الفلسطينيون ليسوا مُلفِّقين .. رداً على صقر أبو فخر ..

02 ديسمبر 2020
الصورة

ظاهر العمر الزيداني كما تخيله الرسام زياد أبو السعود الظاهر

+ الخط -

مَن المستفيد من قطع رأس ظاهر العُمَر مرّة أخرى؟

يقول المثل الشعبي "المكتوب من عنوانه". ويقال هذا المثل في موضع الحديث عن أمرٍ سيئ، ولأن عنوان المقال الطويل الذي نحن بصدده ينتمي للكاتب صقر أبو فخر، الباحث العربي في الشؤون الفلسطينية، كما يرد هذا الوصف دائما في تقديمه، فإن الأمر يخرُج عن إطار حُسن اختيار العناوين أو سوئها.

كان عنوان مقاله، المنشور في "العربي الجديد" (27/11/2020)، الذي تحدّث فيه عن روايتي "قناديل ملك الجليل" المكرّسة لتجربة ظاهر، هو "ردًّا على التلفيق الفلسطيني .. ظاهر العُمر متمرّد وليس بطلا"، وهو عنوانٌ مرعبٌ في الحقيقة، استغربت كيف يكون بوابة الدخول إلى مقال "باحث عربي متخصص في الشؤون الفلسطينية"، إذ يُلحق أبو فخر "التلفيق" بالفلسطينيين كلهم دفعة واحدة، كشعب! وكان يمكن أن يكون عنوانه، مع بعض التجاوز العلمي واللياقي، نسبة إلى اللياقة إن جاز التعبير: إبراهيم نصر الله ملفّقا في "قناديل ملك الجليل"، وبذلك يكون مقاله أقل عدوانية، بدل أن يحوّله إلى شكلٍ من أشكال القصف الشامل؛ حين تتعرّض المنطقة التي تنطلق منها رصاصة واحدة (إذا اعتبرنا جزافا أن الرواية هي تلك الطلقة)، إلى التدمير الشامل! وهي واحدةٌ من نظريات "العقاب الجماعي" المعروفة. وكان يمكن أن يكون أكثر تواضعا، فبدل أن يقطع "ظاهر العمر متمرّد وليس بطلا"، أن يتساءل: ظاهر العمر متمرّد أم بطل؟ ليترك فسحةً عقلية لأي رأي يخالفه.

كنت سأعتبر عنوان مقاله زلّة قلم، لا تليق بباحثٍ أحبّه وأحترمه، ويحبّه كثر ويحترمونه، لولا أنه حين تحدّث عن تلفيق التاريخ اللبناني، والتاريخ الأردني، لم يصفه بالتلفيق اللبناني بل يقول "لفّق مؤرخون لبنانيون .. وعلى المنوال نفسه، حاول مؤرّخون قلائل صوغ تاريخٍ خاص للأردن"، فلم يصف الشعب اللبناني بالمُلفِّق ولا الشعب الأردني، وهذا ما لا يجوز أن يفعله لا مع هذين الشعبين، ولا مع أيّ شعب آخر.

كان على صقر أبو فخر بدل أن يقطع "ظاهر العمر متمرّد وليس بطلا"، أن يتساءل: ظاهر العمر متمرّد أم بطل؟ ليترك فسحةً عقلية لأي رأي يخالفه

عنوان المقال وحده يستحقّ ردّا، بل ردودًا كثيرة، ولكن أحبّ أن أوضّح شيئا قبل مواصلة محاورة ما كتبه أبو فخر، فأقول إنني لا أحب فكرة الردّ، وقد كانت المرة الأخيرة التي قمت فيها بذلك قبل 35 عاما، لكن مقال صقر غيّر ذلك، فهو غير شخصي، إنه يطرح رأيا في شخصية تاريخية، وفي مكانٍ تاريخي، عبّرتْ عنهما روايتي "قناديل ملك الجليل" وانشغل كاتبها بهما (الشخصية وتاريخ وجودها)، بحثا وقراءة في ما وراء السطور 12 عاما، قبل كتابتها، وحرص على أن يقوم بقراءتها، قبل نشرها، مؤرّخون ومثقفون وباحثون في الشأن الفلسطيني.

