القضية الفلسطينية في المفاوضات الأميركية الإيرانية المرتقبة

12 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

خلص مقال "احتمالات التغير والاستمرارية في سياسة بايدن الخارجية"، في "العربي الجديد" (28/11/2020) لكاتب هذه السطور، إلى أن السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الجديدة، بقيادة جو بايدن، مرشّحة لأن تطرأ عليها تغييرات عميقة، خصوصا على الصعيدين، العالمي والإقليمي الشرق أوسطي. 

على الصعيد العالمي، توجد حاجة ملحّة لكي تستعيد الولايات المتحدة هيبتها ومكانتها بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بصورتها في العالم إبّان سنوات حكم ترامب، وهو ما لن يتحقق إلا إذا تخلّى بايدن عن سياسة "أميركا أولا"، ونجح في تصحيح علاقة الولايات المتحدة المختلّة بحلفائها الأقربين، خاصة على جانبي الأطلنطي. لذا يتوقع أن تعود الولايات المتحدة بسرعة إلى اتفاقية باريس للمناخ وإلى منظمة الصحة العالمية، وأن تعتمد الدبلوماسية متعدّدة الأطراف نهجا بديلا، وهو ما سيقود حتما إلى إعادة لترتيب الأوراق على قمّة النظام الدولي.

وعلى الصعيد الإقليمي، وتحديدا الشرق أوسطي، تبدو حاجة الولايات المتحدة ملحّة أيضا إلى اعتماد سياسةٍ بديلةٍ تجاه طهران، تضمن سلمية البرنامج النووي للأخيرة، وتحول دون امتلاكها السلاح النووي في المستقبل المنظور أو البعيد على السواء، خصوصا بعد أن تبين أن سياسة "الضغوط القصوى" على إيران، والتي اعتمدها ترامب طوال فترة ولايته، لم تؤد إلى أي نتيجة ملموسة، وربما يؤدّي استمرارها إلى دفع إيران أكثر نحو الإصرار والاقتراب من امتلاك السلاح النووي فعلا. ولذا يُعتقد على نطاق واسع أنه سيعمل جاهدا على عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الذي سبق أن وقعت عليه عام 2015 ضمن مجموعة 5+1، ما سيقود حتما إلى إعادة ترتيب الأوراق على مستوى النظام الشرق أوسطي برمته. ويحاول هذا المقال استشراف فرص عودة الولايات المتحدة إلى هذا الاتفاق، وتأثير ذلك على الملفات المفتوحة في المنطقة، سيما ما يتعلق منها بالصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام، وبالقضية الفلسطينية خصوصا. 

قوى عديدة ونافذة داخل الولايات المتحدة وخارجها ستقاوم بضراوة العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران

يرجّح كثيرون أن يتراجع موقع القضية الفلسطينية على جدول أعمال السياسة الخارجية لإدارة بايدن، ويرون أن أقصى ما يمكن أن يطرأ على هذا الملف من تغيير لن يزيد على إدخال تحسين شكلي في العلاقة المتدهورة مع السلطة الفلسطينية، باتخاذ إجراءات رمزية من قبيل: إعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية المغلق في واشنطن، والالتزام بتسديد حصة الولايات المتحدة المالية في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وغير ذلك من إجراءاتٍ محدودة النطاق والتأثير. وفيما عدا ذلك، لا يتوقع أن تبادر إدارة بايدن إلى إدخال تعديلاتٍ جوهريةٍ على السياسة التي انتهجها ترامب تجاه الصراع العربي الإسرائيلي على وجه العموم، أو تجاه القضية الفلسطينية بصفة خاصة، فمن غير المتصوّر مثلا أن تلغي إدارة بايدن قرار الإدارة السابقة نقل مقر السفارة الأميركية إلى القدس، أو أن تمارس الضغط على إسرائيل، لحملها على تغيير موقفها من قضايا الحل النهائي الأخرى، كقضايا اللاجئين والحدود والمياه، أو إجبارها على العدول عن قرار ضم هضبة الجولان السورية. بل من غير المتصوّر أيضا أن تخفّف الإدارة الأميركية الجديدة من ضغوطها على مختلف الأطراف العربية، لحملها على المضي نحو التطبيع الفوري لعلاقتها بإسرائيل، من دون انتظار لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

