المؤشّر العربي .. السياقات والدلالات الفلسطينية

16 أكتوبر 2020
الصورة

بين جملةٍ طويلة من النتائج والمؤشّرات والاستخلاصات التي حفلت بها النسخة السابعة من "المؤشر العربي"، الصادر في الأسبوع الماضي عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بما اشتملت عليه البيانات والجداول من محاور تخص مسائل الحرية والديمقراطية والفساد والإعلام وغيرها، مما يشغل بال العرب، تودّ هذه المطالعة أن تتوقف، لأسباب موضوعية وأخرى فنية، فقط عند ما أظهرته مسوحات العينة العلمية الإحصائية هذه من مؤشّرات تتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن تطالع بعين مدقّقة المؤشرات المتصلة باتجاهات الرأي العام في 13 بلداً عربياً، إزاء مسألة الاعتراف بإسرائيل، على ضوء ما احتواه هذا الاستطلاع الأضخم والأوسع من نوعه في بلادنا، من بياناتٍ مهمةٍ عن موقف الرأي العام العربي في هذه المرحلة التي تشهد بعض الاختراقات التطبيعية، لا سيما في الخليج العربي.

وتستمد هذه القراءة التحليلية أهميتها الاستثنائية من أهمية ما كشفه هذا المسح الإحصائي الواسع من معطيات نافية بعض الانطباعات الملتبسة حول مغزى التحولات الجارية من جهة أولى، ومعزّزة، في الوقت نفسه، حقائق نسبية راسخة في الوجدان العربي العام تجاه القضية الفلسطينية. كما تزداد أهمية ما نحن بصدده، في هذه المطالعة المستفيضة، من أن هذا المسح الفريد من نوعه في العالم العربي صادر عن مؤسسة بحثية مرموقة، لا مراء في مهنيتها وموضوعيتها، لا سيما بعد أن بات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مرجعاً علمياً محكّماً بالنسبة للباحثين والدارسين والأكاديميين والمثقفين العرب، وأصبح "المؤشّر العربي" مصدراً موثوقاً لمقاربة المزاج العام من جانب المعنيين باتخاذ القرارات، وغربلة المواقف الداخلية، وتصويب السياسات الخارجية، على أسس قابلة للقياس، خصوصا بعدما صار هذا الاستطلاع يصدر على نحو سنوي منتظم، الأمر الذي بات يشكل، في حد ذاته، قيمة نوعية مضافة. 

السياق الزمني

لم يتم إصدار هذا المؤشر في توقيت يُراد به توظيف نتائج المسح الدوري المنتظم هذا، لخدمة موقف سياسي مناهض لعملية التطبيع، وهو موقفٌ يجاهر به القائمون على المركز العربي في رابعة النهار، من مقره في الدوحة وفي كل مكان. ولا أحسب أن هذه الغاية المشروعة والمبرّرة تماماً، من وجهة نظر مستقلة، كانت حاضرة سلفاً في أذهان إدارة فرق الاستقصاء، البالغ عددهم نحو 900 باحث وباحثة، خصوصاً عند إتمام مهمتهم هذه، التي بدأت في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي وانتهت في يوليو/ تموز من هذه السنة، أي قبل شهرين من تكشّف أول خطوة تطبيعية من دولة الإمارات ومملكة البحرين، غير أنه من حُسن الطالع أن يتزامن إعلان نتائج هذا الاستطلاع مع اشتداد نبرة خطاب المطبّعين فجوراً، واتساع نطاق ثقافة الإمعان في تزييف مواقف الشعوب العربية من مسألة الاعتراف بإسرائيل ابتذالاً، إن لم نقل التحالف معها.

أصبح "المؤشّر العربي" مصدراً موثوقاً لمقاربة المزاج العام من جانب المعنيين باتخاذ القرارات، وغربلة المواقف الداخلية

ليس متوقعا أن توقيت إجراء هذا المسح، أو حتى موعد الإعلان عن بياناته، يلفت أنظار من قرّر الخروج على مبادئ الإجماع العربي جهاراً نهاراً، وحرق ورقة المبادرة العربية بلا ثمن، خصوصا في أبوظبي والمنامة، غير أن من المحتمل، في المقابل، أن يسأل المرشّحون للتطبيع أنفسهم على استحياء، في دول عربية وخليجية تنتظر على الدور، بعد التعرّف على اتجاهات الرأي العام في أقطارهم، ما إذا كان من المستحسن لهم أخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار، إما لمراجعة الموقف المضمر، أو للتراجع عنه، ثمّ الاستمرار في المراوحة على الموقف التقليدي نفسه إلى ما بعد التيقن من نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الوشيكة، لعل المتغيرات المحتملة على هذا الصعيد تُسعف في التخلص من ضغوط دونالد ترامب، وذلك إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

