المجلس اليمني الجنوبي .. فشل الانتقال إلى السلطة

المجلس اليمني الجنوبي .. فشل الانتقال إلى السلطة

03 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

تبرز تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، باعتباره أحد القوى المحلية التي صعّدتها الحرب في اليمن، بحيث استطاع فرض نفسه قوة سياسية وعسكرية في جنوب اليمن. ومع تباين التجربة السياسية للمجلس عن القوى المحلية المسلحة التي تنشط في المناطق اليمنية الأخرى، سواءً التي تمتلك أجهزتها الخاصة، أو التي ما زالت تعمل تحت مظلات سياسية أخرى، من حيث موقعها في السلطة وطبيعة التحدّيات التي تواجهه، فإنها تتشابه في أدواتها، وكيفية إدارته لها، بحيث أعاق ذلك انتقالها من الحالة المليشياوية إلى مرحلة سلطة الأمر الواقع، كما أن المشكلات التي رافقت نشوءها حدّت من تطوّرها السياسي، إضافة إلى أن فشلها في إدارة الأجهزة التي أسّستها بديلا لمؤسسات الدولة أنتج حالة من الفراغ الأمني أضرّ بحياة المواطنين في المناطق الخاضعة لها. وفيما يراهن المجلس الانتقالي على ورقة سياسية رابحة، تمثيل المظلومية الجنوبية، لتنمية حظوظه المستقبلية، إلا أن ذلك كما يبدو ليس خياراً مضموناً يمكن الاعتماد عليه، وذلك في ضوء طبيعة إدارة المجلس لسلطته في مدينة عدن، بما في ذلك منظومته العسكرية المتصارعة، الأمر الذي يجعله مرتهناً لاستمرار الظرف السياسي الحالي أكثر من امتلاكه أدواتٍ للانتقال إلى مرحلة السلطة الفعلية.

حكمت أداء المجلس الانتقالي عدة عوامل، أثّرت على أدائه السياسي، كما أوجدت تحدّيات عديدة فشل في التعامل معها. وفي هذا السياق، يشكّل الذراع العسكري أبرز التحدّيات الجوهرية التي تواجهه، والتي تمثل أيضاً تحدّيا لمعظم القوى المحلية التي سبق تأسيسها تشكيل ذراعها العسكري، فبعد استكمال بناء الأحزمة الأمنية والتشكيلات العسكرية من الإمارات، تأسّس المجلس بعد أكثر من عامين مظلة سياسية لهذه القوى، إلا أن طبيعة هذه التشكيلات المتنافرة والمتنافسة يجعل من الصعب على المجلس بسط سلطته عليها، على الرغم من اعتماده عليها في دورات الصراع التي خاضها ضد السلطة الشرعية، والتي مكّنته من السيطرة على مدينة عدن. ومن جهة ثانية، تشكّل الموارد المالية التي يعتمد عليها المجلس لإقامة فعالياته السياسية، وأيضاً لكسب ولاءات القيادات العسكرية والأمنية، والزعامات الاجتماعية مشكلة أخرى، جعلته محكوماً باشتراطات المموّل. ومن جهة ثالثة، تمثل المشكلات البنيوية والتنظيمية للمجلس تحدّياً آخر، حدّد علاقته بمحيطه السياسي، بحيث أعاق تمدّده، فضلاً عن تصوره الملتبس لمفهوم استعادة "الدولة الجنوبية المفقودة"، والآليات التي اتبعها لتحقيق تلك الغاية.

إدراك قوة أي مكون محلي تتأتّى من طرق تمويله ومدى ديمومتها، وقدرته على تغطية نفقات تشغيل هيئاته المختلفة، ونشاطه السياسي والاجتماعي

