الكتابة عن المرض شأناً عاماً

الكتابة عن المرض شأناً عاماً

04 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

في كتابها "باولا"، تسرد الروائية التشيلية، إيزابيل ألليندي، قصة مأساتها مع ابنتها التي توفيت بعد إصابتها بمرض نادر بالدم. في مطلع الكتاب، تخاطب ابنتها في غيبوبتها العميقة: "لماذا كل هذا الكلام إذا كنت لا تستطيعين سماعي؟ ولماذا هذه الصفحات التي قد لا تستطيعين قراءتها إطلاقا؟". تجيب: الكاتبة "تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد كهوف الوعي عتمة"، وهو ما قد يؤدّي إلى اكتشاف أجزاء من الحقيقة، قد تبرّر مرور الكاتب في الدنيا.

قبل شهرين، تم تشخيصي مصابا بسرطان المعدة. أخبرني الأطباء بصراحة إني لن أعود كما كنت سابقا أبدا، فأفضل السيناريوهات هي استجابة الورم للعلاج الكيميائي، ثم استئصال كامل للمعدة، ثم التعايش مع نمط حياة جديد. نصحتني طبيبة التأهيل بالرياضة والكتابة، فعاد السؤال: لماذا نكتب؟

قدر ما يمثل المرض شأنا بالغ الخصوصية، فإنه في الوقت ذاته يمثل شأنا عاماً. تطلق الأمراض الخطيرة فوراً أوسع الأسئلة العلمية والفلسفية. يسأل المريض نفسه "لماذا أنا؟"، ويسأل المحيطون "لماذا هو؟". تمتد الإجابات من أحدث الأبحاث العلمية وحتى العودة إلى "سؤال الشر" الذي ناقشه الفلاسفة والأديان عبر آلاف السنين.

سؤال فلسفي آخر هو عن التعامل الأخلاقي الصائب مع المآسي، والأحكام القيمية المرتبطة بذلك... في عام 1941، ثار جدل في الصحافة الأميركية إثر انتحار الكاتبة فيرجينيا وولف بالقفز في نهر، بعدما أثقلت جيوبها بالحجارة. قالت في رسالتها الأخيرة إنها "لم تعد قادرة على مزيد من المقاومة"، بسبب عودة مرض الاكتئاب الحاد. تراشق الكتّاب في الصحف بين من يعظّم فعلها لكونه دلالة على أنها "أكثر حساسية من معظم الناس لوحشية الحياة في وقتنا"، أم أنها ما فعلته أنانية وضعف، وتخلّ عن مبادئ الإيمان والحب؟

دوائر الشأن العام تشمل أيضا جوانب بلا حصر في الاجتماع والاقتصاد والسياسة... في الأمثلة سالفة الذكر، تناولت إيزابيل ألليندي تشريح المجتمع التشيلي الطبقي والسياسي، كما تم ربط انتحار فيرجينيا وولف بالظروف السياسية للحرب العالمية الثانية. والمثال الأبزر قصة سيدة المجتمع الأميركية، ماري لاسكر، التي توفي زوجها بالسرطان، ويدين العالم أجمع اليوم لجهودها الممتدة عقودا منذ الأربعينات. أطلقت ماري حربا شملت حملاتٍ احترافية في قاعات الكونغرس وأروقة الأحزاب والصحف، ما أنتج، في النهاية، تأسيس جمعية السرطان الأميركية ذات التمويل الملياري، وكذلك لاحقا خاضت حربا شعواء ضد شركات التبغ، ما أحدث كل الإجراءات التقييدية التي نعرفها اليوم.

من زاوية أخرى، ثمّة نقاشات اقتصادية تصل إلى عمق النظام المالي العالمي. في وقائع عدة، تأخر كشف علاجات واعدة لأنواع نادرة من السرطان، لأن الشركات رأت أن من غير المجدي إنفاق مليارات لإنقاذ بضعة آلاف من البشر فقط، وتطلب الأمر ضغوطا شعبية وحكومية.

وفي عالمنا العربي تجارب عديدة. كتبت الروائية المصرية، رضوى عاشور، تجربتها مع سرطان بالمخ في كتاب "أثقل من رضوى"، الذي وثّق بدقة أحداث ثورة يناير المتزامنة مع إجراء الكاتبة عمليتين لاستئصال الورم عام 2011. وواصلت المسار نفسه في "الصرخة" الذي توفيت قبل نشره، ووثقت فيه عودة الورم، وكذلك عودة الحكم السلطوي إلى مصر.

وفي قصيدتيه "لاعب النرد" و"جدارية"، يتناول الشاعر الفلسطيني محمود درويش تجربته مع مرضه بالقلب، ويغوص عميقا في أسئلة الحظ والقدر، والموت والحياة. وعلى الرغم من ذلك، تطل السياسة في تقاطعاته منذ الطفولة مع الاحتلال الإسرائيلي. وفي سياق مشابه، يأتي كتاب الفلسطيني حسين البرغوثي "سأكون بين اللوز" عن إصابته بسرطان الغدد اللمفاوية. وكتب المصري جمال الغيطاني "أيام الحصر" و"الخطوط الفاصلة"، وغيرهما.

لا تنفي خصوصية تجربة المرض كونها شأنا عاما، كما لا تلغي عموميتها ذاتيتها البالغة... تخاطب إيزابيل ألليندي ابنتها: "إنني أتقلب في هذه الصفحات في محاولةٍ لا عقلانية للتغلب على رعبي. ويخطر لي أنني إذا ما أعطيت شكلا لهذا الخراب، سوف أتمكّن من مساعدتك ومساعدة نفسي..".