الكل خاسر إلا الفلسطينيين

الكل خاسر إلا الفلسطينيين

24 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

تكبّد الفلسطينيون في قطاع غزة خسائر فادحة بفعل العدوان الإسرائيلي أخيرا. ارتقى 248 شهيدا بينهم 66 طفلاً إضافة إلى حوالي ثلاثة آلاف جريح، فيما تعرّضت للقصف 450 بناية تضم حوالي 16 ألف وحدة سكنية، ونزح أكثر من 50 ألف فلسطيني. في المقابل، قتل بصواريخ المقاومة الفلسطينية بضعة أفراد من الإسرائيليين، وتدمّر عدد محدود من المنشآت والمركبات، فيما قاربت الخسائر المالية المباشرة 2.14 مليار دولار. لو أخذنا بهذه الأرقام وحدها، لقلنا إن الفلسطينيين تلقوا هزيمة منكرة، فيما تحمّلت إسرائيل خسائر مالية محدودة، غير أن معايير النصر والهزيمة ليست بذلك التبسيط، فلا هي بعدد الضحايا أو المباني المدمّرة ولا بحجم الأموال المهدرة، فمحدّدات النصر والهزيمة أعمق كثيراً من عدد الشهداء هنا أو كم الأموال هناك. هذا من دون حُسبان أن شهداء فلسطين في الجنة، وأموال إسرائيل منح ومُساعدات خارجية.
معايير النصر والهزيمة مقرونةٌ بتعريف الصراع وتحديد طبيعته والإلمام بأبعاده. وفي حالة القضية الفلسطينية، لا يتعلق الأمر بالمواجهات العسكرية وحدها، بل إن وضع القوة المقيدة للمقاومة وأسلحتها البدائية في مقارنةٍ مع جيش تكنولوجي يملك أسلحة فتّاكة وذكية لهو نصر للفلسطينيين بحد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، مهما بلغت الخسائر المادية للفلسطينيين، لا قيمة كبيرة أو وزناً حاسماً للقوة العسكرية وعدد الأسلحة أو نوعيتها، ولا حتى لعدد الضحايا. ربما تتأثر إسرائيل بفقدان ولو يهوديا واحدا، غير أن الفلسطينيين كلما مات منهم واحد، تفجّرت الأرض عن غيره عشرات.
وفضلاً عن أن المسار العسكري للقضية هو واحد فقط من أوجهها المتعدّدة، فإن الأثر الحقيقي لهذا المسار يكمن في الدلالات السياسية، لا في الأعداد أو جردة الحسابات المادية. لذا تمتلئ وسائل الإعلام الإسرائيلية بحملات الشماتة والأسى على ما آلت إليه حملة "حارس الأسوار"، فقد فشل نتنياهو في كل الأهداف التي أراد تحقيقها، بدءاً بتقويض القوة العسكرية لحركة حماس وبقية فصائل المقاومة في قطاع غزة. مروراً بكسر إرادة المقاومة لدى الفلسطينيين في الداخل، وانتهاء بتعظيم حضوره السياسي الداخلي، واستعادة فرصه في تشكيل الحكومة، ولو بأغلبية ضئيلة.
محصلة كل هذه النقاط هي صفر .. نعم صفر كبير حققه نتنياهو من التصعيد غير المبرّر الذي بدأ في حي الشيخ جرّاح في القدس، ثم سرعان ما انتقل إلى المسجد الأقصى، ثم الرد على صواريخ المقاومة محدودة التأثير بقصفٍ مدمّر غاشم. بل وصل الخزي به إلى حد التراجع عن عنته المعتاد، وتوسّله إلى واشنطن والقاهرة للتوسط لإقرار هدنة. ومن هنا، جاء تقدّم واشنطن بالشكر إلى القاهرة، لنجاحها في إقناع حركة حماس بوقف القتال.
هذه هي النتائج الآنية المباشرة. أما في المدى المتوسط، فالنتائج أخطر وأسوأ بالنسبة لإسرائيل، فبعد ما سميت بالاتفاقات الإبراهيمية، راح بعضهم يروّج انتهاء القضية الفلسطينية، ويبشّر بعهد جديد في الشرق الأوسط، تندمج فيه إسرائيل مع العرب، وتسود بينهم روح التعاون والسلام والمحبّة و.. و.. كما لو أن الاحتلال انتهى، والحقوق استُردّت أو مات أصحابها.
في الدائرة الأوسع، أيقظت الحملة الفاشلة "حارس الأسوار" الحسّ القومي عند العرب، وليس للفلسطينيين وحدهم، وأعادت القضية الفلسطينية إلى ذاكرة الوعي العربي. وانكشف الإعلام المنافق الذي كان يتهم الفلسطينيين بالإرهاب، والتخلي عن القضية، لتبرير التطبيع. أما الدول التي قامت بالتطبيع ذاتها، فأمامها مأزق أخلاقي وسياسي، إذ سقطت مبرّراتها وحججها الواهية للتطبيع، وانكشف بجلاء أنها هي التي خانت وتخلّت، وليس الفلسطينيون.
أمام هذه الأبعاد الأكثر شمولاً وعمقاً، يتّضح أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر من تلك المعركة الحمقاء. لكنها ليست الخاسر الوحيد، فجميع من والاها أو جاراها خاسرون، عدا الفلسطينيين، الشعب والمقاومة والقضية.