الكتبُ رأسَ مالٍ بنكي للشخصيّة

06 نوفمبر 2025

(لويس ماركوسي)

+ الخط -

كما الصمت لعيون القطط، هي الكتب. وكما الجرس في فناء المدرسة، وكما العصا في جوار حجر شيخ الكُتّاب الكفيف والطيب، وكما العطر في ثياب الفقيرات في يوم السوق، وكما النسيم مع الرياح لقلوع المراكب حين تتهادى فوق المياه، وكما الريح للعصافير الجميلة حين تحطّ على شجر الياسمين فتتمايل الزهرات البيض وتحيّرك خفّة الحركة، أنت الجالس ترصد تنهدات الكون وحلاوة الصباح.
من الكتب نلتقط بعض تلك الزهور التي تساعدنا على إكمال الرحلة وبناء أوهامنا الجميلة عن ذلك الكون، وعن تلك الحياة التي كانت هناك وقالتها لنا الكتب، واستعرنا ذلك الرصيد البنكي الذي كان هناك ساعات قليلة.
الكتب هي تلك الفتاة الجميلة التي خطفتنا عيونها فجأة، ونحن نجري وراء الأشياء في سوق الدنيا، ولمّا عدنا إلى بيوتنا نتذكّر تلك العيون التي أهدت إلينا تلك الابتسامة أو الطلّة السريعة، وكان الأحرى بنا أن نجلس على عتبات السوق نتأمّل في تلك السعادة التي أصابتنا، ثمّ مشت ولم نرها ثانية، حتى إنْ أعدنا قراءة كتاب تلك العين أو تلك الابتسامة سنوات، تظلّ تلك الأولى هي الزهرة التي جاءت للعين، فحفظتها العين مع القلب سنوات ذكرى تظلّ معنا، وتعيننا على قسوة الحياة وفكّ رموزها.
منذ سنوات وأنا أتمنّى أن أبحث عن شاعرٍ كفيفٍ بربابة، شاعر مجهول في كتاب الأغاني ولم يعرفه سوى أنا، ولم يعرف حزنه سوى أنا، وكأن حزنه تحت ضلوعي أنا فقط. شاعر يقول لي الغامض في كتاب "الأغاني". يقول لي كيف مشى من أصفهان إلى الحجاز، وكيف قابل المُغنيّة، وكيف عاتبته لأنه أهمل ثيابه ومشى وراء "رباب"، حتى فقد نور عينه الثانية، رغم أن الذهب يخرّ من أصابعه حينما يلمس الرباب ويغنّي. يمسح الشاعر ماء عينيه ويحكي لها عن البصرة، فتضحك رباب وتقوم كي تغسل له جلبابه، ويظلّ الشاعر يحدّق بعينيه إلى هناك.
لا كتاب الأغاني ساعدني، ولا حتى رباب، ولا الشاعر، ولا حتى الكتب. الكتب واحةٌ تخضرّ أحياناً، ثمّ فجأةً يختفي نخلها ونحن أيضاً نسافر إلى هناك من غير سبب.
أعرف بعضاً ممّن كانت له تجارة، وأهمل فيها بحكم الحظّ القليل من أموال التجارة والكسب منها، واكتفى بكتبٍ قليلةٍ في خزانة، كان منها كتاب الأغاني، وكتب أخرى منها كتاب لأبي العلاء المعرّي، حتى ترك تجارة القماش نهائياً، رغم أنه كان صاحب "منيفاتورة"، وتأتيه الأقمشة في مركب، كبر وصار ضوء كتبه ورزقه القليل وطريقه وسنده هو ما قرأه في الكتب، حتى من كان يتمنّاها تزوّجت.
كان لا يساجل أيَّ أحد في أيّ قناعة، كان يجلس في الدكاكين التي يحبّ أصحابها، ولا يقبل أن يشرب الشاي أبداً، طالما لم يأتِ إلى المكان بقرطاس شاي أو سكّر، ويبتسم للضحك قليلاً، ويقول لصاحب الحكاية: "آه يا ابن الكلب لو رحت بس كُتّاب أو كان عندك أيُّ كتاب وتقرأ فيه عن أسمار بغداد وأخبار العيّارين فيها"، كان يسأله الضاحك عن العيّارين، فيبتسم ولا يرد.
ظلّ هكذا وحيداً موضع احترام من البلدة كلّها رغم رقّة حاله. وأحياناً كان يأتيه الفقهاء ويجادلونه في أبي العلاء، كان يردّ عليهم: "أنت آخرك خطبة جمعة تاخد منها القرشين". رأيته قبل أن يموت وقد أشعل النار شتاءً في كومة من القوالح في "منقد" نار قديم، وفوق "المنقد" حبّات بطاطا. كان البيت قد تهدّم تماماً، إلا غرفة صغيرة رصّوا قوالبها له، وكان ينام فوق "الصحارتَين" اللتين بهما كتبه.
كنت أحبّ جلسته تلك بجوار ضلف الدكاكين القديمة "فوق البلد"، وكان يجلس بالساعات وحيداً. وحين يأتي والدي إلى الدكّان يبدأ في الابتسام وبعض الضحك القليل، ويخرج من جيب الصديري قرطاس الشاي مع قرطاس السكّر، ويقول لوالدي: "قل لأبو عبد العليم يعمل لنا كبّايتين شاي يا حيدر". يحاول والدي أن يرجع له القرطاسين، لأنهما ابنا يوم واحد ولدا فيه فوق البلد، فيردّ على والدي: "والله أقوم أمشي"، فيناول والدي الشاي والسكّر إلى محمّد أبو عبد العليم، ويقول: "ده أنا عارفه من تمانين سنة وده طبعه"، وحينما يروق الشاي في الرأس أو في البرّاد مع الكلام يسأله والدي عن بدء الخليقة والجنّة والنار. هنا يعتدل، ويقول لوالدي هامساً: "مش وقته يا حيدر القعدة فيها عبايط".