القدس توحّد الفلسطينيين

القدس توحّد الفلسطينيين

17 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

دعاني رئيس تحرير مجلة "القدس بتجمعنا" الزميل سايمون أزازيان، لحفل إفطار جماعي مقدسي في النصف الثاني من شهر رمضان. وشمل الاحتفال السنوي الذي تقيمه المجلة التي تصدرها جمعية الكتاب المقدس الفلسطينية في القدس مقدسيين من خلفيات دينية مختلفة، توحدهم القدس وحبهم لها، عاصمة دولة فلسطين العتيدة.
كانت السهرة الرمضانية، برفقة فرقة موسيقية بأجواء لطيفة، وأصدقاء لم نرهم منذ مدة، جميلة. لكنّ النقاش السياسي خلال الإفطار، وفي لقاءات مع أصدقاء وقادة عديدين في رام الله، كان كئيباً. كان الكلّ يشكو من قرار الرئيس محمود عباس إلغاء الانتخابات، بسبب التخوّف من النتائج، لكن بحجّة رفض إسرائيل السماح للمقدسيين المشاركة فيها. لم يكن أحدٌ مقتنعاً بأنّ القدس ستتحول إلى مغناطيس يجذب أبناء فلسطينيي 1948، ويكشف زيف ديمقراطية إسرائيل لدى 20% من سكانها، فضلاً عن تحريك مشاعر الفلسطينيين وأصدقائهم في المعمورة.

أعادت أحداث الأيام الأخيرة الثقة بأهمية القدس، ودورها ومحورها في الصراع العربي الإسرائيلي، على الرغم من تطبيع دول عربية علني

من الضرورة أن يتم كشف حساب وتقييم حقيقي. وهنا أعترف بأنّني لم أكن مقتنعاً بجدّية الشباب المقدسيين في الموضوع النضالي، إذ كان لديّ وآخرين القناعة بأنّ الأسرلة قد زرعت جذورها لدى الشباب الذين ولدوا وترعرعوا في دولة الاحتلال، متمتعين بمزايا اجتماعية. الأمر نفسه كان ينطبق على فلسطينيي الداخل، وخير مثال على التخوف من غياب المواقف الوطنية الهرولة لدى أحد تيارات الداخل للانضمام لحكومةٍ برئاسة نتنياهو.
أعادت أحداث الأيام الأخيرة الثقة بأهمية القدس، ودورها ومحورها في الصراع العربي الإسرائيلي، على الرغم من تطبيع دول عربية علني، وغياب أيّ استراتيجيةٍ حقيقيةٍ لإنهاء الاحتلال. فكما قال لي صديق كان له دور مهم في العمل العام الفلسطيني: يجب أن نركز على إدارة الصراع، وليس إنهاءه، الحلّ شبه مستحيل في الوضع الحالي... وقد يكون هذا القول صحيحاً، لكنّ ما حدث أخيراً قلب المعادلة، وأدخل عناصر كانت دائماً موجودة، لكنّ أحداً لم يتوقع أن تلعب دوراً مؤثراً.
كان للشباب المقدسي الفضل الأول والأهم في الزلزال الذي تفجّر في رمضان، وتمثل في استعادة حرية التحرّك في باب العامود، وفي أحياء البلدة القديمة التي تحرّرت من متابعات الاحتلال، بعد كسر حاجز الخوف، وبعدما عطّل الشباب عشرات الكاميرات التي كانت تراقب كلّ التحرّكات في القدس القديمة، خصوصاً التي كانت منصوبة أمام كلّ مداخل المسجد الأقصى. كما كان لشباب القدس وقواه المجتمعية المختلفة، إضافة إلى التعاطف العالمي مع أهالي حي الشيخ جرّاح، الأثر الكبير في تحريك الرأي العام.

كان لشبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً لدى الشباب، دور فعال في تحريك الناس

لا بدّ من الاعتراف أنّ عنصرية المحتل وبطشه المبالغ فيه، خصوصاً في الاعتداء البربري على المصلين في المسجد الأقصى، المعتكفين فيه خلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، لعبا دوراً مهماً في توحيد الجميع خلف القدس، والاستعداد للنضال والتضحية من أجل القدس ومقدّساتها.
أحداث باب العامود وحيّ الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى رافقتها مطالباتٌ ودعواتٌ إلى الأخوة في كتائب عز الدين القسام إلى الانضمام للدفاع عن القدس، وقد وجدت الدعوة تجاوباً سريعاً، بإطلاق صواريخ وصلت إلى ضواحي القدس الغربية. وقد يناقش بعضهم ما إذا كان إدخال صواريخ غزة ساعد أم أضرّ الحملة الشعبية والتعاطف العالمي مع المقدسيين ضد محاولات إسرائيل العمل على تطبيق سياسات التهويد والتطهير العرقي أمام عدسات العالم، لكنّ رد فعل إسرائيل المبالغ فيه، وقتل الأطفال والنساء، إضافة الى تحريك العصابات العنصرية اليهودية، قلب الموازين مرة أخرى، وزاد في التعاطف العالمي، والأهم أنّه نجح في توحيد الجميع لصالح القدس والقضية الفلسطينية، على الرغم من ثمن باهظ في العدد الكبير من الشهداء والمصابين، وتدمير أبراج ومساكن ومؤسسات في قطاع غزة والضفة الغربية.
لقد تم إدخال عناصر مهمة لم تكن موجودة. كان لشبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً لدى الشباب، دور فعال في تحريك الناس، ولعبت مقاطع الفيديو القصيرة دورها في تجاوز احتكار شبكات التلفزة العالمية وتحيزها، وهي التي تلعب إسرائيل ومؤيّدوها الدور الكبير في تعطيل عملها أو منع الاستفادة منها لصالح القضية الفلسطينية. ولا بدّ من نقل الصراع الرقمي من الدعم والتضامن مع القدس إلى الضغط على الناشرين ومنتجي نشرات الأخبار العالمية، والتي كان أداؤها ضعيفاً، مقارنةً مع التغطيات الممتازة لفضائيات عربية متضامنة مع القضية الفلسطينية.

عادت القضية الفلسطينية لتحتل الصدارة في النشرات الصحافية ومناقشات مجلس الأمن، واهتمام العواصم العالمية

مؤكّد أنّ القضية الفلسطينية عادت لتحتل الصدارة في النشرات الصحافية ومناقشات مجلس الأمن، واهتمام العواصم العالمية. لكن، هل نحن نشاهد ردّ فعل مؤقتاً، وعاصفة في فنجان، سرعان ما تهدأ، أم نحن أمام تغيير حقيقي في الرأي العام العالمي، وتدهور حقيقي في الوضع الداخلي الإسرائيلي، والذي قد تنتج عنه تغييراتٌ في التعامل مع الشعب الفلسطيني، على أساس إمكانية أن يصبح للاحتلال ثمن باهظ على استمرار دولة الاحتلال وبقاء تماسكها وديمومتها؟
القدس فعلاً تجمع الفلسطينيين وتوحدهم، ولا تريد أن يبقوا منقسمين ورافضين للتغيير. فكما كان شعار الانتفاضة الأولى "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" يجب أن تتحوّل أفكارهم ونشاطاتهم إلى مبدأ "لا صوت يعلو فوق صوت القدس" وأن يتم العمل الجاد للحفاظ على روح العمل الجماعي الوحدوي الذي أحدثته القدس للسير نحو الاستقلال ودحر الاحتلال.