بحسب توصيف المجلس الانتقالي، تنضوي الأحزمة الأمنية والتشكيلات العسكرية، كقوات الدعم والإسناد وقوات العاصفة، وغيرها من التشكيلات، تحت مسمّى "القوات المسلحة الجنوبية". ومع فخامة هذا التوصيف، إلا أنه لا يستند، في الواقع، على أسس حقيقية، تنظيمية أو وظيفية، بما في ذلك قيادة عسكرية موحدة تنظّم عمله، فضلا عن افتقاره إلى وحدة العقيدة السياسية المقاتلة، بحيث يمكن توصيفه قوة مسلحة جنوبية موحّدة، إذ إن تحليل بُنية هذه القوى وقوامها البشري، وكذلك المناطق التي تنتمي لها، وزعامتها المحلية التي تعاقبت عليها منذ تأسيسها، بما في ذلك طريقة إدارتها أجهزتها والعلاقات البينية في صفوف أعضائها، يكشف عن المشكلات العميقة داخل بُنيتها، والتي كرّستها قوة مسلحة منفلتة، بحيث تخوض، من وقت إلى آخر، حرباً في مدينة عدن، الأمر الذي جعلها عبئاً على المجلس، وإنْ وظفها في صراعه مع القوى المنافسة له؛ فمن جهةٍ، مثلت طبيعة قوامها البشري أحد هذه المشكلات، إذ إن عدم انتماء أفرادها للمؤسسة العسكرية الرسمية أدّى إلى غلبة الطابع المليشياوي على أدائها، بحيث افتقرت للبعد النظامي. كما شكّل اقتصار قوامها البشرى على الأفراد من خلفيات مناطقية تنحدر منها قيادة المجلس الانتقالي، إلى صبغها بصبغة مناطقية، بما في ذلك سيطرة العقائديين على بعض أجهزتها. ومن جهة ثالثة، أفضى افتقار معظم أفرادها إلى التأهيل العسكري والخبرة الأمنية إلى تحوّلها إلى أداةٍ للعنف ضد المواطنين، وهو ما يمثل عبئاً سياسياً وأخلاقياً على المجلس، بتصديره أحد المنتهكين الدائمين لحقوق الإنسان في اليمن، سواءً تم ذلك بتواطئه أو عدم معرفته بذلك. إضافة إلى فشل هذه الأجهزة في ضبط الأمن وتطبيع الحياة في مدينة عدن، بل تحوّلت إلى سبب المشكلة الأمنية. ومن جهة رابعة، أدّى خضوع تعيين القيادات في هذه الأجهزة لقرار رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، الرئيس الأعلى للـ"قوات المسلحة الجنوبية"، من دون أي اعتباراتٍ للتدرّج في القيادة، إلى تنمية الصراعات بين قياداتها، بحيث خاضت حرب شوارع، كما شهدته مدينة عدن من اقتتالٍ بين قوات الحزام الأمني وقوات الدعم والإسناد، والتي أسفرت عن إقالة الزبيدي القائد العام لألوية الدعم والإسناد، محسن الوالي، وتعيين قائد لقوات الحزام الأمني، وضمّها إلى وزارة الداخلية، إلا أن ذلك لا يعدو كونه ترحيلا للصراعات بين قواته العسكرية، وتحميل السلطة الشرعية مسؤوليتها. ومن جهة خامسة، وعلى الرغم من تبنّي عناصر هذه الأجهزة أطروحات المجلس الاستقلالية، إلا أنه لا يمكن ضمان ولاءات طبيعتها المناطقية، إضافة إلى مشكلة رواتب الأفراد المنضوين في هذه التشكيلات التي تمثل تحدّياً دائماً للمجلس، كونه الجهة التي تتبنّاها على الأقل سياسياً.

تكفّلت الإمارات، طوال السنوات الماضية، بتمويل أنشطة المجلس الانتقالي، بما في ذلك إيجار مقارّه، وتنظيم رحلات لقياداته السياسية

إدراك قوة أي مكون محلي تتأتّى من طرق تمويله ومدى ديمومتها، وقدرته على تغطية نفقات تشغيل هيئاته المختلفة، ونشاطه السياسي والاجتماعي. وإذا كان المجلس الانتقالي ليس حزباً سياسياً، بحيث يعتمد على اشتراكات أعضائه، كما أنه لا يمتلك أصولا ثابتة، ليضمن موارد دائمة، فإنه اعتمد، مثل معظم القوى المحلية في اليمن، على سيطرة التنظيمات العسكرية التابعة له على إيرادات الدولة، وفرض رسوم جبايات على المحلات التجارية الواقعة في المناطق الخاضعة له، إضافة إلى دعم التجار الموالين له، إلا أن تلك المصادر صعّدت الصراعات بين أجنحته العسكرية، بما في ذلك السياسية، كما أنها لا تمثل مورداً دائماً، إذ إن قيام دولة مركزية تشرف على هذه الإيرادات يقوّض الأساس المالي الذي تعتمد عليه، ما يجعلها ترتهن لدعم الدول المتدخلة في اليمن، ففي حين تكفّلت الإمارات، طوال السنوات الماضية، بتمويل أنشطة المجلس، بما في ذلك إيجار مقارّه، وتنظيم رحلاتٍ لقياداته السياسية لتسويق المجلس دولياً، فإن مظاهر الدعم السعودي المالي تبدو حاضرة وبكثافة أخيرا، وذلك بعد تشكيل حكومة المناصفة، حيث موّل اللقاءات الجماهيرية لقيادات المجلس، واستضافة وفود من المناطق الجنوبية إلى مدينة عدن، ومنحهم حوافز مالية، فقد وصل حجم تمويل الفعاليات أخيرا، بحسب متابعين، إلى ما يقارب المليون ريال سعودي. ومع أهمية هذا الدعم للمجلس حاليا، إلا أنه يجعله محكوما باشتراطات المموّل السياسية، ومن ثم تكريسه قوة محلية غير مستقلة اقتصادياً، لا تملك خيارها السياسي.

