الفلوس والبركة والعودة إلى حنان الكتاكيت

الفلوس والبركة والعودة إلى حنان الكتاكيت

29 يوليو 2021
الصورة

(ضياء العزاوي)

+ الخط -

في ألف ليلة وليلة المصرية، والتي لم تُطبع، حتماً ستجد الليالي الطويلة المحكية عن حنان الكتاكيت، وكيف أنقذ الكتكوت الذي كان صغيراً الحاجّة لواطف، من الفقر والحاجة وبرد الشتاء، حينما كبرت كلّ كتاكيتها، وذهبت بهم إلى السوق، بالقرب من باب قصر الملك الخلفي في يوم مطير. لاحظْ أنّه لا بد أن يكون ذلك اليوم مطيراً، كي تقع الحاجّة لواطف بكتاكيتها التي كبرت مرة أو مرتين، كي يتعطّف عليها الناس ويلمّوا لها ديوكها ثانية بعدما طارت، حتى نادى عليها خادم الملك، بعدما لمحها الملك بفراسته من شرفته، ولمح اللؤلؤة في حوصلة ديكٍ من ديوكها.

لكنّ الحاجّة لواطف خجلت أن تدخل على الملك بالطبع بديوكها هكذا، فركنت ديوكها تحت سلم القصر، وما كان من مستشار الملك، بناء على أوامره له، إلّا أنّ أخرج اللؤلؤة من حوصلة الديك، من دون أن يؤذي الديك بأيّ أذى، ويدسّها في قطعة من حرير، ويقدمها للملك في أثناء جلوسها بالشرفه معه، بعدما طلب لها عصير العنب والرمان واللوز أيضاً، وإذا بالملك يُفرد اللؤلؤة أمام عيون الحاجة لواطف فوق قطعة الحرير، ثم بدأ يتكلم معها في أمر كتاكيتها، فاستعجبت الحاجّة لواطف، وقالت لنفسها: كيف ترك الملك كلّ أقطار ملكه، بعدما عدّوها وأحصاها، ولم يغب عنه حتى أمر كتاكيتي؟

قرأ الملك ملامحها وأفكارها في اللحظة، وقال لها: أنا أعرف كلّ أمور كتاكيتك، مذ كانوا صغارا تحت الشمس، حتى وأنتِ تحمينهم من الحدأة، حتى أنّني رأيت بأم عيني كتكوتك وهو يلتقط لؤلؤة من شبكة صيّاد فقير، لكنّه كان ظالماً، فتركناها في حوصلة كتكوتك، حتي كبر وصار ديكاً يصيح .. فزاد استغراب الحاجّة لواطف، ففرد لها الملك اللؤلؤة، ثانيةً، أمام ناظريها فوق قطعة الحرير، وثمّنها لها بخمسين ألف دينار، لأنّها كانت من النوع الحرّ. وربط المستشار الدنانير في صرّة للحاجّة لواطف، فبكت الحاجة لواطف بالطبع في حضرة الملك، وتذكّرت زوجها المسكين الذي حارب مع والد الملك في الشام جندياً ولم يعد، ولا عرفت عنه أيّ خبر. وتذكّرت بالطبع ولديها الفقيرين، وقد أحاط بهما الفقر من كلّ جهة من سنوات بعدما غاب الأب، فأمر للابن الأصغر بمركب صيد صغير، وعيّن الثاني بقلم الشرطة، ثم طلب منها أن تحكي للناس عن أمر كتكوتها، وكيف دارى اللؤلؤة في حوصلته كلّ هذه الشهور، كيف كان الملك يعرف ذلك كلّه، حتى وهي في القفص تحت سلالم قصره، وأمر لها بحِجّة وجملين، مع كيسين من التمر على طريق زبيدة، بشرط أن تقرأ لروح والده الفاتحة هناك.

وحينما غلبت الحيرة الحاجّة لواطف من كلّ هذا النعيم والعطايا التي ما جاءتها أبداً في حلم، قالت له: أصحيحٌ، أيّها الملك الجليل، أن كتكوتي الصغير الذي صار ديكاً وكبر كانت في حوصلته كلّ هذه الأقدار التي ستجعلني حاجّةً على طريق الملكة زبيدة، وابني الكبير سيصير جندياً والصغير سيصير له في البحر سفينة. وهل بالفعل كان في حوصلة الكتكوت لؤلؤة، وأنا أعرف أنّ كتاكيتي طوال عمرها في القفص، ولا عمرها انطلقت إلى البحر، ولا عرفت أبداً شبكة صيّاد، علاوة على أنّ بلادنا ليس بها بحار قريبة منا، علاوة على تلك الصرّة التي فيها كلّ هذه الدنانير، ولا أستطيع حملها، فما بال جلالتك بحمايتها؟ ضحك الملك ضحكة طويلة، وقال لها: "كلّ هذه الأشياء التي ترينها هي البركة، حتى هذا القصر، هو البركة، حتى كلّ المجوهرات التي في يدي هي البركة. ولا حياة بلا بركة، ولا كتكوت بلا بركة، ولا حرب بلا بركة، البركة كلّ شيء، وليت الناس المسعورة تعلم.

بكت بالطبع الحاجّة لواطف بكاءً حارّاً، فحاول الملك أن يقبل لها الرأس، لكنّ الحاجّة لواطف خافت واستحت من تواضع الملك، فمالت هي على القدمين كي تقبلهما، فأبعدها عن ذلك بلطف، ثم أمر بزفّة ملكية بالخيول والأفيال، وأن تحمل الحاجّة لواطف وقفصها وديوكها، إلى منزلها بعدما أمر لها بأثواب من القزّ والحرير، قال لها ضاحكاً أمام الجماهير: "لا تنسي الفاتحة في الحجّ، يا حاجّة لواطف، إن شاء الله".