الكتلة الكبرى في العراق؟

الكتلة الكبرى في العراق؟

24 يناير 2022
+ الخط -

دخل أعضاء "الإطار التنسيقي" الذي خسر الانتخابات النيابية العراقية قاعة البرلمان في جلسته الأولى قبل أيام، وهم عازمون على انتزاع الأغلبية ليهيمنوا من جديد على المشهد السياسي. لكن مرة أخرى، بعد احتجاجاتهم على نتائج الانتخابات، وتظاهراتهم البسيطة لاقتحام المنطقة الخضراء، تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفنهم، فلم يحصدوا من "خدعة" تمرير أحزابهم بكتلة أكبر من الكتلة الصدرية الفائزة إلا الفشل. ومع ذلك، لم تتوقف محاولاتهم وضع العصي والشروط أمامهم، بدءا من تهديداتٍ على لسان بعض النواب، مثل عالية نصيف، إلى تهديدات بالتصفية الجسدية، وبإطلاق عبوات على مقار أعضاء بعض الكتل وبيوتهم، كي تنضوي معهم، أو لإرهابهم وإطلاق الصواريخ باتجاه بعض القواعد العسكرية الخالية من القوات الأميركية أو قوات التحالف وقصف الوجود التركي في شمال العراق.
لقد نجحت قائمة "دولة القانون" التي يترأسها نوري المالكي عام 2010 بالالتفاف على الدستور، عبر رئيس المحكمة الاتحادية العليا لإيجاد تفسير غير دستوري لمفهوم الكتلة الكبرى، لإبعاد الفائز، وتحاول، هذه المرّة، إعادة الكرّة، بيد أنّ هؤلاء تناسوا أنّ قانون الانتخابات الجديد الذي صوّتوا عليه بضغط من ثوار تشرين تنص المادة 45 منه على أنّه لا يحق لأي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات الانتقال إلى ائتلاف أو حزب أو كتلة أو قائمة أخرى، إلّا بعد تشكيل الحكومة، إلّا أنّ "الإطار التنسيقي" الذي لا يمثل كتلة أصلاً استبق الإجراءات الإدارية، وقدّم قائمة تتضمن 88 نائباً، معتبراً أنّه هو الكتلة الكبرى بينما يملك الصدر 87 مقعداً.
أما أعضاء التيار الصدري فقد دخلوا إلى قاعة البرلمان وهم يرتدون "الأكفان" ويردّدون شعارات وهتافات بحياة الصدر عدّت حركات غير مقبولة من الشارع العراقي، كما اندفعوا محتجّين على رئيس الجلسة لاستنكار تسميته الآخرين بالكتلة الكبرى، وتهجموا عليه، ثم نُقل إلى المستشفى، فيما لم يتأخر بعد ذلك نشر صور له ضاحكاً، ويقف حوله قادة "الإطار التنسيقي" ويصرّح بنفسه في فيديو أنّه تلقى ضغطاً بسيطاً على جبهته، وهو ما كذّبه النواب الآخرون الذين شاهدوا تسلم رئيس الجلسة مكالمة تلفونية، ادّعى على إثرها التهجم عليه لتعطيل الجلسة؟

لم يخطئ الشارع العراقي باعتباره المستقلين الذين فازوا في الانتخابات، ومن ادّعى أنّه يمثل ثورة تشرين، أرقاماً ليس لها وزن مقابل الآخرين

