اللامعقول التونسي

20 نوفمبر 2025
+ الخط -

تشتهر تونس بمسرحها، وهو الأفضل عربياً، من فاضل الجعايبي إلى توفيق الجبالي وبينهما عشرات المسرحيين الذين قدّموا على الركح (خشبة المسرح) تجارب بالغة الأهمية، والإمتاع أيضاً، في فنون الفرجة، تراوحت مشاغلهم فيها بين ما هو راهن ومتخيّل وصولاً إلى ما هو غرائبي ولا معقول.

والظن أنهم، في غالبهم على الأقل، قد رحّبوا بفوز الرئيس قيس سعيّد بانتخابات 2019، فالأزمة في البلاد وصلت آنذاك إلى عنق الزجاجة، وكان ثمّة مَن فقد إيمانه تماماً بكلّ شيء، بما فيه الثورة نفسها التي أطاحت زين العابدين بن علي، وذلك بسبب التنازع المرير والشائن على الحكم بين قوى ما بعد الثورة، والتدهور المعيشي غير المسبوق في تاريخ البلاد. لكن هؤلاء الذين صفقوا لسعيّد، وهو أستاذ وخبير دستوري وقانوني، لم يعرفوا أن ما توهّموه خلاصاً أصبح كابوساً، وأنه كان يهيّئ المجتمع والدولة لصعود كاليغولا إلى الركح والمشهد السياسي، حاكماً بأمره، مستبداً، يأتي ما لم يأته الأوائل، وبلغة عربية فصحى إذا شئت.

كان انقلابه على مكتسبات الثورة والمجتمع عام 2021 نوعاً من البروفات لحفلات الجنون التي أقيمت لاحقاً، ووجدت تجلياتها الكبرى في اعتقالات ومحاكمات 2023 التي ما زالت تداعياتها الكارثية تتفاعل، وفيها شهد القضاء التونسي كاليغولا يدخل بحصانه إلى قاعة مجلس الشيوخ، في استعارة إلى الدّرك الذي وصل إليه هذا القضاء من إهانات وتجاوزات لم يقيّض للإمبراطور الروماني نفسه فعلها رغم رغبته الشديدة في ذلك.

ماذا يحدث مع جوهر بن مبارك، وهو أستاذ قانون دستوري بالمناسبة؟ ماذا حدث مع أحمد صواب، وهو محام وقاضٍ سابق؟ ماذا يحدث مع عصام الشابي؟ مع غازي الشواشي، مع راشد الغنوشي؟ والأخير حُكم على عجل قبل أيام قليلة بالسجن عامين إضافيين على خلفية تبرّعه عام 2016 بجائزة حازها إلى الهلال الأحمر التونسي، كأنّ عليه أن يتبرّع بها إلى إدارة السجون مثلاً.

حُكم على جوهر بن مبارك بالسجن 18 عاماً في قضية "التآمر على أمن الدولة"، التي اعتقل فيها نحو 40 معارضاً وشخصية عامة في البلاد، منهم تاجر سيارات لا ناقة ولا بعير له في العمل السياسي، وجدت السلطات إحدى سياراته بالقرب من منزل أحد المتهمين الذين قبضت عليهم، فاعتقلته بمعية الآخرين، وحُكم بالسجن نحو أربع سنوات.

ما هي التهمة؟ "التآمر"، لكن ما هو الجرم الذي ارتُكب؟ لا أحد يعرف، لا المحامون ولا ذوو المعتقلين ولا المعتقلون أنفسهم يعرفون الفعل نفسه أو الجرم الذي بناء عليه أصبحوا متآمرين، وفي قضية المحامي أحمد صواب تلخيص مكثّف لما وصفه القانوني سمير ديلو بالجنون القضائي. فالمحامي الستيني كان من ضمن هيئة الدفاع عن المتهمين في تلك القضية، وفي أعقاب صدور الأحكام في إبريل/ نيسان الماضي، سُجّل له تعليق عليها يقول فيه إنّ "السكاكين الآن ليست على رقاب المعتقلين فحسب، بل أيضاً القضاة الذين ينظرون في القضية".

قال ذلك في 19 إبريل، وفي 21 من الشهر نفسه اعتُقل، وبعد يومين من ذلك (23 إبريل) أمرت المحكمة بحبسه على ذمة التحقيق بتهمة "تكوين وفاق بقصد ارتكاب جرائم إرهابية" ونشر أخبار كاذبة، رغم أن الرجل أوضح مراراً أن تعليقه ذو صفة مجازية، وأنه يقصد أن ثمة تضييقات على القضاء ليس أكثر.

كان يمكن الإفراج عن صواب لاحقاً بألف تخريجة قانونية، لكن ما حدث معه كان فصلاً جديداً في حفلة الجنون الذي ينتاب تونس كلّها، ففي 31 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، عُقدت المحكمة للنظر في قضيّته، وفي سبع دقائق صدر الحكم بحبسه خمس سنوات مع إخضاعه للرقابة الإدارية ثلاث سنوات. وجرت المحكمة في غياب المتهم نفسه، والمدهش أنها وجهت إليه 11 تهمة، ولو خُصّصت دقيقة لتلاوة كل واحدة منها لاستغرق وقت المحاكمة 11 دقيقة، من دون احتساب وقت قراءة الأحكام القضائية أيضاً.

هذا وسواه يفسّر الآتي: وزارة العدل التونسية تشرع في بناء سجن جديد بولاية باجة وآخر في المنستير، وتنفذ توسعة لسجن برج الرومي في بنزرت، وثمّة ميزانية لهذه الأمور وسواها: سادة الركح التونسي من مبدعين كبار إفادتنا أي نوع من مسارح اللامعقول هذا؟

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.