لا أختلف كثيرا مع التوجهات العامة لهذا النوع من التحليلات، والتي تستند، في الواقع، إلى مواقف بايدن السابقة وارتباطاته الوثيقة بالحركة الصهيونية، وبالتالي لا خلاف على أن بايدن سيواصل السياسات الأميركية التقليدية المنحازة كليا لإسرائيل، وسيعمل جاهدا، ككل أسلافه، على تكريس الانقسام الفلسطيني، وعلى استدراج السلطة الفلسطينية للعودة إلى الدوران في الدائرة نفسها المفرغة لمفاوضات سلامٍ لا يتوقع أن تفضي إلى أية نتيجة، طالما ظلّت موازين القوى على ما هي عليه الآن، غير أن هذه التحليلات لا تستطيع الإلمام بالصورة الكاملة، لأنها لا تأخذ في الاعتبار أفق العودة الأميركية المحتملة للاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، وما قد يترتب من تأثيراتٍ لهذه العودة المحتملة على مسار الصراع العربي الإسرائيلي ككل بصفة عامة، وعلى مسار القضية الفلسطينية بصفة خاصة.

ليس مستبعدا أن تشترط إيران مرور فترة قبل الدخول في هذه المفاوضات، لاختبار مدى الجدّية والتحقّق من توفر حسن النية

يدرك بايدن أن الطريق أمامه لتنفيذ وعده الانتخابي، إعادة الولايات المتحدة إلى اتفاق البرنامج النووي الإيراني الذي وقعه أوباما، وانسحب منه ترامب، لن يكون مفروشا بالورود، خصوصا أنه يعلم أن قوى عديدة ونافذة داخل الولايات المتحدة وخارجها ستقاوم هذه العودة بضراوة. وللالتفاف على هذه العقبة، سيحاول بايدن الحصول من إيران على تنازلاتٍ تساعده على تسويق سياسته الجديدة، والادعاء أنها قادرة على تحقيق ما عجزت عنه سياسة ترامب. ويلاحظ هنا أن بايدن لم يكتف بالإعلان عن رغبته في تعديل اتفاق 2015، وحث إيران على الدخول في مفاوضاتٍ ليشمل برنامجها الصاروخي، وسياساتها الإقليمية، لكنه شرع أيضا، حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض، في تنسيق المواقف مع الشركاء الأوروبيين بشأن هذه المسألة تحديدا، وهو ما يتضح من البيان الثلاثي الذي صدر أخيرا عن كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتضمن دعوة صريحة إلى إيران، للتفاوض من أجل إبرام اتفاق جديد. ويبدو أن بايدن يراهن هنا على أن إيران، المثخنة بجراح العقوبات القصوى والشاملة، ستسارع بانتهاز فرصة وجود إدارة أميركية مختلفة عن إدارة ترامب، لتليين موقفها وتبنّي سياساتٍ أكثر مرونةً تساعد على التوصل إلى اتفاق جديد، يشمل برنامجها الصاروخي وتوجهاتها الإقليمية. غير أنني أعتقد أن هذا وهم كبير، وأن إيران لن تقبل أبدا تقديم أي تنازلاتٍ على هذا الصعيد وبهذا الحجم.

