اللحظة يمنية

03 يناير 2026
+ الخط -

رغم التعقيدات الكبيرة التي تحيط بالمشهد اليمني، وانفتاح الأحداث فيه على إمكانية الدخول في صراعَين، إقليمي وداخلي مركّبين، إلّا أن ثمة مزاجاً وخطاباً يمنياً واحداً يتشكّل. وربّما هذه هي المرّة الأولى، منذ عشر سنوات عاصفات، التي تحضر فيها اليمن واقعاً جيوسياسياً وتاريخياً وديموغرافياً، بما تتضمّنه هذه المفاهيم من حقائق راسخة؛ حقيقة الدولة والسيادة والوحدة والأمنَين الداخلي والإقليمي، وهي حقائق كانت ثانويةً في مقاربات الدول الإقليمية الفاعلة والمتحكّمة بالمشهد اليمني.

بعد أشهر قليلة من انطلاق عملية عاصفة الحزم في 21 مارس/ آذار 2015، تحت مظلّة التحالف العربي، افترقت الأهداف المُعلَنة للتدخّل العسكري عن الواقع العملياتي، وتقلّصت مساحة حضور اليمنيين في توجيه المعركة وقيادتها؛ فأصبح اليمنيون جنوداً في بلادهم، لكنّهم لا يوجّهون البوصلة، وليس بيدهم مخطّط الحرب وأهدافها، ولا يملكون مشروعاً متكاملاً على طاولة النقاش والتفاوض.
تخلّت السلطة الشرعية اليمنية عن مسؤولياتها عن الحرب والسياسة والاقتصاد، وألقت بها على طاولة السعودية والإمارات، المتدخّلتَيْن الرئيسيَّتَيْن في اليمن، وركنت إلى خطاب سياسي تنظيري أن اليمن جزء هام من منظومة الأمن الإقليمي، وعمق قومي خاص وحيوي للسعودية، وبالتالي؛ فاستقرار اليمن استقرار للسعودية. وهذا الخطاب، رغم صوابه نظرياً، مُجرّد، ويخفي حالةً من الارتهان المقيت، ومن عدم الرغبة في الفاعلية والمواجهة، والافتقار إلى الخيال والحنكة السياسية. وربّما هذه معضلة البلاد الرئيسة: "النخبة الضعيفة"، وهي أيضاً معضلة السعودية مع السلطة اليمنية بشخوصها المتعاقبة.
الآن، وقد وصل الافتراق الإقليمي بين قطبَي التحالف إلى اليمن، وهدّد أحدهما الآخر في أقرب نقاط أمنه القومي وأعمقها، وقادت الأحداث المتفاعلة والجارية في شرق اليمن (حضرموت، والمهرة، وتالياً سقطرى) إلى حالة من فضّ الشراكة التحاصصية في اليمن، يبرز السؤال: هل حانت لحظة اليمن؟ وهل اليمنيون، سلطةً ونخبةً، جاهزون وقادرون على الحضور في بلدهم؟
الإجابة الماثلة أن المرتهنين طوال السنوات الماضية ما زالوا منتشين بالتعبير عن مفهومهم السياسي العقيم والمجرّد، أنّ اليمن عمق حيوي وأمن قومي للسعودية، وأنها لن ترضى بأن يتشكّل فيه، ومن خلاله، مصدر تهديد آخر. ولكن ما الذي سيقدّمونه هم لبلادهم؟ وكيف في وسعهم استغلال التجاذبات والاصطفافات الإقليمية للعودة باليمن إلى مسار الدولة والاستقرار؟ ما تزال الرؤية السياسية والميدانية غائبة.
ربّما يكون القدر جميلاً ورحيماً باليمنيين المشرّدين والمخذولين، وتأتي الأيام بما انتظره الناس طويلاً: سلطة على قدر التحدّيات والمسؤولية والحلم المنشود. ولكن السياسة، مع الأسف، لا تعترف بالأقدار والأمنيات، بل بالحسابات والمصالح. ومع ذلك، لا يجب تجاوز اللحظة الراهنة وفرصها، واعتبارها امتداداً لسنوات الخذلان واليأس الماضية؛ لأنّ ثمّة أفقاً سانحاً، وفرصاً لجني مكاسب كثيرة. وربّما يكون التعويل على السعودية كبيراً الآن لعوامل عديدة، أهمها أن الرياض باتت مدركة أن ثمّة مخطّطات وتوجّهات لتحويط الدولة الإقليمية الكبيرة وإغراقها في مشكلات أمنية وحدودية، بما يمكّن من إعادة صياغة معادلة النفوذ الإقليمي، أملاً في تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد، المرتكز على الهيمنة الإسرائيلية.
كما أن نجاح السعودية في دعم الواقع السوري الجديد، وعلاقاتها القوية بالولايات المتحدة، يصنعان قوة دفع مشجّعة لحسم ملفّاتٍ كثيرة متّصلة بالأمن القومي العربي الكلّي، وبأمن السعودية الجيوسياسي. وقد رأينا تلك الرغبة في طلب ولي العهد محمّد بن سلمان من الرئيس الأميركي ترامب إعادة النظر في أزمة السودان. يضاف إلى ذلك إدراك الرياض أن ثمّة خطّاً واحداً ناظماً لكل مشاريع التقسيم، ممتدّاً من ليبيا إلى سورية، مروراً بالسودان والقرن الأفريقي، ووصولاً إلى اليمن، ولديها شريكان إقليميان في هذه القناعة، مصر وتركيا، فيما يمكن اعتباره محوراً سياسياً وعسكرياً وجيوسياسياً مضادّاً لمحور التقسيم.
وعليه؛ تبدو اللحظة الراهنة في اليمن، بكل تعقيداتها السياسية والعسكرية، مواتيةً، بل فرصة حقيقية لكي تنتقل الرياض من مربّع إدارة الأزمة إلى مربّع استعادة الدولة والاستقرار في اليمن، بوصفه مدخلاً أساسياً لتعزيز الأمن القومي السعودي والعربي، أمّا الاكتفاء بإدارة الأزمة فلا يعني سوى تراكم الخسائر الاستراتيجية، وفتح المجال أمام قوى طامعة ومشاريع معادية لتوسيع نفوذها على حساب الأمن العربي الجماعي.