المتغيرات الدولية ومعركة مأرب

18 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تدفع أطراف الصراع المحلية والإقليمية بثقلها العسكري، لخوض معارك مفصلية في أكثر من جبهة يمنية، وذلك تحت ضغط الحراك الدبلوماسي الدولي الذي تشهده بعض عواصم الإقليم، والذي قد يفضي إلى تقاربات سياسية إقليمية - دولية بشأن الأزمة اليمنية، وإنتاج حلول بمقتضى الوضع العسكري القائم، إذ تركزت العمليات القتالية، خلال الأسابيع الأخيرة، في جبهات مدينة مأرب التي تعدّ معركة استراتيجية لجماعة الحوثي، ووجودية بالنسبة إلى السلطة الشرعية، لكونها آخر معاقلها في شمال الشمال، حيث تجري معارك طاحنة بين المتقاتلين، أدت إلى مقتل مئات من الجنود والمليشيات ورجال القبائل، وإلى تفاقم الأزمة الإنسانية في المدينة، وتهديد حياة المواطنين، بما في ذلك تنامي موجات النزوح. كذلك تصاعد القتال في جبهات مدينة الحديدة، ودخل الطيران في المواجهات، وإنْ لم تكن سوى جبهة لتخفيف الضغط عن مدينة مأرب، فضلاً عن تكثيف جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، هجماتها على المنشآت السعودية، التي استهدفت مواقع حيوية، ومطار أبها الدولي أخيراً. وفيما تهدف أطراف الصراع إلى استباق أي تحريك جدّي للمسار السياسي بتحسين مواقعها العسكرية، ومن ثم تحسين شروطها التفاوضية، ألقت المتغيرات الدولية حيال الحرب في اليمن بظلالها على موازين القوى العسكرية في مناطق المواجهات، بما في ذلك تصعيد التنافسات بين القوى المحلية.

تجاهل طرف إقليمي يعقد الصراع في اليمن، ويمنح الوكلاء المحليين زخماً لمواصلة حروبهم ضد اليمنيين

ارتبط سير المعارك العسكرية على الأرض، وبالتالي تصعيد وتيرتها، بالمتغيرات الدولية والإقليمية حيال الحرب في اليمن. فقد أفضت المواقف الدولية أخيراً إلى تصعيد العمليات القتالية على نحوٍ غير مسبوق، ما ضاعف الأزمة الإنسانية للمواطنين في مناطق المواجهات. وفي هذا السياق، أدّى فكّ الارتباط بين أميركا وحليفها السعودي في عملياتها في اليمن، على الأقل في المسار العسكري، بما في ذلك تأكيد الاتحاد الأوروبي ضرورة انسحاب القوات الأجنبية المقاتلة في اليمن، إلى تغيير موازين القوى في جبهات الحرب، بحيث شكل ضغطاً سياسياً على السعودية، ومن ثم انعكس على حليفه المحلي، السلطة الشرعية، الضعيفة أصلاً، فيما منح جماعة الحوثي، وحليفها الإيراني، وبشكلٍ غير مباشر، غطاءً سياسياً لاستمرار حربها في اليمن. فعلى الرغم من أهمية الضغط الدولي في وقف الدعم العسكري للسعودية في حربها في اليمن، ومن ثم تجريدها من المشروعية في استمرار تدخلها، بما في ذلك ضرورة تحميلها المسؤولية السياسية والإنسانية عن جرائمها في حق اليمنيين، وتكفلها بأعباء إعادة إعمار اليمن، فإن ذلك أيضاً يجب أن يترابط بمنظومةٍ متكاملةٍ من السياسات الدولية التي يجب أن تدين جميع الدول المتدخلة التي تدعم حروب وكلائها في اليمن، من السعودية والإمارات والدول الخليجية، إلى إيران التي يجب تجريمها صراحةً، وإدانتها، لتصعيدها وتيرة الحرب في اليمن ودعم حليفها الحوثي، إذ إن تجاهل طرف إقليمي يعقد الصراع في اليمن، ويمنح الوكلاء المحليين زخماً لمواصلة حروبهم ضد اليمنيين.

تمثل المعارك المحتدمة في جبهات مدينة مأرب، والقوى المحلية التي تستبسل حالياً للدفاع عن المدينة، مثالاً على انقسام معسكر حلفاء السعودية وضعفه

لطالما ظل الموقف الدولي المنسجم مع السياسة السعودية الورقة الرابحة التي استخدمتها في استمرار حربها في اليمن، بما في ذلك إطلاق يديها في كل ما يمتّ إلى الشأن اليمني، إلا أنها فقدت اليوم، إلى حد ما، جزءاً كبيراً من دائرة الدعم الدولي لها، إذ أسهمت المتغيرات الدولية حيال الحرب في اليمن في انكشاف السعودية عسكرياً أمام خصومها وحلفائها، بحيث بدت أكثر تخبّطاً. فمع قبولها الموقف الأميركي بوقف الدعم عن عملياتها العسكرية في اليمن، بما في ذلك تأكيدها دعم المسار السياسي لحل الأزمة اليمنية، فإن التحدّيات العسكرية، ومن ثم السياسية التي تواجهها في اليمن، تجعلها عاجزة عن تحديد أولوياتها في المرحلة الحالية، وذلك بمقتضى المتغيرات الدولية. فإضافة إلى فشلها الدبلوماسي في إقناع المجتمع الدولي بقبول مقاربتها التقليدية للحرب في اليمن، من زاوية أمنها القومي، فقد نجح خصمها الإيراني في عزل نشاطه في اليمن عن التدخل السعودي، بحيث حقّق انتصاراً سياسياً على السعودية، الأمر الذي عزّز موقف وكيله المحلي، جماعة الحوثي في خوض معركته في مدينة مأرب أمام أنصاره، بما في ذلك تكثيف هجوم الجماعة على الأراضي السعودية. ومن جهة ثانية، يشكل استمرار ضغط مقاتلي جماعة الحوثي على جبهات مدينة مأرب، معقل السلطة الشرعية، عبئاً عسكرياً دائماً على السعودية، في تأمين المدينة من هجمات مقاتلي الجماعة، فعلى الرغم من تكثيف غاراتها في جبهات مأرب، لدحر مقاتلي الجماعة، وكذلك مدينة الجوف المتاخمة، في معسكر حلفائها المحليين، تضيق الخيارات أمام السعودية في الوقت الراهن، وعلى قدرتها في الاستجابة للمجتمع الدولي، بتخفيف وجودها العسكري في اليمن، أو على الأقل، تحقيق، ولو نصراً صغيراً، في إبقاء مأرب عاصمة فعلية للشرعية في شمال اليمن.

