الفلسفة ونقد الوثوقية

الفلسفة ونقد الوثوقية

09 ديسمبر 2021
الصورة

(أسعد عرابي)

+ الخط -

مَرَّ اليوم العالمي للفلسفة في الخميس الثالث من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، وخَلَّف مجموعة من المبادرات والأنشطة الثقافية، في بعض المعاهد والمؤسسات الجامعية في العالم أجمع، تَمَّ فيها التذكير بمزايا الدرس الفلسفي في عالمنا، لكن يوماً واحداً في السنة، بطابعه الاحتفالي والمناسباتي، لا يكفي لتعويض ما لحق الفلسفة في التاريخ العربي وفي الحاضر العربي من مخاصماتٍ ومِحَنٍ. وعندما نتأمل اليوم واقع الدرس الفلسفي في الجامعات العربية، نقف على كثير من أوجُه التبخيس الذي تعرّضت له الفلسفة في تاريخها الطويل والمتواصل، ونُعاين، مقابل ذلك، كثيراً من العناية بالثقافة التقليدية وأنماط الفكر المحافظ، حيث تمتلئ برامجنا في التعليم بمواد دراسية كثيرة لا تساعد في عمليات تطوير أنظمتنا وطرقنا في النظر إلى المجتمع والثقافة والتاريخ.

تَلَقَّى درس الفلسفة في التعليم العربي ضرباتٍ قوية، لم يتم الاعتراف به في جامعات عربية عديدة منذ تأسيسها في بدايات القرن الماضي، واستمر ذلك بعد استقلال أغلبها في النصف الثاني من القرن الماضي. كما تَمّ تغييبه في التعليم الثانوي بشكل كلّي في بعض البلدان العربية، واكتفت بلدانٌ عربيةٌ أخرى بمنح الفلسفة حصصاً رمزية في التدريس. حصل ذلك كله، انطلاقاً من أحكام قَبْلية عامة، ذات صلةٍ بتراثنا وبنظرة القدامى إلى حكمة الأقدمين في علاقتها بحكمة الدين. ومن الأمور الغريبة التي حصلت في الثقافة والمدرسة والجامعة في العالم العربي أن بعض الأنظمة السياسية العربية استبدلت اسم الفلسفة في برامجها التعليمية، ومنحت بعض أبوابها أسماء أخرى، من أجل ألا تكون مفردة فلسفة ضمن مناهجها التعليمية، واكتفى بعضها الآخر بجملةٍ من المعطيات المستمدّة من الفلسفة الإسلامية، وذلك من دون عنايةٍ بعلاقة هذه الأخيرة بمكاسب الفلسفة ودروسها، في حكمة القدامى من فلاسفة وحكماء الإغريق.

تَلَقَّى درس الفلسفة في التعليم العربي ضرباتٍ قوية، ولم يتم الاعتراف به في جامعات عربية عديدة

بلغ خوف بعض الأنظمة السياسية العربية من تعليم الفلسفة وتوطين قيمها المعرفية والمنهجية في ثقافتنا درجة ربطت فيها بين الخيارات السياسية الثورية وبعض تيارات الفلسفة ومدارسها، فأغلقت أقسام الفلسفة ومعاهد الدراسات والعلوم الاجتماعية. ومقابل ذلك، حرصت على إحياء بعض المعارف والدراسات التراثية بروحٍ تقليدية، لا تُسعف بتطوير الفكر في هذه الدراسات، بل تكتفي باستعادتها بلغتها العتيقة، وبالطرق والأدوات المنهجية التي تبلورت بها في الثقافة الإسلامية الكلاسيكية. وفي ضوء المعطيات المشار إليها قصد التمثيل، ظلت الفلسفة في تعليمنا وفي ثقافتنا العربية مجرّد معرفةٍ دخيلةٍ ووافدة، وظلّ الموقف من قيمها ومآثرها في الفكر والحياة، موقفاً يتسم بكثير من النفور والحذر. ظلّ التردّد في ثقافتنا سمةً طاغية على كل ما له صلة بالحرية والعقل والنظر. وقد ساهم هذا الخيار في تعزيز لغة الوثوقية في ثقافتنا ومواقفنا، الأمر الذي كانت له انعكاساتٌ جليةٌ في خطاباتٍ وخياراتٍ كثيرة تملأ اليوم إعلامنا ووسائط فضاءاتنا الافتراضية، بكثير من الضجيج وكثير من التصامم.