للخروج من هذا المأزق، أظن أن بايدن وحلفاءه سوف يجدون أنفسهم مضطرّين، في النهاية، للفصل بين اتفاق 2015، والذي ستصرّ إيران على عودة أميركية غير مشروطة إليه والتزام كامل بتنفيذ كل ما ورد فيه، بما في ذلك إنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة عليها، مقابل وعد إيراني بفتح باب التفاوض حول كل من برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، أملا في التوصل إلى اتفاق منفصل حول هذه المسائل الهامة. بل ليس مستبعدا أن تشترط إيران مرور فترة قبل الدخول في هذه المفاوضات، لاختبار مدى الجدّية والتحقّق من توفر حسن النية، فمن الواضح أن لدى كل طرفٍ أسبابه الخاصة التي تدفعه إلى التفكير جدّيا في تقديم ما يكفي من التنازلات، للتوصل إلى حل وسط. ولكن هذا لا يعني أبدا أن الطريق إلى هذا الحل الوسط سيكون سهلا أو معبّدا، فإسرائيل ستقاومه بكل ما تملك من وسائل، وستعمل، في الوقت نفسه، على تنسيق سياساتها على هذا الصعيد مع كل من السعودية والإمارات. ولكن الولايات المتحدة تملك وسائل وأدوات كثيرة للضغط على السعودية، من خلال ملف جمال خاشقجي، وعلى الإمارات من خلال صفقات السلاح المأمولة والضخمة. ولكن ليس من الواضح بعد كيف سيتعامل مع إسرائيل، وإلى أي مدى سيبدو مستعدّا للدخول في مواجهة معها، دفاعا عن سياسته الجديدة تجاه إيران. الأرجح أنه سيحاول الرهان على وصول رئيس وزراء جديد عبر انتخابات مبكّرة. ولأن العودة إلى سياسة المواجهة المفتوحة مع إيران، مثلما كان عليه الحال في ظل ولاية ترامب، ليست خيارا، يبدو أن التوصل إلى حل وسط من النوع السابق الإشارة إليه بات حتميا.

العودة إلى سياسة المواجهة المفتوحة مع إيران، مثلما كان عليه الحال في ظل ولاية ترامب، ليست خياراً

إذا صحّ هذا الاستنتاج، ووصلت كل من الولايات المتحدة وإيران إلى قناعةٍ بأنه لا مفرّ من الدخول في عمليةٍ تفاوضيةٍ جديدة ومنفصلة بشأن برنامج إيران الصاروخي وسياستها الإقليمية، فمن الطبيعي أن تتسلل ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، بما في ذلك ملف القضية الفلسطينية. وبحكم الأمر الواقع، إلى جدول أعمال هذه العملية التفاوضية، فليس من المتصوّر عقلا أن تتخلّى إيران بسهولة عن حلفائها في "محور المقاومة"، ومن ثم لا يتوقع أن تقبل بالتفاوض حول برنامجها الصاروخي أو حول سياساتها الإقليمية، ما لم تشتمل عملية التفاوض هذه على بحث قضايا الجولان والمستوطنات وحصار غزة وغيرها من القضايا الإقليمية الشائكة والمترابطة. بل إن الأفكار القديمة التي يظن بعضهم أن الزمن تجاوزها، كالاقتراح الخاص بتحويل منطقة الشرق الأوسط برمتها خاليةً من أسلحة الدمار الشامل قد تجد نفسها قد عادت إلى قلب هذه العملية التفاوضية.

قد يبدو هذا النوع من التحليل أو الاستنتاجات مجرّد أوهام أو خيالات أو أضغاث أحلام، غير أن المشهد العام لما يجري على الساحة الشرق أوسطية يشير إلى أن جميع الأطراف الفاعلة ربما تكون قد وصلت إلى حالةٍ من التعب والإرهاق، تستوجب البحث عن حلولٍ غير تقليدية خارج الصندوق. لذا أظن أن أمام الإدارة الأميركية الجديدة فرصة للمساهمة في وضع حدٍّ للمأساة التي تعانيها معظم دول الشرق الأوسط، شريطة أن تقتنع هي أولاً بأنها لن تستطيع أن تفرض على إيران التخلي عن برنامجها الصاروخي، وعن سياستها الإقليمية التوسعية، إلا إذا تخلت كل الأطراف الأخرى، خصوصا إسرائيل، عن سياساتها التوسعية، وعن برامجها الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، وإلا إذا عمل الجميع، باقتناع وحسن نية، من أجل تحويل منطقة الشرق الوسط كلها خاليةً من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل. حينئذ فقط، يمكن أن يبدأ الحديث الجدّي عن تسويةٍ متوازنةٍ وعادلةٍ نسبيا للقضية الفلسطينية.