أفضت المواقف الدولية أخيراً إلى تصعيد العمليات القتالية على نحوٍ غير مسبوق، ما ضاعف الأزمة الإنسانية

تمثل المعارك المحتدمة في جبهات مدينة مأرب، والقوى المحلية التي تستبسل حالياً للدفاع عن المدينة، مثالاً على انقسام معسكر حلفاء السعودية وضعفه، الذي لا يتمظهر فقط في طبيعة إدارة العمليات القتالية ضد مقاتلي جماعة الحوثي في جبهة مأرب، وغيرها من الجبهات الثانوية، بل في تصاعد التجاذب السياسي بين حلفاء السعودية، نتيجة تضارب أجنداتها وأولوياتها العسكرية في هذه المرحلة، بحيث يغلب عليها تكريس سلطاتها المحلية، وذلك استباقاً لأي حراكٍ دولي في الأزمة اليمنية، وهو ما يؤكّد فشل السعودية في توحيد معسكر حلفائها تحت مظلة واحدة لمحاربة جماعة الحوثي، حيث لم يؤدِّ اتفاق الرياض الذي رعته السعودية بين السلطة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى تفاهماتٍ سياسيةٍ تسهم في توحيد الفرقاء ضد جماعة الحوثي، بل دفع اتفاق السلطة كل طرفٍ إلى خوض معركته الخاصة ضد القوى المنافسة له، وبالطبع على حساب الدفاع عن مدينة مأرب من هجمات مقاتلي الحوثي. ففيما يقاتل أبناء القبائل للدفاع عن المدينة من هجمات مقاتلي جماعة الحوثي، مع تدافع قبائل أخرى لتعزيز جبهة مأرب، بمن فيها بعض جنود الجيش، وكذلك غياب القوات العسكرية الرسمية للشرعية التي تغلب عليها الأسماء الوهمية، فإن القوى العسكرية المحلية، سواء المنضوية في إطار السلطة الشرعية أو التي هي خارج مظلتها، تخوض معارك أخرى أكثر أهمية بالنسبة إليها. ففي مقابل سعي القوات التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح إلى حماية مواقعه الأمامية في مدينة تعز، وإنشاء معسكرات في منطقة "طور الباحة" على الحدود بين مدينتي تعز وعدن، للضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك تشكيل بؤر موالية له في بعض المناطق الجنوبية الشرقية، مع وقف تام للجبهات في مدينة تعز ضد مقاتلي جماعة الحوثي، يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي في تثبيت سلطته في مناطق الجنوب، بما في ذلك تركيز معارك القوات التابعة له في دحر مقاتلي جماعة الحوثي عن مدينة الضالع، وفق الحدود الشطرية السابقة، فيما اكتفت قوات العميد طارق محمد عبد الله صالح، الجناح العسكري للمؤتمر الشعبي العام، بتثبيت سلطتها في الساحل الغربي، مع شنّ هجمات على مقاتلي جماعة الحوثي في جبهات مدينة الحديدة، إلا أنها لم تؤثر في السياق العام للمعركة ضد الحوثيين، بما في ذلك تخفيف الضغط عن مدينة مأرب.

في كل الحالات، تصبّ الاختلالات في معسكر خصومها وكذلك تضارب أجنداتها، بما في ذلك اختلال الموقف الدولي حيال طبيعة الصراع في اليمن، والقوى الإقليمية التي تغذّيه، في مصلحة جماعة الحوثي، وحليفها الإيراني، وهو ما تمظهر في تموضعها الهجومي في أهم الجبهات بالنسبة إليها، وهي جبهات مأرب. فمع خسائرها البشرية اليومية، وفقدانها قيادات عسكرية تابعة لها، فإنها استفادت من الضغط الدولي على السعودية في وقف الحرب في اليمن، بما في ذلك شطبها من القائمة الأميركية للإرهاب، وإن أبقي على بعض قياداتها، في توحيد صفوفها وجبهتها الداخلية في اتجاه مدينة مأرب، سواء من خلال التحشيد القبلي أو الإعلامي، وكذلك النشاط العسكري والسياسي اللافت لحسن إيرلو، السفير الإيراني في صنعاء، الذي يوجه معركة الحوثيين نحو مأرب، فيما تربط الجماعة حسم معركتها في مدينة مأرب بالثروات التي ستتحصل عليها، وإن بدت خسائرها حتى الآن محرقة فعلية لها ولمقاتليها.