المدرسة وكوفيد عربياً .. إخفاقات وخلل مستفحل

28 سبتمبر 2020
الصورة

استقبلت المدارس في البلدان العربية، أخيرا، عشرات ملايين الطلاب في سياقات استثنائية، تظل فيها جائحة كوفيد 19 تهدّد انتظام التدريس، ملوحةً، بين حين وآخر، بتعطيل انتظام التدريس لأسباب عديدة، لعل أهمها تخلفها عن مواكبة مناهج التدريس عن بعد. تثبت تجارب الانتقال الديمقراطي والمنعطفات العميقة التي شهدتها المجتمعات، في العقود الأخيرة، أن المدرسة عادة ما تكون أفضل رفيق لهذه التحولات. ولذلك لم يغفل الدستور التونسي، مثالا، باعتباره أحد أهم إنتاجات هذه الفترة الانتقالية ومنجزات الثورة، المدرسة، وخصّها بفصلين: 16 الذي أكّد على حياد المدرسة، والحرص على النأي بها عن كل أشكال التوظيف الحزبي. و37 الذي ذكر وظائف المدرسة، والتي تبدو فيها وظيفتا المعرفة والمواطنة بارزتين بشكل استثنائي. يقول هذا الفصل "التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة. تضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين. كما تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية، وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها، والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية ونشر ثقافة حقوق الإنسان". ونص على هذه الوظائف والقيم أيضا الدستور المغربي ومشروع الدستوري الجزائري، وإنْ بصياغات مختلفة.

أكّد الدستور التونسي على حياد المدرسة، والحرص على النأي بها عن كل أشكال التوظيف الحزبي، وحدد وظيفتي المعرفة والمواطنة

وبقطع النظر عن مدى تطبيق هذه الوظائف، وإنزالها على مستوى الواقع في تونس أو غيرها من البلدان العربية، يمكن أن يُستنتج أن وظيفتي المعرفة (التحصيل العلمي) والتنشئة على المواطنة كانتا من أوكد المهام في تلك الدساتير أو الأنظمة التربوية عموما. إذ لا يمكن للمجتمعات التي تعبر انتقالا ديمقراطيا خصوصا أن تربح كل الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهي تبخس المدرسة. لا تستطيع النخب السياسية، مهما كانت كفاءتها ونزاهتها، أن توصل مجتمعاتها إلى شط الأمان، من دون الرهان على المدرسة: ورشة "تصنع" كوادر وخبرات، وتربي المواطن الصالح في الآن ذاته. 
لم يعد الشأن التربوي، منذ بدء سلسلة الثورات العربية، حكرا على راسمي السلطات العمومية الذين وجدوا أنفسهم، هذه المرّة، مضطرين إلى الإصغاء إلى أصواتٍ متعدّدة ومختلفة، بل أحيانا متناقضة، سواء فيما تعلق بصورة المدرسة أو وظائفها وأدوارها. ولا يعكس هذا الاختلاف والتعدّد مجرّد وجهات نظر وزوايا تقييم، بل يعود الأمر إلى توجهات أيديولوجية وسياسية، نجد لها أثرا واضحا في أدبيات مختلف الأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات، علاوة على مصالح اجتماعية متباينة ومتعددة، تسعى فئاتٌ متعدّدة إلى أن تورّثها، عبر المدرسة، إلى الأجيال القادمة التي ستخلفها. تبرهن الحراكات الاحتجاجية التي خاضها رجال التعليم في أكثر من بلد: تونس، الأردن، المغرب، الجزائر.. أن الشأن التعليمي غدا مجتمعيا. لم يعد في الإمكان أن تستفرد به السلطة، حتى تحوله إلى مجرّد جهاز أيديولوجي، يعيد إنتاج الشرعية السياسية لأنظمةٍ بدت، في أحيان كثيرة، في أزمة عميقة.

جائحة كوفيد 19 كشفت عيوب نهج من البيداغوجيات الرقمية (مربين وتلامذة)، علاوة على تفشّي سلوكات فردانية، فيها كثير من العنف والتهور

عرفت معظم البلدان العربية منذ استقلالها (الستينيات والسبعينيات) في مجال التعليم والتربية سلسلة من الإصلاحات العديدة التي ظلت دوما تهدف إلى جودة تملك المعرفة وتربية الناشئة وتعزيز قيم المواطنة، بقطع النظر عن السياقات والمردودية والإيمان العميق بذلك، إلا أن سياقات التحوّلات السياسية والانتقالات الديمقراطية التي عرفتها بعض هذه البلدان، منذ ما يناهز العقد، عطّلت نسبيا مسارات الإصلاحات التي انتظرتها فئاتٌ واسعة، فقد تم تجميد هذه المسارات، حتى داهمتنا جائحة كوفيد 19، وكشفت عيوب نهج من البيداغوجيات الرقمية (مربين وتلامذة)، علاوة على تفشّي سلوكات فردانية، فيها كثير من العنف والتهور.
قد يكون تصنيف بلدانٍ عربيةٍ عديدة، في مختلف التقييمات الدولية، غير دقيق، ولا يمثل حجة في تأكيد تراجع المدرسة في العالم العربي، حتى في البلدان التي عرفت في السابق تميزا، على غرار الأردن وتونس، سواء من حيث قدرات أبنائها العلمية أو خصالهم السلوكية. ولكن لا أحد يشكك في تدهور صورة المدرسة لدى محيطها ومن يؤمها... هجرة الأولياء إلى القطاع الخاص، العشوائي في مجمله، تبرهن على صحة ما ذهبت إليه السطور أعلاه. ثمّة استثناءات دالة فيما يحدث في بعض دول الخليج، ولكنها تظل عاجزة هناك عن إيجاد حالة ذهنية جامعة، تفرز نخبا علمية وسياسية لأسباب عديدة، تساهم في رسم توجهات المجتمعات تلك.

الخسارات المتوقعة من تبخيس المدرسة في عديد من مجتمعاتنا ستبدد أي أملٍ في التدارك قادم

ليس لدينا، نحن العرب، حلول سحرية لإنقاذ المدرسة، سواء المضي في تجديد صورتها، وجعلها من جديد مصعدا اجتماعيا، لا يضمن رقيا اجتماعيا فحسب، بل رقيا معرفيا وأخلاقيا لكل من يؤمها. من أين نبدأ؟ من تكوين المكونين بشكل جدّي، والزهد في النظر إلى المدرسة غنيمةً للتربّح أو جهازا أيديولوجيا لتجديد أنظمةٍ اهترأ بعضها. الخسارات المتوقعة من تبخيس المدرسة في عديد من مجتمعاتنا ستبدد أي أملٍ في التدارك قادم.