السر في انتعاش القول الفلسفي وتطوّره تؤسّسه الحرية أساساً

تتواصل مِحَن القول الفلسفي في الفكر العربي المعاصر، وتتواصل جهود أجيالٍ من المفكرين العرب في باب مساعيهم الهادفة إلى مزيدٍ من العناية بالدرس الفلسفي في ثقافتنا، والعمل على توطين أسئلته، مفرداته وخطاباته، وذلك على الرغم من الروح الدوغمائية السائدة في تعليمنا، وفي ثقافتنا وداخل مؤسساتنا السياسية. وإذا كنا نعرف أن السر في انتعاش القول الفلسفي وتطوّره تؤسّسه الحرية أساساً، أدركنا جوانب من أسباب الانكماش الذي ما زال يعرفه درس الفلسفة في فكرنا المعاصر.

سعى النهضويون العرب، منذ أزيد من مئتي سنة، إلى إعداد تربة الثقافة العربية لاحتضان أسئلة الفلسفة وأدواتها، وساهمت جهودهم في تطوير اللغة العربية وإعدادها لاستقبال مفاهيم ومناهج جديدة، لها صلةٌ مباشرةٌ بآفاق الفلسفة الحديثة والمعاصرة. وعندما أنشئت بعض أقسام الفلسفة في المشرق العربي في مصر وفي الشام، انخرطت أجيالٌ جديدةٌ من الباحثين في عمليات استيعاب مزايا الدرس الفلسفي، الأمر الذي أتاح لفكرنا بناء آفاقٍ جديدة في النظر، تُمكِّنه من مواجهة صور الانغلاق والقَطْع التي كانت وما تزال سائدة في كثير من تجليات الثقافة العربية. ولهذا السبب، ننظر إلى اليوم العالمي للفلسفة باعتباره مناسبة ثمينة تُتيح لنا الانتباه إلى صور الحصار المتواصلة على الفلسفة في الثقافة والتعليم، حيث تعمل بلدان عربية كثيرة على تقليص حِصَصَها في التعليم الثانوي، وحجبها من معاهد التعليم العالي ومؤسساته، متناسيةً أن تعليم الفلسفة يجري اليوم تعميمُه في العالم أجمع، داخل المؤسسات الجامعية المتخصصة في العلوم، حيث يتلقى طلبة الهندسة والإعلاميات والعلوم الفيزيائية والطب دروساً في الفلسفة ومناهجها وما يرتبط بها من قيم، وذلك من أجل احتضان كل ما يمكن أن يعزِّز حضور الفكر العقلاني في الثقافة والمجتمع.

سعى النهضويون العرب، منذ أزيد من مئتي سنة، إلى إعداد تربة الثقافة العربية لاحتضان أسئلة الفلسفة وأدواتها

نحتفي في اليوم العالمي للفلسفة بالفاعلية النظرية للإنسان، وهي الفاعلية التي ساهم درس الفلسفة في تعزيزها والإعلاء من مكانتها. ولا بد من التوضيح هنا أننا لا نتحدّث عن فلسفة بعينها، بل نروم الإشارة إلى أهمية الفاعلية النظرية التي رسمها درس الفلسفة في التاريخ، حيث تتّسع وتتنوع مجالات درسها وحدوده، ذلك أن حاضر الفلسفة الكوني، منحها وما فتئ يمنحها الطابع الذي أصبحت عليه اليوم في مطالع القرن الجديد، حيث استقرّت في حنايا المعارف المختلفة، وتسرّبت آليات عملها إلى خطاباتٍ عديدة، لتؤسس لعملية إعادة انتشارٍ تُوَاصِلُ من خلالها محايَثتَها مختلف خطابات المعرفة وفنونها، حيث تنتعش لغة الفلسفة ومفاهيمها في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتبتكر لنفسها مفردات ورموزا في الفنون والآداب وفي مجال القيم، وكذا في مباحث التقنية ومجتمعات المعرفة، كما تحضر في القانون والسياسة، هذا من دون الحديث عن حضورها المؤكّد في الرواية والشعر وباقي النصوص المفتوحة، سواء كانت مكتوبة بالكلمات أو بالأشكال والأصوات والصّور.

تعدّ حاجة فكرنا إلى الفلسفة وقيمها مسألة لا ينبغي تقديم أي تنازلاتٍ في موضوعها، وفي توسيع مساحة حضورها في مدارسنا وجامعاتنا وفضائنا العام، ذلك أنه لا أحد يجادل اليوم في ضرورة الاستفادة من مكاسب الفكرين، النقدي والتاريخي، ومنجزاتهما، كما تبلورت الفلسفة الحديثة وتطوّرت في منظومات الفلسفات المعاصرة، نقصد بذلك فكر النسبية في المعرفة، وفكر الحداثة ومواثيق العمل الجماعي الإرادية والواعية وإجراءاته في السياسة والأخلاق.