مع التوليفة المتصارعة لأجهزته الأمنية والعسكرية، إلا أن المجلس الانتقالي نجح في تكريس سلطته السياسية، وذلك بعد انخراطه في الحكومة، نتيجة شروط التمكين التي فرضتها السعودية والإمارات، إلا أن المشكلات البنيوية والتنظيمية داخل المجلس أعاقته من أن يتحوّل إلى كيان مؤسسي أو يتمدّد نحو مناطق جنوبية أخرى، إذ حصر استمرار احتكام المجلس لرئيسه عيدروس الزبيدي الذي انفرد في توجيه المجلس وإدارته السلطات بيده، بحيث حوّل الهيئات الأخرى إلى رديف لسلطة الرئيس، كما كرّس تنافس أجنحة المجلس السياسية بين قيادات الضالع ويافع، والذي أنتج أيضا الصراع بين قيادات الحزام الأمني والدعم والإسناد اعتماد المجلس على زعامات محلية، وليس على مشروع سياسي يمتلك أدواتٍ ورؤية مستقبلية، كما أن فشل المجلس في تجاوز تركيبته الجغرافية جعله محصورا في مناطق معينة، إذ ظلّ يستند إلى حاضنة اجتماعية تتركّز في مدينة الضالع، مسقط رأس رئيس المجلس، والمناطق المهزومة في حرب صيف 1994، وإنْ لم تمثّلها سياسياً، إضافة إلى بقايا السلاطين وحواضن ما قبل استقلال جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني، الأمر الذي جعل المجلس غير قادرٍ على اختراق بيئاتٍ جنوبيةٍ جديدة، فعلى الرغم من حرص رئيس المجلس على تجاوز العائق الجغرافي، بعقده لقاءاتٍ سياسيةٍ لقيادات محلية من خارج المثلث الجغرافي للمجلس، وتحديداً من مدن أبين وشبوة وحضرموت، بما في ذلك تطعيم المجلس بزعامات من هذه المناطق، فإن هذه السياسة لا تُسهم في تفكيك الطوق الجغرافي الذي يعيق المجلس عن التقدّم جغرافيا، سواء باختراق حالة الانقسام في مدينة أبين، أو التمدّد نحو مدينتي شبوة وحضرموت، أهم المناطق الغنية في جنوب اليمن، وكذلك تغيير بنية المجلس المناطقية؛ وعدا عن منازعة سلطة الشرعية في مدينة لحج، وتكريس حالة الاستقطابات السياسية، فإن نشاط المجلس ظل منكفئا في مدينة عدن، وإنْ أنتج فيها واقعاً مأساوياً يعاني منه المواطنون.

نجح المجلس في تكريس سلطته السياسية، بعد انخراطه في الحكومة، نتيجة شروط التمكين التي فرضتها السعودية والإمارات

في مدينة عدن، لا شيء سوى الفوضى والعنف ودورات الصراع التي انتقلت من صراع الفرقاء إلى صراع الأجنحة العسكرية للمجلس الانتقالي، والتي خلفت، أخيرا، عشرات الضحايا من المدنيين، وذلك نتيجة لتوليفة أذرع المجلس، وإدارته السلطة في مدينة عدن، حيث عكس تصوّره الملتبس لشكل الدولة الجنوبية، وطريقة استعادتها، والتي تبدأ، بحسب الآليات التي اتبعها، من تعطيل السلطة المحلية، لا إنتاج سلطة بديلة، وأيضاً تشكيل هيئاتٍ سياسيةٍ أثبتت أنها لم تكن سوى تقويض لمؤسسات الدولة الهشّة، فإضافة إلى تعطيله سلطة محافظ مدينة عدن، أحمد لملس، المعيّن بموجب "اتفاق الرياض"، ممثلا لسلطة المحلس الانتقالي، عمد رئيس المجلس إلى القيام بصلاحيات المحافظ الأمنية والسياسية والإدارية، ومراقبة عمل المؤسسات عبر الهيئات السياسية التي شكّلها، بما في ذلك السيطرة على مباني الدولة بالقوة، فأعاق عمل مؤسسات الدولة. ومن ثم، وبأي شكل، لا تعني تلك الخطوات، ومع أثرها السياسي الآني لكسب حماسة أنصاره، أنها أدواتٌ لاستعادة الدولة المنشودة، بل تعد تكريساً ممنهجاً للفوضى وتعقيد الوضع الإنساني للمواطنين. فيما لا تعدو عن كونها، في الوقت الحالي، منازعة لسلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وفرض الزبيدي حاكما لمدينة عدن، وإنْ فشل في أن يكون قائداً خارج المدينة المنكوبة. في كل الحالات، ومع أهمية التمكين السياسي والقوة العسكرية الباطشة، والتمويل الإقليمي لفرض المجلس قوة عسكرية، فإن ذلك لا ينتج وعيا لدى القوة المتغلبة بمفهوم الدولة، سواء الدولة الهشّة الحالية التي يسعى إلى تفكيكها أو الدولة المفقودة التي يريد استعادتها؛ بحيث فشلت حتى في السيطرة على أجنحتها العسكرية، كما أن هراوات القوة وحماية المتدخلين، وإنْ صنعت زعامات محلية طارئة، لا تصنع قائداً محنكاً، يمكن أن تُجمع عليه القوى المتربّصة بنفسها.