النقطة الموضوعية الفارقة، على صعيد توقيت الإعلان عن نتائج هذا المسح، كامنة في حقيقة أن الدول الواقعة تحت الضغط الأميركي الفظ للاعتراف بإسرائيل، كالسودان على سبيل المثال، لديها رأي عام على هذا النحو أو ذاك، وفيها قوى مدنية، ومؤسسات سياسية واجتماعية نشطة بالحد الأدنى، وحاضرة في قلب المشهد المحلي، ولو بصورةٍ طفيفة، فيما يكاد الرأي العام في الدول الخليجية المطبعة لا وجود له من الأساس، ولا اعتراف به على الإطلاق، ما يحمل هذه الدول ذات البنى القائمة على الولاء للحاكم، وإطاعة ولي الأمر من دون قيد أو شرط، على تجاهل كل استطلاع رأي عام مهما علا شأنه، فما بالك إن صدر المسح عن مؤسسة بحثية في بلدٍ تقاطعه أربع حكومات عربية، ثلاث منها مطبّعة؟

دلالات فلسطينية 

ليس من شك في أن نتائج المؤشّر العربي لهذا العام، المليء بالمصاعب والمواجع والانتكاسات على الصعيد الفلسطيني، قد وقعت وقعاً طيّباً في نفوس قوم اشتدّ عليهم الحصار، وتفاقمت في أوساطهم مشاعر الترك والنسء والخذلان، حيث أظهرت المؤشّرات التي انطوى عليها هذا المسح المهم، وبجلاء شديد، أن اتجاهات الرأي العام العربي لا تزال على حالها المطمئن، بل وأفضل مما كانت عليه من قبل، وليس كما حاولت تسويقه المزاعم والأضاليل، أو على نحو ما بدت عليه الانطباعات المبكرة غداة انهيار ما تبقى من بنية النظام العربي. وفوق ذلك، فقد أكدت هذه النتائج أن الشعوب العربية محصّنة ضد التهافت والترخّص والانبطاح، تماماً على نحو ما كانت عليه مناعة العرب في الأعوام الماضية، ترفض الاعتراف بإسرائيل، وتعارض التطبيع معها، كونها دولة احتلال عنصري، تُشكل تهديداً لأمن (واستقرار) العالم العربي كله، بما في ذلك الدول المغاربية البعيدة عن قلب الصراع.

نتائج المؤشّر العربي لهذا العام، وقعت وقعاً طيّباً في نفوس قوم اشتدّ عليهم الحصار، وتفاقمت في أوساطهم مشاعر الترك والنسء والخذلان

قبل التطرّق إلى ما جاء به المؤشّر العربي من نتائج إحصائية دالة على اتجاهات الرأي العام في شرق هذه المنطقة وفي غربها، وهي نتائج باعثةٌ على الرضا والثقة، يجدر بالمرء استحضار ما فاضت به حملة دعائية منظمة، تكفّلت بها منابر ومواقع ومحطات تلفزة واسعة الانتشار، حملة قوامها التدليس والتزييف وقلب الحقائق من جهة أولى، ولوم الضحية وشيطنتها، بل وتحميلها أوزار ما آلت إليه أحوال القضية الفلسطينية أخيرا من جهة ثانية، ناهيك عن الادّعاء الذي اتضح أن لا أساس له، وهو أن العالم العربي قد باتت لديه أولويات جديدة، وأن العرب قد ملوا من الفلسطينيين ومن قضيتهم المتقادمة، وأن على "ناكري الجميل" الاستيقاظ من غفلتهم الطويلة، بعد أن انقلبت الشعوب العربية عليهم.

الصورة
المؤشر العربي

 

من هنا تأتي الأهمية الفائقة لنتائج المؤشّر العربي في نسخته السابعة، الصادرة في هذه المرحلة الحرجة، وتتعاظم دلالات مؤشّراته الخاصة بالميول والآراء والاتجاهات السائدة لدى العرب في هذه الآونة العصيبة على الفلسطينيين بصورة خاصة، حيث أظهر المسح أن المجتمعات العربية لا تزال تعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب جميعاً، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وأن 88% من المواطنين العرب يرفضون الاعتراف بإسرائيل، مقابل 6%، وأن 89% يرون أن إسرائيل تمثل تهديداً لأمن المنطقة العربية ولاستقرارها، وأن نسبة الرافضين لمثل هذا الاعتراف في منطقة الخليج (قطر والكويت) هي الأعلى بنسبة 90%، وفي السعودية يرفضون بنسبة 65% مع 29% من المستطلعين لم يدلوا بآرائهم، وفي السودان لم تتجاوز نسبة الموافقين على التطبيع 13% مقابل 79% من الرافضين.

