المرأة التي قالت "لا"

16 ديسمبر 2020
الصورة

(جاسم زيني)

+ الخط -

مثل أن تتوقَّعي عودة الروح لميِّت، يمكنك أن تتوقَّعي أنَّني أستطيع تغيير أحداث قصة كتبتُها. .. كنتُ أريد أن أردَّ عليها بهذا الردِّ الجازم، فأنا عندما أكتب قصةً مِن الصعب أن أغيِّر خاتمتها، من الصعب أن أعود لأضع لها تصوُّرًا جديدًا، بناء على طلب أحد، فلستُ مثل كتَّاب الأفلام، مثلًا، الذين يعقدون ورشة كتابة جماعية، أو يجلسون مع البطلة الجميلة المدلَّلة، والتي ترفض مشهدًا، أو نهاية، وتطلب تغييرها؛ لأنه لا يروق لها أن تظهر بهذه الهيئة أمام جمهورها.

مثل ميِّت قد مات، وأُودِع قبره، تنتهي قصص بطلاتي، بطلاتي اللواتي، غالبًا، ما أكتب قصصهن، بلا أسماء؛ لأنَّهن موجودات، في كلِّ مكان، في العالم القاسي والظالم. ولذلك حين جاءني صوتها، عبر الهاتف، وهي ممثلة مسرح فلسطينية، من مدينة حيفا، قالت لي: أحببت قصة "لا" التي تمَّت ترجمتها إلى عدة لغات. عشت مع البطلة، ورأيت أن كلَّ وصفٍ وصفتِه لمشاعرها لوحة، بحدِّ ذاتها، ولكني أريد تحويل القصة إلى نصٍّ مسرحيّ، بعد أن تجري تغييرا على النهاية.

لماذا اخترت أن تبقى البطلة خانعة مستسلمة، لماذا ظلَّت البطلة تتمنَّى وتحلم، ولم تستطع أن تدافع عن نفسها، ولا عن حريَّتها بجسدها، لم تستطع أن تقول كلمة "لا"، إلا في أعماقها، أمام زوجها العنيف القاسي الذي يغتصبها، كلَّ ليلة تحت مسمَّى الزواج؟

جاءني صوتها، في أحد الصباحات العادية التي أستيقظ فيها معتقدة أنني امرأة حرَّة، حين تحرَّرتُ من سطوة رجل يتحكَّم في حياتي. وتذكَّرت وهي تحدّثني عن القصة أنني كتبتها، وأنا في بداية الثلاثينيَّات، وقد أصبحت أُمًّا تقود عائلة، ولم أعثر على نفسي، بعد، لم أجد حريتي التي أصبحتْ مقيَّدة أكثر بنظرة مجتمع إلى امرأة منفصلة. كنت أبحث عن الحرية، وأريد أن أكون ملك نفسي. ويبدو أنني كنتُ واهمة، فعلًا. كتبتُ هذه القصة بنهاية حزينة، فالبطلة التي تزوَّجت؛ لتصبح زوجة لرجل، وأمًّا لحفنة أطفال، تظلُّ تحلم بأنها قادرة على اتخاذ قرار واحد، في حياتها، ولكنها لا تفعل، وهكذا تنتهي أحداث القصة القصيرة.

قالت لي محدَّثتي: أتمنَّى أن تقرأي القصة ثانية، وتحاولي تحويل المرأة التي استسلمت إلى امرأة قادرة على التغيير. تذكَّري أننا، في هذه الأيام، ندعو إلى مناهضة العنف ضدَّ المرأة. والقصة مليئة بالسلبية، إنها لا تشجِّع النساء، ولكنها تُبكيهن على حالهن، فبطلتك ليست قادرةً عن قول أسهل كلمة من حرفين، "لا".

قرَّرتُ عدم قراءة القصة ثانية؛ لأني أعرف أنني غير قادرة على تغيير النهاية، أعرف تلك المرأة جيِّدًا؛ فهي ضعيفة وحالمة، خانعة وخياليَّة. ولذلك لن تقول كلمة "لا" مطلقًا. لكي تقولها تحتاج مجدافين قويَّين؛ لكي تُقلِع من مركب الظلم والاستسلام. وهذان المجدافان يُمنحَان للمرأة، في بيت أهلها، بين أفراد عائلتها الأولى، قبل أن تُسلَّم لبيتٍ رجلٍ يمارس عليها سطوته، ويعزِّز ذكوريَّته المبكرة.

لو كانت هذه المرأة تملك المجدافين، بحيث تستطيع أن تقود مركبها، في البحر، وتجابه الأمواج ولا تتركها لتعبث بها، لاستطاعت أن تدير وجهتها، ولكن عائلتها وأهلها ألقَوْا بها في البحر المتلاطم، الغاضب الثائر المجنون، وأخذوا منها مجدافيها، وصرخوا في وجهها: هذه حياتك المقبلة، وحتى تموتين.

زاد من إصراري على عدم تغيير نهاية القصة ما حدث في يوم تالٍ، حيث قرأتُ اسم جارة قديمة على صفحة وَفَيَات المدينة الصغيرة التي أقطنها. تذكَّرتُ أنها قالت لي، ذات يوم، إنها تتمنَّى أن تقول "لا" لزوجها الأربعيني الذي هربت من فقر أسرتها إليه، وهي لم تكمل العشرين من عمرها، والذي ينهشها، كلَّ ليلة، من دون أن تجرؤ على قول كلمة " لا"، فمعنى ذلك أن يمنع المعونات العينية والمادية عن أسرتها الفقيرة، كانت قربانًا من عائلتها للنجاة من الفقر، ألقوا بها بلا مجدافين، في بحر الحياة؛ حتى غرقت، وهي تحلم أن تقول "لا"، ولم تقلها.