المؤشّر العربي ورفض الشعب السوداني التطبيع

المؤشّر العربي ورفض الشعب السوداني التطبيع

20 أكتوبر 2020
الصورة

سودانيان في اعتصام في الخرطوم ضد علاقات الإمارات مع إسرائيل (25/8/2020/الأناضول)

+ الخط -

أعلن، أخيرا، عن نتائج المؤشّر العربي، في دورته السابعة، وهو الاستطلاع السنوي الجدير باهتمام كل باحث، لقيمة ما يتضمنه من مؤشّرات مبصرة بحال الأمة، وتضع اصبعا على نبضها. وقد شمل هذه السنة 13 دولة عربية، من بينها السودان. ومن ذلك أن النسب والأرقام فيه بشأن الموقف السوداني الشعبي من قضية التطبيع (العلاقة مع إسرائيل) تقدّم نظرة ذات دلالة عميقة، تشرح الموقف السوداني شعبيا من هذه القضية الحساسة، ما يتطلب من أصحاب القرار في السودان، الحكومة المدنية أو الجناح العسكري الذي يتولى قيادة عملية التطبيع في السودان التوقف عند هذه النتائج، والتأمل فيها.
تفيد نتائج الاستطلاع بأن غالبية السودانيين من الجنسين قالوا بنسبة 77% تقريبا أن القضية الفلسطينية هي قضية جميع العرب وليست قضية الشعب الفلسطيني وحده. وقالت الأغلبية في الحضر الشيء نفسه، وبنسبة 72% ونسبة 79% في الريف. وكذلك كانت اتجاهات الرأي العام السوداني داخل الأسر المقتدرة بنسبة 74%، والأسر التي تعيش رزق اليوم باليوم بنسبة 75% والأسر الفقيرة 80%. وبشأن اتجاهات الرأي العام السوداني نحو الاعتراف بإسرائيل، جاءت نسبة المعترضين بين النساء حوالى 88% وبين الرجال 83%. ويلفت النظر أن النسبة المعترضة، وفقا للفئات العمرية في سنة 18 – 24، كانت 85%، والتي تساوت مع الأكبر سنا (55 فما فوق)، بينما بلغت أعلاها في سن 44 - 45 سنة 90 %. وحتى بين الأميين جاءت النسبة 88% للمعترضين، ونسبة 85% لمن هم أقل من الثانوية، والثانوية 87% ومن هم أعلى من الثانوية 85%. وجاءت النسبة في الحضر أقل من الريف 83% والريف 87%.

تنسجم النسب والأرقام مع مكونات الشخصية السودانية الأصيلة، وتعبر عن جوهرها من ميل فطري إلى الحق والإنصاف والشجاعة في مناصرة الحق

وتلفت النظر أسباب المستجيبين الموافقين على الاعتراف باسرائيل، وجملتهم نسبة 13.5%، قالوا: إنها موجودة لا محالة 2.1%، وتم الاعتراف بها وهناك اتفاقيات سلام 3%، من أجل تحقيق السلام الشامل والاستقرار في المنطقة 2.1%، لأنها دولة مثل باقي الدول، ويجب أن يكون لهم دولة نسبة 0.7%، وبسبب المصالح المشتركة 0.8%، إعجاب بتقدّمها وتطورها 0.3%، (الموافقون 13.5% والمعترضون 79.4%). أما الأسباب التي أوردها المعارضون لإسرائيل فكانت في أعلى النسب لأنها دولة استعمار واحتلال واستيطان في فلسطين 24%، لأنها إرهابية وتدعم الإرهاب 11%، معارضون لأسباب دينية 8.3%، يليها أنها دولة توسعية تسعى إلى الهيمنة أو احتلال بلدان في العالم العربي وثرواته 7.9%، لقيامها بتشتيت الشعب الفلسطيني واستمرارها باضطهادهم وقتلهم 6.8%، بسبب عدائها الشعب السوداني بصفة خاصة، وللعرب عموما، 5.8%.

المهتمون في السودان بملف التطبيع وتبنيه هم وبشكل رئيسي المجموعة العسكرية في مجلس السيادة ومن خارجه، وقلة من القوى المرتبطة بالنظام القديم

بتنزيل هذه النسب والأرقام على أرض الواقع، نجدها تنسجم تماما مع مكونات الشخصية السودانية الأصيلة، وتعبر عن جوهرها من ميل فطري إلى الحق والإنصاف والشجاعة في مناصرة الحق. وبالنظر إلى الواقع السياسي الراهن، تتكشف بضعة حقائق، يمكن الإشارة إلى أبرزها، وهي أن من يتبنون فكرة التطبيع يستندون على أوهام تشير إلى تقديم "المصلحة السودانية"، وهذه عبارة فضفاضة مضللة، إذ لا يوجد ما يمكن أن يطلق عليها مصالح سودانية مشتركة مع إسرائيل، كما لا توجد أرضية لقيام مثل هذه المصلحة مع إسرائيل مستقبلا، فبند المصالح غير مطروح أصلا في كل ما صدر عن إسرائيل من تصريحات رسمية بشأن العلاقة مع السودان، إذ تتحدّث صراحة عن إعلان علاقة لا أكثر. وهذا ما يؤكد أن نظرة إسرائيل إلى علاقتها مع السودان تتوقف عند نقطة واحدة، نسف اللاءات العربية الثلاث التي صدرت من القمة العربية في الخرطوم بعد هزيمة 1967، وقد عبر عن ذلك صراحة مقال في صحيفة جيروساليم بوست الإسرائيلية في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، لكاتبه نيفيل تيللر، وعنوانه "هل نستطيع قلب لاءات الخرطوم الثلاث إلى ثلاثة نعم؟". وتجسّد فكرة المقال جوهر ما تعمل إسرائيل على تحقيقه مع الخرطوم، إذلال وخنوع لا أكثر.

غالبية السودانيين من الجنسين قالوا بنسبة 77% تقريبا أن القضية الفلسطينية هي قضية جميع العرب وليست قضية الشعب الفلسطيني وحده

ويلفت النظر أن المهتمين في السودان بملف التطبيع وتبنيه هم وبشكل رئيسي المجموعة العسكرية في مجلس السيادة ومن خارجه، وقلة من القوى المرتبطة بالنظام القديم، ولا وزن سياسيا لها. ما يجمع العسكريين منهم الإرتباط بقوى إقليمية وضلوعهم في الحرب في اليمن والحرب في دارفور، وفوق ذلك افتقارهم للقراءة السياسية والضعف والاندفاع المتهور.
وأختم بموقف قديم.. كنت يوما برفقة السفير والشاعر السوداني، محمد المكي إبراهيم، ندخل مقر وزارة الخارجية السودانية في الخرطوم. كنا طول الطريق نبحث في شأن تورّط الرئيس جعفر النميري بمساندة توقيع الرئيس أنور السادات اتفاق كامب ديفيد. توقف المكي عند رجل كبير في السن، من قدامى سائقي السيارات في الوزارة، سأله المكي مباشرة: ما رأيك في اتفاق كامب ديفيد؟ فرد الرجل وبلا تردّد بكلمة: خيانة... التفت السفير نحوي، قائلا: "شايف هذا هو الوعي الشعبي". وهذا بالضبط ما أكدته نتائج استطلاع تاريخي، وما سيؤكد عليه الشعب السوداني برفضه التطبيع مقابل الخنوع والإذلال.