية، أو هو قاهر للاستعمار والمحتل الأجنبي .. إلخ.

لعل الخطأ الأكبر في حالة "النهضة" لم يكن التشبث بالسلطة كما يقال، بل بالعكس، تقديم تنازلاتٍ عنها في غير موضعها، والتخلي عن مسؤولياتها في الحكم

ولكن هذا لا يخلي القوى الديمقراطية من المسؤولية، حتى لو قبلنا بأن ما وصفها الناقمون عيوب الديمقراطية من اجتراح هؤلاء المتربصين أنفسهم، كما أوضحنا، ومع الأخذ بالاعتبار التدخلات الأجنبية بتواطؤ مع القوى الأمنية والعسكرية في البلاد، فأخطاء الممارسة الديمقراطية تظل العامل الحاسم. والدليل سرعة سقوط التجربة المصرية في مقابل صمود التونسية، في ظل تشابه كثير (وتطابق) في التحدّيات، من هوية الجهات المتربصة، وأساليبها وتكتيكاتها.
الاحتجاج بأن خيارات الناخبين فاقمت المشكلة هو أيضاً لا يكفي. صحيحٌ أن الشعب المصري انتخب غلاة السلفيين للبرلمان، مفضّلاً إياهم على الأحزاب المعتدلة، بما فيها الإسلامية، ما عقّد مهمة قوى الاعتدال السياسي. بالقدر نفسه، الناخب التونسي هو الذي انتخب حزب نداء تونس ثم "قلب تونس"، ليضع فلول النظام السابق في البرلمان، ويفرض التعامل معهم لتسيير دواليب الحكم. وهذا بدوره نتج من عجز القوى "الديمقراطية" المعتدلة عن تعزيز وجودها البرلماني، وتحوّل بعضها إلى العداء للديمقراطية بسبب هذا العجز. إلا أن هذه أيضاً نقطة فيها قولان، حيث إن تحدّيات الديمقراطية معروفة، تحتاج إلى كثير من الحكمة والشجاعة، والمبدئية الأخلاقية، للتعامل معها، فالقوى المضادّة للديمقراطية لا تلام على اجتهادها في تقويضها، وإنما اللوم على أنصارها الذين لم يتحدوا لمعالجة المعضلات والتصدّي الخلاق لها. ويشمل ذلك تعزيز أهم ما يميز الديمقراطية، وهو آلياتها الداخلية للإصلاح والتغيير، فلا يكفي أن تتمكّن الجماهير من النقد إذا كانت آليات إسقاط الحكومة الفاشلة واستبدالها بغيرها غير فاعلة.
من هنا، لعل الخطأ الأكبر في حالة "النهضة" لم يكن التشبث بالسلطة كما يقال، بل بالعكس، تقديم تنازلاتٍ عنها في غير موضعها، والتخلي عن مسؤولياتها في الحكم، كأنها تعترف بأن وجودها في الحكم هو المشكلة. وهذا مضرٌّ بالديمقراطية كما التعصّب والتصلب، فالناخبون عندما يختارون حزباً يفعلون ذلك لبرنامجه. وقد اختيرت "النهضة"، وحلفاؤها الديمقراطيون، لأن هذه القوى مثلت نقيض النظام القديم، ولم تتلوّث بأجندته كغيرها. وكان هذا إشعاراً بأنّ المطلب هو القطيعة مع النظام القديم. في المقابل، كان انتخاب حزب نداء تونس في انتخابات 2014، من جهةٍ، اختياراً للاعتدال والوسطية، ومن جهة أخرى، بحثاً عن الخبرة العملية، وهو ما غاب في البرلمان الأول. ولا ينفي هذا أن قوى الثورة المضادّة ومناصريها الإقليميين موّلوا ذلك الحزب ودعموه إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً، وهللوا له، فيما بدا أنه كان "بروفة" للانقلاب.

لا عيب في الديمقراطيات من المساومة، لأنها جزءٌ مهم من العملية الديمقراطية، على ألا تكون المساومات خنوعاً أو تواطؤاً في إجرام