نسبة رافضي الاعتراف بإسرائيل كانت تبلغ 84% حسب استطلاع النسخة الأولى في العام 2011، بينما بلغت 88% في هذا العام الذي بدا وكأنه عام التطبيع

ما يدعو إلى الاغتباط أكثر بنتائج المؤشّر العربي أن نسبة رافضي الاعتراف بإسرائيل كانت تبلغ 84% حسب استطلاع النسخة الأولى في العام 2011، بينما بلغت هذه النسبة 88% في هذا العام الذي بدا وكأنه عام التطبيع. وفي الأرقام والنسب الأكثر تفصيلاً نجد أن نسبة العرب الرافضين في الدول المغاربية قد بلغت 93% (أعلاها في الجزائر بنسبة 99%)، وفي المشرق العربي 92% (أعلاها في الأردن ولبنان). أما في وادي النيل (مصر والسودان)، وفي دول الخليج فقد بلغت 82%، وهو ما يعني أن المعدل العام العربي الرافض للاعتراف بإسرائيل يبلغ 88%، وهو ما يقطع زيف الكلام الجاري تسويقه عبر إعلام المطبّعين، عن وجود تحولات انقلابية عميقة لدى الرأي العام العربي، لا يرغب الفلسطينيون الإقرار بها.

الصورة
المؤشر العربي

 

استخلاصات أولية

في ظل الحملة المنهجية الجارية على قدم وساق، ليس فقط لدى بعض العرب المنساقين في لعبة التطبيع الماجنة هذه، وإنما أيضاً عند أساطين الدعاية الإسرائيلية، مروّجي فكرة "كي الوعي" لدى الفلسطينيين، المعمول بها منذ أيام الانتفاضة الثانية عام 2000، أي إدخال منطق الاستسلام للأمر الواقع والتسليم بالهزيمة، أتت نتائج المسح الذي أجراه المؤشّر العربي على عينة إحصائية قوامها 28 ألف مستجيب، قام بها 900 باحث مُدرّب، استغرق عملهم 69 ألف ساعة، قطعوا خلالها 820 ألف كيلومتر في غضون ثمانية أشهر، نقول أتت نتائج المسح في الوقت الملائم، لتردّ الروح لمن كاد أن يدخل في روعهم أن العالم العربي قد تخلى عنهم، ولتعيد لهم بعض التوازن في زمن الانهيار، وترد الاعتبار لمبدئية موقفهم الرافض منطق القوة الغاشمة.

 التطبيع طعنة نجلاء في ظهور نحو 88% من العرب المستطلعة آراؤهم في المشرق والمغرب، الرافضين للتطبيع والعلاقات مع العدو الإسرائيلي

ولا أحسب أن هناك هدية أثمن لدى الفلسطينيين المكتوين بجمر الاحتلال، ونار القمع والاستيطان، ناهيك عن الغدر والتمنن والخذلان، من هذه الهدية المعنوية السياسية الأخلاقية الباذخة التي هبطت عليهم في الوقت الملائم، لترفع من معنوياتهم، تغمرهم بالرضا عن النفس، وتطلق زفرةً مكبوتةً في صدروهم، حيث بات بين أيديهم حجّةً لا تدحض، ومعيناً لا ينضب من الحقائق الصارخة، لا الافتراضات الهشة، ووزناً راجحاً عن اتجاهات الرأي العام المنافحة عن ثبات موقفهم من ناحية، وعن زيف الأقاويل والمزاعم المتعلقة بعدمية سياساتهم من ناحية أخرى، فضلاً عن التبريرات السقيمة، والأضاليل العديدة، المسوّغة لتهافت المتهافتين على استرضاء دونالد ترامب، ولو أدّى ذلك إلى تقويض كل ما تبقى من هياكل مؤسسة العمل العربي المشترك، بصورةٍ مجانيةٍ لا تخلو من الارتجال وانعدام البصيرة.

خلاصة القول، ونحن اليوم بين يدي حقائق موضوعية موثّقة بنتائج استقصاء علمي غير مسيّس بالأصل، وليس موظفاً، من حيث التوقيت والمضمون، في خدمة موقف سياسي بعينه، أن الاعتراف بإسرائيل هكذا من دون طائل، وبلا أي ثمن (دعك من شرط وقف ضم الأراضي المزعوم) لم يكن ضربةً غادرة في ظهور الفلسطينيين وحدهم، وهي ظهورٌ لم يعد فيها موضع لطعنة سيف أو ضربة خنجر، وإنما كان أيضاً طعنة نجلاء في ظهور نحو 88% من العرب المستطلعة آراؤهم في المشرق والمغرب، ممن قالوا، لباحثي المؤشّر العربي وباحثاته، إن القضية الفلسطينية لا تزال قضيتهم الأولى، وإنهم يرفضون التطبيع قبل نيل الشعب الفلسطيني مطلب الحرية والاستقلال، وإنهم يدينون الاعتراف بآخر دولة احتلال على وجه الأرض.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي