الكاتب القبطي الذي طلب الانضمام إلى حزب الله
رؤوف مسعد: مع "حماس" قلبا وقالباً (صفحة أصدقاء الكاتب في "فيسبوك")
إنها إكراهاتُ الصحافة جعلت العنوان أعلاه يعرّف الروائي والقصّاص والمسرحي، الراحل يوم الجمعة الماضي عن 88 عاماً، رؤوف مسعد، بقبطيّته (أو مسيحيّته)، لا بمصريّته، ذلك أن المفارقة هناك، في أن هذا الكاتب، الذي يُحرز عن جدارةٍ صفتَه انشقاقيّاً متمرّداً مغامراً، مسيحيٌّ من أسرة أرثوذوكسية (تحوّل والدُه الذي كان قسّيساً إلى بروستاتني إنجيلي في صعيد مصر... وهذه قصة طويلة)، طلب من حزب الله، في مقالةٍ في مايو/ أيار 2006، "أن يفتح عضويّته لمسيحيي الشرق"، وكتب أن حزباً "فيه مقاتلون يقاتلون الجيش الإسرائيلى ويدمّرون دبّاباته لا ينبغي أن يكون حزباً مخصّصاً للمسلمين الشيعة، نريده حزباً للفقراء الذين يريدون استرداد ما سلبه اللصوص منهم، من كرامتهم ومن مستقبل وطنهم". وفي تشديده على "أن يفتح حزب الله أبوابَه أمام غير المسلمين"، كتب أن "الاسم يعني أنه لله وهو إله الجميع. إله المسيحى والمسلم"، وأن قذائف الموت الإسرائيلي "لم تفرّق بين مسيحيي لبنان ومسلميه، ولم تفرّق من قبلُ فى بورسعيد بين مسيحيّيها ومسلميها"... وإذ تجوز نسبة هذا الكلام إلى متخيّلٍ يعصي تنزيلُه إلى الواقع اللبناني فهذا لا يلغي قيمته العالية، وأهميّة طرحِه، بل القول هنا إن حزب الله لو بادَر إلى شيءٍ من هذا لمَوْقَعَ نفسَه في مطرحٍ أوسع من الذي أقام فيه مذهبيّاً، وأعطاه صورةً أخرى غير التي اختنق فيها، وقَلّلت كثيراً من التعاطف معه في محكّاتٍ ووقائع لبنانية غير قليلة.
حرص صاحب "غواية الوصال" (1997)، في مقالته غير المنسيّة تلك، على التذكير بأنه مسيحيٌّ بالجذور (وليس بالممارسة، بتعبيره)، وكتبَ أنه "ينتمي بقلبِه ولسانِه إلى جماعة الوعد الحقّ والوهم المتبدّد". ويتّسق هذا مع خروجه على أعراف أسرته المتديّنة، فلم يتردّد على الكنيسة، وفي شبابه الأول راقَتْه الشيوعية والماركسية، ووزّع منشوراتٍ تنظيميّةً، ما أودعه سجون جمال عبد الناصر، وكتب أنه لم يف بنذر أمّه للمسيح وخدمة الكنيسة. وظلّ يعدّ نفسه، وهو المولود في السودان وعاش شطراً من طفولته وصباه هناك، متعدّدَ الهويات، ويرى هويّته الدينية مسيحيّاً غير كاملة. وفي تقدير صاحب هذه المقالة أن رؤوف مسعد الذي تزوّج (وطلّق) مرّتين خارج الكنيسة، قبل زواجه الذي استقرّ عليه في مغتربه الأخير في هولندا، تخفّف لاحقاً من نزوعاته "الإلحادية"، وتقدّمت فيه مسيحيّتُه كثيراً. ومع التنبيه هنا إلى أن هذا أمرٌ يخصّ الكاتب نفسَه ومزاجَه وتحوّلاته الشخصية، يمكن حسبان انشغاله البيّن والنشط في مناهضة التمييز الديني تعبيراً عن قلق مثقفٍ مصري، ينتسب إلى أقليّةٍ دينيةٍ في محيط إسلامي واسع، في غضون تنامي الظاهرة الطائفية والعنف الناجم منها في غير بلد.
ليس شأناً بلا دلالة أن ممّن أهدى إليهم صاحبُنا روايتَه "زهرة الصمت" (2016) "شهداء التمييز الديني في مصر والبلاد العربية"، وهي نصٌّ انشغل بهذه الموضوعة، كما سابقتُها روايته "مزاج التماسيح" (2000) التي راحت إلى وقائع عنفٍ طائفيٍّ ضد المسيحيين في مصر. وليس عابراً شعورُه بأن المجتمع المصري أصبح يعيش الهوية الدينيّة مقابل الهوية الوطنيّة. كما ليس تفصيلاً ثانوياً أن يختار لروايته الأشهر "بيضة النعامة" (1994) اسمَها هذا من مرموزات الكنيسة القبطية (واليونانية)، والذي يُحيل على حدّة بصر النعامة، ما يشير إلى أن عين الربّ تظلّ دائماً نحو المؤمنين، فيكون لهم هذا رادعاً من أن يُخطئوا. وإذ يُرى هذا الكاتب، المُزعج في واحدةٍ من صفاتٍ صحيحةٍ خُلعت عليه، قد أخطأ في زيارته إسرائيل، لإنجاز فيلمٍ للتلفزيون الهولندي، فإنه ردّ على مهاجميه الكثيرين (قاطعَه بعض الوقت صديق عمره صنع الله إبراهيم) بما ردّ به، وهو الذي زار غزّة مرتين بعد ذلك، ثم سوّغ عملية 7 أكتوبر، وناصَر، قبلها وبعدها، حركة حماس، "قلباً وقالباً في حربها ومقاومتها"، مع اختلافه أيديولوجيّاً معها، وقال لـ"ألترا صوت"، مرّة، "على من ينتقد حماس ويتّهمها بالخيانة والتمويل الخارجي أن يمسك هو السلاح، أو يموّلها".
... بإيجاز، لم يكن رؤوف مسعد صاحب مشروع ثقافي أو فكري، لكنه كان صاحبَ مواقف شجاعة، وله تناقضاتُه، وظلّ جريئاً في أدبه وسروده، وغير تقليديٍّ في حياته وقناعاته وكتابته.