ومن المهم أن يعقب الانتخاب تصدّي القادة المنتخبين للمسؤولية بجدّية وحزم، فإذا عجزوا عن ذلك، خصوصاً إذا كان ذلك بسبب تعويق المعوقين، فعليهم مصارحة الشعب باستحالة أداء المهمة، وتبرئة الذمّة من المسؤولية، وإتاحة الفرصة لقوى أخرى لتجرّب حظها. وإذا تطلب الأمر عقد تحالفاتٍ مع قوى سياسية أخرى، يمكن عقد صفقات، بشرط أن تكون مقبولة أخلاقياً، ومنسجمة مع المبادئ والبرنامج. ولا عيب في الديمقراطيات من المساومة، لأنها جزءٌ مهم من العملية الديمقراطية، على ألا تكون المساومات خنوعاً أو تواطؤاً في إجرام. وكنتُ قد قدّمت، في وقت سابق، تعريفاً للديمقراطية يتضمّن أن من أحد أركانها "المساومات القابلة للدفاع عنها أخلاقياً"، فالديمقراطية لا تقوم على التعصّب للمطلقات، حتى في ركنها الأساس المتمثل بالمساواة، ولكنها لا تقبل التأقلم مع كبائر المنكرات.
إذا لخصنا المشكلة نقول إن الشعب انتخب "النهضة" لتنفيذ برامجها وتوجهاتها، (وهي لم تكن برامج إسلامية، ولكنها إصلاحية ديمقراطية). وقد تنازلت "النهضة" عن المسؤولية الأساس تحت ضغوط هدّدت النظام الديمقراطي. وكان موقفها وقتها محلّ تقدير وإشادة من الغالبية (ومحل حقدٍ من الجهات التي أحفظها فشل جهودها لتقويض الديمقراطية). ولكنها لم تنقل المسؤولية إلى آخرين حتى يحاسبهم الشعب، ما أحدث إشكالين: أولهما أن الجهة الحاكمة بالفعل لم تكن تتحمّل المسؤولية، والثانية أن الناخبين حُرموا إحدى أهم ميزات الديمقراطية، وهي القدرة على تحديد المسؤول ومحاسبته، وبالتالي تغييره، فحركة النهضة لم تكن في الحكم ولم تكن خارجه.

الأولوية هي لبناء تحالف ديمقراطي قوي، يتخذ موقف الهجوم لا الدفاع، ويحمل راية الديمقراطية

أذكر أننا تناولنا في الحوارات التي كنا نرتبها سنوياً في مركز دراسات الديمقراطية بجامعة وستمنستر منذ نهايات التسعينيات حول الدور السياسي للحركات الإسلامية في المنطقة العربية (وكان يشارك فيها نفر من قادة هذه الحركات مع أكاديميين ودبلوماسيين غربيين)، إشكالية مماثلة في دور هذه الحركات في المعارضة، التي انخرطت فيها بما يكفي لمنح الأنظمة القمعية وأنصارها الفرصة لاستخدامها فزّاعة للداخل والخارج، من دون أن تتبنّى برامج جدّية للتغيير. وفي الوقت نفسه، ساهم فشل الحركات في بناء تحالفاتٍ عريضةٍ لمناهضة الدكتاتورية في إضعاف المعارضة. وقد طرحتُ مرّة مقترحاً بأن تحسم هذه الحركات أمرها لتخطّي الانسداد السياسي الذي ساهم تردّدها فيه: فإما أن تتّخذ موقفاً جريئاً وتتبع نموذج حزب العدالة والتنمية التركي، بطرح برنامج واقعي تتحمّل بموجبه مسؤولية الحكم كاملة؛ وإما أن تساهم في بناء تحالف ديمقراطي واسع يتصدّى للاستبداد؛ أو أن تتنحّى عن الساحة السياسية وتترك المجال للقوى الديمقراطية الأخرى لتحمّل مسؤوليتها. وللمفارقة، كانت تونس هي الوحيدة التي جرى فيها تبني خيار بناء الائتلاف الديمقراطي، ولكن الحركة للأسف تخلت عنه بعد دخولها البرلمان.
في المرحلة الحالية الفاصلة من تاريخ تونس، ليس التحدّي مراجعة أخطاء الماضي، بل التصدّي لتحديات الحاضر. لم يعد التردّد وأنصاف الحلول يجديان، وعلى كل القوى الديمقراطية تحمّل المسؤولية كاملة، بدءاً بالاعتراف الصريح بتقصيرها في الدفاع عن الديمقراطية. ولا ينبغي أن تنجرّ هذه القوى مرة أخرى، كما يبدو أنه الاتجاه عند بعضهم، إلى تقديم "تنازلاتٍ" لامسؤولة أخرى، بل الأولوية هي لبناء تحالف ديمقراطي قوي، يتخذ موقف الهجوم لا الدفاع، ويحمل راية الديمقراطية، ولا تسمح لخصومها بتسجيل الأهداف في مرماها، فلم يعد هناك مناص من تحمّل المسؤولية الديمقراطية، ومعها المسؤولية عنها، كاملة.