"المخلّص الأخير" وحدود المستعمرة القصوى
خبير فلسطيني في القانون الدولي، دكتوراة من جامعة جورج واشنطن، رئيس مجلس إدارة صندوق العون القانوني للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين
في مقابلة تلفزيونية (12/8/2025) مع قناة "i24"، يبدو أنها فُصّلت في مقاسه، صوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، نفسه "المخلّصَ"، الذي جاء مبشّراً "بني اسرائيل"، ويحمل رسالة "أجيال الشعب اليهودي التاريخية والروحية"... وتفضح أقواله هذه المكنونات العميقة لما في نفسه، وهو الذي يرى نفسه رسولاً جاء في "مهمّة مقدّسة" و"رسالة إلهية" يحملها بالنيابة عن "الشعب اليهودي" لإنجاز "وعد مقدّس". ولو أتيح له المجال في المقابلة، لاستطرد في قوله، وأعلن أنه من "المبشّرين بالجنّة". لغة مرعبة، تفسّر جرائمه الفاحشة، وكأنّه يقول إن جريمة الإبادة هي في خدمة الربّ، وإن أدوات الإبادة من تجويع وتعطيش ومنع الدواء وتدمير المستشفيات وصهاريج الماء وعربات الإسعاف وأوامر التهجير... تنفيذ لأوامر الربّ، الذي أرسل نتنياهو في مهمّة روحيّة. أليس هو الذي ذكّر جيشه بما فعله العماليق بالإسرائيليين طبقاً للأسطوره الدينية؟... هذه هي الثقافة الروحية لمعظم الإسرائيليين، الذين يؤكّدون، المرّة تلو الأخرى، لحكومتهم أنه يجب "القضاء عليهم"، أي إفناء الفلسطينيين. تنتشر هذه الثقافة في مختلف المستويات، اعتباراً من رأس الدولة (إسحق هورتسوغ) إلى سيّارات الجيش والشرطة، التي تحمل شعاراً مطبوعاً على الواجهة الخلفية تقول "اقضِ عليهم".
كان "المخلّص" (نتنياهو) صريحاً في جوابه في المقابلة بأنه يشعر بأنه في "مهمّة تاريخية وروحية" لرؤية إسرائيل الكبرى، ولم يحدّد أين تقع هذه الحدود. ولو أحسنت القيادات العربية خيار التفاوض، لطلبت من "المعلّم" أن يحدّد لها حدود الدولة التي يريد من العرب الاعتراف بها، قبل أن يوقّعوا "کامب ديفيد" أو "وادي عربة"، أو "أوسلو"، أو الإبراهيميات. ذلك أن العرب الرسميين لا يستطيعون مقاومة "المعلّم" أو إغضابه، ولكن بإمكانهم أن يقولوا له ما هي إسرائيل التي تريدنا أن نعترف بها؟ هل تكرّمت برسم حدود "إسرائيل" هذه؟
"قانون الدولة القومية للشعب اليهودي" ليس قانوناً عادياً، بل يسمّى في إسرائیل "قانوناً أساساً"، أي إنه "قانون دستوري"، وبالتالي هو أسمى مرتبةً من القوانين العادية
الجميع على بيّنة أن إسرائيل يوم أعلنت منفردةً قيامها دولةً كانت تحتلّ 22% من أراضي فلسطين، بالإضافة إلى 55% المخصّصة لها افتراءً في التوصية بتقسيم فلسطين، طبقاً لما ورد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 181 في 29/11/1947). وهل يعلم العرب الإبراهيميون وغير الإبراهيميين أن إسرائيل توسّعت بعد ذلك، وقضمت من المناطق منزوعة السلاح التي حُدِّدت في بعض اتفاقات الهدنة لعام 1949، وأن إسرائیل قضمت 250 کیلومتراً مربعاً من مساحة غزّة الأصلية، وأبقت على 365 كيلومتراً مربعاً، وهي التي تُزرع حالياً موتاً وعطشاً وخراباً، ثمّ جاءت حرب 1967، فاستولت على الضفة الغربية وغزّة والجولان السوري وسيناء المصرية، ولا يزال احتلال هذه الأراضي قائماً بشكل مباشر، كما في الضفة الغربية والجولان، وبشكل غير مباشر كما في سيناء. ونرى التمدّد الجديد في جنوب لبنان وفي مناطق سورية مختلفة، والتمدّد لا يتوقّف لأن الاستراتيجية الصهيونية تقوم على هذا التمدّد التدريجي، ولكنّه ثابت في مساره.
