الكتابة بعد السبعين

الكتابة بعد السبعين

02 سبتمبر 2021
الصورة

الأميركية، آن يونغستون، بدأت كتابة الرواية في عمر السبعين (Lisa Hill)

+ الخط -

قرأتُ قبل أيام خبراً صحافياً عن كاتبة أميركية، اسمها آن يونغستون، نشرت روايتها الأولى بعنوان "قابلني في المتحف"، وهي في السبعين من عمرها، فأدهشها النجاح الكبير الذي حصدته، حيث تلقف القراء الرواية بترحابٍ شديد، خصوصاً بعد أن أدرجت على القائمة القصيرة لروايات كوستا. تحمّست يونغستون بعد ذلك، فقدّمت روايتها الثانية إلى الناشر، بعنوان "ثلاث نساء وقارب"، فلاقت من النجاح ما لاقته الرواية الأولى، وهي تستعد هذه الأيام لنشر رواية ثالثة، بعد أن بلغت الثالثة والسبعين من العمر. تقول الكاتبة، وهي تنعُم بنجاحها الروائي المتأخر، محاولة تفسير ما اعتبرته الأوساط الأدبية الأميركية ظاهرة نادرة في عالم النشر: "في أواخر الثلاثينيات من عمري، كنت أحاول الكتابة في أثناء استراحات الغداء في وظيفتي في صناعة السيارات. في ذلك الوقت، كانت الكتابة هواية ممتعة وسرّية، ولم أكن على وشك إخبار أي شخصٍ بأنني أفعل ذلك، لكنني شعرت بالرضا عن نفسي".

لا أعرف شيئاً عن الكاتبة المذكورة، ولم يسبق أن قرأت لها، ولا أدري إن كانت قد تُرجمت روايتاها إلى العربية، ولكنني أعرف شعور الرضا الذي تحدّثت عنه، بعد أن أنجزت ما يمكن اعتباره حلم العمر بالنسبة إلى أيّ كاتب في سنٍّ ينظر إلى كثيرين بأنها سنّ التقاعد من الحياة كلها تقريباً، وليس من العمل فقط.

إنه الشعور الذي يتملكك حين تنفرد بكلماتك مؤمناً بأنها كافية جداً لأن تكون كل شيء بالنسبة إليك تقريباً. أن تكون هي الهدف وهي الوسيلة لتحقيق ذلك الهدف، وهي المتعة كلها.. أن تعيدك الكتابة إلى هذه الحياة المنصرمة، وأن تحاول من خلالها إعادة تقديم نفسك إلى نفسك، وإلى الآخرين حولك، بواسطة من فكرة الإبداع، وأن تملك من الثقة ما يجعلك تواجه العالم بوقت متأخر، وفقاً لرؤية معظم من حولك.. وأن تكون بعد هذا كله راضياً عن نفسك.

أقابل كثيرين يمتلكون موهبة الكتابة، لكنهم يتردّدون في النشر ومواجهة القرّاء فقط، لأنهم يعتقدون أنهم تأخروا في الإقدام على تلك الخطوة، فينتهي الأمر بهم إلى الشعور بالشك في كل شيء حولهم تقريباً، ثم الشعور بالشكّ في أنفسهم، وفي ما يمتلكون من موهبة، وعندها تبدأ لعبة المقارنة بالآخرين حولهم ممن سبقوهم إلى النشر ومواجهة القراء بسنوات طويلة.. وهي لعبة خطرة جداً، ولا تنتهي إلا بمزيد من الخسائر النفسية والاتهامات الذاتية.

تستحقّ تجربة الكاتبة الأميركية المذكورة في الخبر الصحافي أن تكون تجربة ملهمة لكثيرين ممن مضت بهم سنوات العمر في انشغالات العمل والأسرة وغيرهما من أمور الحياة من دون الالتفات إلى هواياتهم ومواهبهم، فاعتقدوا أن القطار قد مضى، ولن يعود الركاب إلى المحطة الأولى أبداً. وهذا أمرٌ محبط بالنسبة إليهم، ربما للقراء أيضاً عندما تترسّخ هذه الفكرة التي لا محل لها من الإعراب الإبداعي، وخصوصاً على صعيد الكتابة.

الكتابة فكرة حرّة، ونماذجها متعدّدة بتعدّد الكتّاب، لكن المهم أنها لا تستقل القطارات ذات الاتجاه الزمني الواحد. وبالتالي، يستطيع كل كاتب تصميم رحلته معها، وفقاً لظروفه واستعداده النفسي ومزاجه الخاص، بعيداً عن حساباته مع الآخرين. وبالتالي، يمكن كلَّ مبدعٍ أن يُقدم على تجربته مع الكتابة متى ما شعر بأنه مستعدٌّ لذلك. أما النشر، فله متطلبات كثيرة، ليس من بينها عمر الكاتب. ولو بحثنا في تاريخ التجارب الإبداعية العربية والعالمية، لوجدنا نماذج كثيرة مشابهة لنموذج آن يونغستون في الكتابة والنشر.. والنجاح أيضاً.