هذه هي "مشاهد المعارك الكبرى" التي خاضتها أحزاب العملية السياسية من أجل الشعب العراقي في الجلسة النيابية الأولى بعد خامس انتخاباتٍ يشهدها العراق تحت الاحتلال. لقد أظهرت الانتخابات التي جرت مراقبتها دولياً، وبشهادة من شارك فيها أنّ عدد العراقيين الذين ذهبوا إلى الانتخابات كان ضئيلاً جداً، وأبرز مراسلو الإعلام الغربي، والأميركي بالذات، النسب التي نشرتها مفوضية الانتخابات التي تقل فيها المشاركة عن 10% قبل أن تتدخل الأصابع السحرية لممثلة الأمم المتحدة، جنين بلاسخارات، لترفع النسبة، ويسبغ مجلس الأمن، بعدها ولثلاث مرّات متتابعة، الشرعية اللازمة لتسويقها، في حدثٍ غير مسبوق لم يعرفه تاريخ أي بلد، ولا تاريخ الأمم المتحدة ومجلس الأمن!
لم تأتِ نتيجة الانتخابات التي انتظمت في العراق في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بأي كتلة يمكن أن تسمى الكتلة الكبرى، بل شهدنا الأقلية نفسها، وبمقاعد محسوبة للتوازن بين أحزابها ومراكز القوة بينها التي يتم تدويرها من الاحتلال الأميركي وعضيده الإيراني للمرة الخامسة. أقلية حزبية ومليشيات، الفائز فيها التيار الصدري الذي لم يغادر المحاصصة والطائفية والتبعية، وحالاً بعد ظهور نتائج الانتخابات، ينشر زعيمه تغريدةً هي قول للخميني عن الحكومة التي سيشكلها بأنّها حكومة "لا شرقية ولا غربية" أتبعها بتغريدة يتكلم فيها عن مكوّنات العراق، بدلاً من الكلام وبشكل صادق عن الشعب العراقي من دون تمييز ولا تسميات طائفية ودينية أو عرقية. لم يخطئ الشارع العراقي باعتباره المستقلين الذين فازوا في الانتخابات، ومن ادّعى أنّه يمثل ثورة تشرين، أرقاماً ليس لها وزن مقابل الآخرين إلّا إذا التحقت بجهة معينة من الأحزاب المتمرّسة على الفساد، وحصد امتيازات الوزارات وأموالها وعقودها. وبحسب أحد الأعضاء الذين صرّحوا للإعلام: "منذ دخلنا الجلسة البرلمانية الأولى، عرفنا أنّ كلّ شيء قد تم توزيعه بين الأحزاب القديمة حتى اللجان، ولم يبقَ لنا إلّا الانضواء تحت أحزابهم أو لا مكان لنا إلّا لجنة المرأة الخالية من أيّ أموال وامتيازات!".

ربما أحد أهداف الانتخابات ونتائجها التي تسببت بخرابيش بين الإخوة لتصدّر المشهد السياسي هو منع الكتلة الكبرى للشارع من النهوض

أمام الشعب العراقي وأمام العالم، قدّمت الأقلية الحزبية والمليشياوية الولائية، في هذه الانتخابات والجلسة النيابية الأولى، دليلاً صارخاً على أنّها ليست وطنية، ولا تمثل الكتلة الكبرى، لا في الانتخابات ولا في البرلمان. وهي تقول، وبصراحة عبر معاركها على الكعكة، إنّها تابعة، لا تعمل من أجل الشعب ولا من أجل العراق. وفي القريب العاجل، ستختفي هذه المماحكات الاستعراضية، ليتم التوافق من جديد على إنتاج الحكومات السابقة نفسها، ومن دون أي رتوش جديدة.
الكتلة الكبرى هي الشارع العراقي الذي رفض هذه الأقلية منذ سنوات، وثار عليها في انتفاضة تشرين، مطالبا بإقصائها عن العمل السياسي، وإقامة دولة ديمقراطية حقيقية، حديثة. الشارع العراقي هو الكتلة الوطنية الكبرى، صاحب المشروع الوطني الحقيقي المدعوم من كل أبناء الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه، هو مشروع الدولة والمؤسسات والقانون، هو من طرح مشروع المواطنة ضد المحاصصة الطائفية والعرقية التي تتمسّك بها الأحزاب والاحتلال لشق الصف، هو صاحب التضحيات في ثورة تشرين التي أعطت مئات الشهداء وآلاف الجرحى من أجل سيادة العراق وتحرّره.
ربما يكون أحد أهداف هذه الانتخابات ونتائجها التي تسببت بخرابيش بين الإخوة لتصدّر المشهد السياسي هو منع الكتلة الكبرى للشارع من النهوض، أي تجدّد ثورة تشرين، وبالأخص عودة الثوار إلى ساحات التحرير والشهادة والمطالبات بإسقاط النظام وعمليته السياسية المنكرة الغارقة في فساد ومقايضات ومزادات لبيع العراق لا آخر لها، لكنّ شباب العراق عائدون، وثورتهم توقفت ولم تنتهِ بعد، وغضبهم لم يبرد ولم يخمد، بل، من جديد، أكثر وأكثر يجمع على مطالبهم وثورتهم الشعب العراقي بعربه وأكراده يتحدون في قوة واحدة تنتظر اليوم الموعود للتخلص من طغيان عملية الاحتلال المزيفة.