وربّما من المهم أن يكون أتباع الإبراهيمية (السابقون واللاحقون) على بيّنة من الوثائق الرسمية التي لا يخفيها أتباع "المخلّص" نتنياهو عن استراتيجية التوسّع. ففي 2018، بدأ الغلو الصهيوني في الظهور العلني، ولا سيّما مع مجيء الرئيس دونالد ترامب، زعيم المحافظين الجدد، إلى البيت الأبيض، وهنا أصدرت إسرائیل "قانون الدولة القومية للشعب اليهودي"، وهو ليس قانوناً عادياً، بل يسمّى في إسرائیل "قانوناً أساساً"، أي إنه "قانون دستوري"، وبالتالي هو أسمى مرتبةً من القوانين العادية، ويُلحظ أن هذا القانون يستخدم لأول مرّة في تاريخ الكيان تعبير "الدولة القومية"، كذلك فإن هذه الدولة القومية ليست دولة "الشعب الإسرائيلي"، بل يعلنها دولة "الشعب اليهودي"، ويقرّر، في الفقرة الأولى من المادّة الأولى منه، أن "أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي الذي أقيمت فيه دولة إسرائيل". ويُلحظ أن القانون لم يذكر أن دولة إسرائيل أقيمت "على" أرض إسرائيل، بل أقيمت "فيها"، كذلك يُلحظ أن تعبير "دولة إسرائيل" ليس مماثلاً لتعبير "أرض إسرائيل"، أي أنّ "دولة إسرائيل" "أقیمت" في "أرض إسرائيل"، ما يعني، بالضرورة، أن "أرض إسرائيل" أوسع من "دولة إسرائيل".
يصوّر نتنياهو نفسه مخلّصاً في مهمّة روحية، ليجعل من الإبادة "خدمةً للربّ"
تعبير "أرض إسرائيل" كثير الاستعمال في الأدبيات الإسرائيلية، ولكن نسمع تعريفات عديدة له. وفي حدود ما نعلم، التعريف الرسمي الوحيد هو ما ورد في الكتاب السنوي للحكومة الإسرائيلية، وهو كتاب رسمي يصدر عن الحكومة، ويطبع في مطابعها، وقد ورد فيه (عدد 1955): "سمّيت الدولة (دولة إسرائيل)، لأنها أقيمت في جزء من أرض إسرائيل... إنشاء الدولة الجديدة لا ينتقص بأيّ صورة من الفضاء التاريخي لأرض إسرائيل". ثمّ يذهب الكتاب السنوي في تعريف "أرض إسرائيل" بأنها "الجسر الطبيعي بين أراضي النيل ودجلة والفرات وآسيا الصغرى"، وهذا لا يحتاج إلى شرح أکادیمي، ولا إلى تفصيل جغرافي، بل هو تحديد واضح (على الأقلّ) في ذهن "ملك إسرائيل"، المتّهم الهارب من وجه العدالة الدولية، والمدعو بنيامين نتنياهو هو هذا المتهم، الذي يصوّر نفسه "المخلّص" والمُرسَل من عنده تعالى ليمارس المحارق والتجويع والقتل، وليخاطب تابعيه ويناشدهم ألا ينسوا ما فعل العماليق ببني إسرائيل.
جاءت بعض ردود الفعل العربية الرسمية في وقتها، وکانت في محلّها، وفي سياقها القانوني، ولكن ذلك لیس كافياً. فأولاً، يجب إعادة النظر في ما تسمّى اتفاقات السلام أو الاتفاقات الإبراهيمية، ما سبق منها وما هو قيد الإعداد، ذلك أن ما صدر من "المخلّص" إعلان رسمي عن دولة "إسرائيل الكبرى" المخصّصة للشعب اليهودي. ثانياً، على الدول ذات الشأن أن تطلب إيضاحات رسمية من وزارة الخارجية الإسرائيلية حول معنى مثل هذا التصريح وفحواه وآثاره. ثالثاً، أتمنّى على الدول ذات العلاقة استدراج قرار من مجلس الأمن و/أو الجمعية العامّة للأمم المتحدّة ترفض فيه ترّهات "المخلّص"، وتدين تلك الأقوال، لأنها تنطوي على "التهديد باستخدام القوة"، ذلك أن مثل تلك الأقوال تهدد الاستقلال السياسي والوحدة الإقليمية لكلّ الدول التي تقع ما بين النيل والفرات، وفي هذا إخلال بالفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
خبير فلسطيني في القانون الدولي، دكتوراة من جامعة جورج واشنطن، رئيس مجلس إدارة صندوق العون القانوني للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين