المجهول اللبناني
لم يعد الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في جنوب لبنان والاعتداءات شبه اليومية التي ينفذها في الأراضي اللبنانية الخطر الأساس الذي يحيق بلبنان؛ فهناك مجموعة جديدة من الأخطار بدأت تتبلور مستندة إلى اتجاه مجموعة من المسؤولين اللبنانيين إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل وتقديم تنازلات ظهرت في ما سُمّي الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.
هذا الاتفاق هو الخطر الأساس اليوم؛ فإضافة إلى ما تضمنه من بنود انهزامية ثبّتت احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية ”إلى حين نزع السلاح من الجماعات غير الشرعية“، وعدم فرض عودة النازحين إلى قراهم حتى في ظل الاحتلال، فإن ما تم التوصل إليه خلق شقاً كبيراً في الداخل اللبناني لن يتأخر في الظهور على مستويات عدة.
من الواضح اليوم أن رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام هما في صف ”الاتفاق الإطاري“، ومعهما مجموعة من القوى السياسية التي تمثل بشكل أساس اليمين اللبناني. ويبدو أن هذا الاصطفاف مبني على قناعة راسخة بصوابية ما حصل، خصوصاً من الرئيس اللبناني، والذي تجاهل كل مؤشرات التوتر والتفجير التي أطلقها توقيع الاتفاق، وخرج أول من أمس ليدافع عنه باعتباره ”الخطوة الأولى على طريق استعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها“، من دون أن يشرح كيف ذلك، في وقت يمهد الاتفاق إلى تدخل قوات أجنبية إضافية، في ظل الحديث في أحد بنود الاتفاق عن وجود عسكري أميركي مباشر على الأرض لمراقبة تطبيق التفاهم.
في المقلب الآخر، وعلى الأرض أيضاً، بدأت تتشكل جبهة داخلية لبنانية لمواجهة هذه الاتفاق الإطاري، قوامها الأساس رئيس مجلس النواب نبيه بري، الطرف الثاني في ما يُسمى لبنانياً ”الثنائي الشيعي“، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الرافض أيضاً لما تم التوقيع عليه. الزعيمان اللبنانيان بدآ العمل على توسيع هذه الجبهة، ومحاولة استقطاب رئيس ”التيار الوطني الحر“ جبران باسيل. لكن إلى اليوم تصطدم هذه المحاولة بعدم حسم باسيل موقفه من الاتفاق، فهو لا يؤيده بالمطلق ولا يرفضه بالمطلق، ويضع مجموعة من الشروط للموافقة عليه، منها ”تأمين المصلحة اللبنانية“ و“ضمان الانسحاب الإسرائيلي“.
ما يسعى إليه برّي وجنبلاط اليوم أخذ الاتفاق إلى مجلس النواب للتصويت عليه، وتأمين الأصوات اللازمة لإسقاطه. غير أن هذا الخيار يصطدم بنقطة خلافية أساسية حول الطبيعة القانونية لهذا الاتفاق. فالطرف الأول، أي الجبهة الرافضة للتفاهم، يريد اعتبار هذا الاتفاق معاهدة دولية، وبالتالي اللجوء إلى المادة 52 من الدستور التي تفرض عرضه على مجلس النواب للمصادقة عليه. إلا أن الطرف الآخر المؤيد يجادل بأن ما تم التوقيع عليه هو مجرد تفاهم سياسي لا يحتاج إلى تصويت مجلس النواب.
لا يبدو أن هذا الجدل سيُحسم قريباً، ما سيفتح الباب أمام تعقيد الأزمة الداخلية اللبنانية التي قد لا تبقى في الدائرة السياسية. فكُثر يرون أن الإبقاء على الصيغة الحالية للاتفاق، والذي لم يُنفذ أي من بنوده ”التجريبية“ بعد، سينقل المواجهة إلى الشارع، ويُدخل البلاد في سيناريو مجهول تتعمق فيه الانقسامات ويفتح الباب أمام دخول كثير من الأطراف الخارجية على خط الأزمات الداخلية.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان ولقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين كافة، لعرض ”مبادرة“ لمساعدة لبنان في البحث عن ”حل سياسي هدفه دعم الدولة اللبنانية في تعزيز مؤسساتها“. هذه المبادرة تعيد إلى أذهان اللبنانيين مرحلة ”الوصاية السورية“، خصوصاً أنها تأتي بعد التصريح العلني للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول مطالبته الرئيس السوري أحمد الشرع بالتدخل في لبنان. ورغم تأكيد الشرع أن كلام ترامب أسيء فهمه، ومحاولة الشيباني في زيارته الطمأنة بأن لا نية لسورية بالتدخل في لبنان، فإن الكلمة الفصل ستكون لمسار وتطورات الوضع السياسي والأمني داخل لبنان في المرحلة المقبلة.