المأمول خليجيا بعد قمة العلا

08 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

خرجت القمة الحادية والأربعون لمجلس التعاون الخليجي، وأعلن في ختامها انتهاء المقاطعة أو الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين (إضافة إلى مصر) على قطر، في 5 يونيو/ حزيران 2017، ما يعني أن خطوة أولى هامة اتخذت في إطار اختراق جدار الأزمة التي سبقها إعلان السعودية فتح الأجواء والحدود البرية والبحرية مع قطر عشية انعقاد القمة، ونقلت وكالة أنباء عالمية عن مسؤول أميركي قوله إن هذا مقابل تخلّي قطر عن دعاوى قضائية، رفعتها أمام المؤسسات والمنظمات الدولية ضد كل من السعودية والإمارات.

وإذا كانت قمة العلا قد أعادت العلاقات بين الدول الأربع وقطر إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، وبالتالي تخلي هذه الدول عن 13 شرطا طالبت بها غداة قرار الحصار، إلا أن خطوات أخرى منتظرة من جميع الأطراف، كي يتم فعلاً رأب الصدع الذي أحدثته الأزمة خلال ما يقارب الثلاث سنوات ونصف السنة، وإزالة الأسباب والحيثيات التي أفضت إليها، بما يتطلب اتخاذ خطوات ووضع محدّدات لمنع تكرارها في المستقبل. ويبدو أن الرهان على دوام المصالحة وتطبيع العلاقات معقود على الإرادة السياسية لدى قادة دول الخليج، بوصفها أهم ضمانةٍ لتحقيق اتفاق المصالحة، حسب قول وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إضافة إلى وجود رغبةٍ لديهم لمواجهة التحدّيات الإقليمية والدولية التي تواجهها دول الخليج، بما يقتضي طيّا كاملا للخلافات السابقة، وتسوية النقاط والقضايا العالقة، والتطلّع نحو بناء مستقبلٍ تسوده الثقة والتعاون والتنسيق.

تشهد دول المنطقة عملية إعادة اصطفافاتها الجيوسياسية، في إطار حاجتها إلى بلورة خطط واستراتيجيات للتعامل مع إدارة بايدن المقبلة

وتضمن بيان القمة الختامي 117 بنداً، أهمها التأكيد على تضامنها في "عدم المساس بسيادة أي منها أو تهديد أمنها، أو استهداف اللحمة الوطنية لشعوبها ونسيجها الاجتماعي بأي شكل من الأشكال، ووقوفها التام في مواجهة ما يخل بالأمن الوطني والإقليمي لأي منها"، الأمر الذي يشي بأن الهاجس الأمني يشكل الملف الأكثر صعوبة والأكثر أهمية والأكثر تعقيداً بالنظر إلى أسباب عديدة، وصرفت عليه أموالاً طائلة ووقتاً مديداً. وما يزيد من أهميته أن الدول المنضوية في إطار مجلس التعاون الخليجي تشكل مداراً سياسياً وجغرافياً، يصل بين نقاط حيوية ضمن منطقة شديدة التوتر والحساسية في إطار الصراع الدولي من أجل الوصول والهيمنة على مصادر الطاقة الوفيرة في منطقة الخليج العربي.

وقد ساهمت المتغيرات الدولية والإقليمية في الوصول إلى المصالحة الخليجية، خصوصا بعد فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، واقتراب تسلمه مقاليد الحكم في البيت الأبيض، حيث تشهد دول المنطقة عملية إعادة اصطفافاتها الجيوسياسية، في إطار حاجتها إلى بلورة خطط واستراتيجيات للتعامل مع إدارة بايدن المقبلة، التي يتوقع أن تقوم بخطوات لإحياء الاتفاق النووي مع إيران. ولعل الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، قد أسهم في إفساد العلاقات بين دول الخليج وإشعال نار الأزمة الخليجية، واستثمر فيها اقتصادياً وسياسياً، بل ولجأ إلى الابتزاز والمقايضة في التعامل مع دول الخليج، إلا أنه أسهم أيضاً في حلحلة أمور المصالحة الخليجية لحسابات خاصة به، مع التشديد على أهمية جهود دولة الكويت، الصادقة، والهادفة إلى تقوية منظومة المجلس الخليجي. 

لا يمنع اختلاف العلاقات والتوجهات الدولية لدول الخليج وجود ممكنات لوضع أسس ومبادئ تجعل من هذه التوجهات مصدر قوة لها

وفيما يعد اتفاق المصالحة خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، إلا أنه لا يعني نهاية الأزمة تماماً، فهي تمتلك جذوراً متشعبة، تتلخص في علاقات الزعماء واختلاف رؤاهم وتحالفاتهم وتوجهاتهم حيال القوى الإقليمية والدولية، وخصوصا حيال كل من إيران وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن الموقف من الجماعات والقوى الإسلامية، جماعة الإخوان المسلمين وسواها. ويبدو أن من الصعب تغيير توجهات (وتحالفات) دول الخليج وسواها، حيث تختلف التوجهات حيال إيران ما بين السعودية وكل من قطر والكويت وسلطنة عُمان، فيما ترتبط قطر بعلاقات تعاون إستراتيجية مع تركيا، وتقيم كل من الكويت وعُمان علاقة جيدة معها أيضاً، بينما تسود علاقات توتر ما بين كل من الإمارات والسعودية مع تركيا. يضاف إلى ذلك اختلاف مواقف دول الخليج الست حيال التطبيع مع إسرائيل وسوى ذلك. ولا يمنع اختلاف العلاقات والتوجهات الدولية لدول الخليج وجود ممكنات لوضع أسس ومبادئ تجعل من هذه التوجهات مصدر قوة لها، من خلال توظيفها في خدمة شعوب دول الخليج، إذ إنها هي صاحبة المصلحة الحقيقية في الاستفادة من علاقات دولها وتوجهاتها، ومن المصالحة الخليجية كذلك، حيث إنها عبّرت عن فرحتها فور إعلان فتح الحدود بين السعودية وقطر، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات عدّة لاحتفاء قطريين بعد سماعهم خبر فتح الحدود، وأخرى لمظاهر احتفال وإطلاق مفرقعات نارية في مدن سعودية. ولذلك من الضروري أن يضع قادة دول مجلس التعاون الخليجي وسواهم مصالح الشعوب فوق أي اعتبار. 

ولعل الحديث عن "مرحلة مشرقة في العلاقات الأخوية خالية من أي عوارض تشوبها"، حسبما ورد في تصريحات وزير الخاجية السعودي عقب القمة، فإن ذلك يقتضي معرفة بنود الاتفاق الخليجي الذي يمكنه أن ينهي الأزمة، وإزالة الغموض الذي يعتريه، إذ إن المصالحة الخليجية إذا اكتملت قد تفتح آفاق "الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد"، لكن الأمر مرهون بالاهتمام بمصالح الشعوب وإشراكها، وتمتين التعاون المثمر في المجال الاقتصادي، والبدء في استكمال قضايا التعاون والتنسيق الاقتصادي، وتفعيل مسار العمل الخليجي المشترك، والنظر في المشاريع التكاملية المستقبلية بين دول المجلس، واستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي، والوصول إلى الوحدة النقدية. إضافة إلى تنفيذ مشاريع الربط المائي ومشروع السكك الحديدية، ومدّ الحماية التأمينية لسكان دول المجلس.