الكيان السياسي .. الكيان تاريخي؟

ما بعد هذه البداية أحبّ أن أتساءل: ما معنى أن يردّد المقال: ليس هناك غير "سورية الكبرى، ولبنان لم يكن غير جبلٍ من جبال الشام" (لا أعرف ما هو وصفه لجزيرة قبرص، فهي جزء من سورية الكبرى وفق أدبيات القوميين السوريين)، ويواصل: "وفلسطين والأراضي المقدسة كبقعة جغرافية تشمل المنطقة الممتدة من الجليل حتى القدس وبيت لحم". وأحبّ أن أذكره أننا، في خطابنا الوطني، نتحدّث عن فلسطين التي يقاتل هذا الشعب، ومعه كل حرّ، من أجلها منذ أكثر من مائة عام باعتبارها "فلسطين التاريخية" لا فلسطين التي رسَم حدودها المقال "من الجليل حتى القدس وبيت لحم". هذه ليست فلسطيننا التاريخية! فحتى قرار التقسيم منح الفلسطينيين مساحة أوسع من هذه! ثمَّ لمصلحة مَن أن تضيق حدود فلسطين بصرامة فكرة حدود سورية الكبرى عام 1800.

لقد باتت هذه الدّول موجودة، يا عزيزي، وفي نزْع التسمية عن فلسطين بشكل خاص أخطار مدمّرة لقضيتها، إضافة إلى إلصاق صفة التلفيق بتاريخها. والأدهى اليوم أن هناك وطنا محتلا، فلمصلحة مَن أن نواصل القول إنه لم يكن موجودا؟ هل احتلّ الصهاينة كيانا غير موجود لمجرّد أنه لم يكن هناك كيان سياسي اسمه فلسطين، مع أن هذا الكيان هو كيان تاريخي، فهل "الكيان السياسي" المُتغيّر أكثر عمقا وجوهرية من الكيان التاريخي؟ 

هل احتلّ الصهاينة كيانا غير موجود لمجرّد أنه لم يكن هناك كيان سياسي اسمه فلسطين؟

ويقول: "من المخاطر العلميّة والفكرية إسقاط الحاضر على الماضي، واختراع أبطال وهميين. وأولئك الأبطال، من طراز ظاهر العمر"، وما الذي يقوله أبو فخر غير إسقاط فكرته على الماضي بيقينية الحاضر المستعلية المتعالمة؟ .. ظاهر العمر شخصية تاريخية غير مُخترعة، لو نجحت تجربته، كما نجحت تجربة محمد علي باشا، الذي يوصف بمؤسس مصر الحديثة، لقال "الباحثون"، اليوم، إنه مؤسس فلسطين الحديثة، رغم أن كثرا لا يحرمونه من هذا؛ مثل الدكتور محمود يزبك، الذي يقول عنه إنه يستحق لقب المؤسس الأول للدولة الفلسطينية. لقد استمرَّ ظاهر يُقارع الدولة ستين عاما، وامتدّت حدود نفوذه، متّخذا طبريا عاصمة له، 21 عاما، قبل أن ينتقل إلى عكا ويتخذها عاصمة 29 عاما. حالف المصريين ودقّ أبواب دمشق وحالف الرّوس ودخل بيروت، ووثق علاقته بفرنسا، وبنى مدينة حيفا الجديدة، وأعاد بناء عكا، وبنى الكنائس والمساجد والأسواق، وبنى القلاع، (يمكن ببساطة الرجوع إلى الدراسات التي تناولت التراث العمراني في فترة حكم ظاهر)، واحتضن المسيحيين، وله وزراء، وصدَّر القطن إلى فرنسا وإنكلترا قبل القطن المصري، ولديه سياسة خارجية، وسياسة داخلية اجتماعية، وتجارة خارجية وجيش وأمن، بحيث لم يكن ينقصه بمقاييس اليوم إلا وجود وزارةٍ لتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي! 

هل هكذا يكون المتمرّدون؟ صفة المتمرّدين من منظور المقال يمكن أن تنطبق على من يصدّرون الحشيش والمخدّرات ويسلبون ويقتلون ويأخذون الخوات وينشرون الرعب، وليس على من يبني، وينشر الأمن، ويُطمئن المزارع أن الشجرة التي زرعها لن تقتلعها وتقتلعه معها غارات البدو وظلم الدولة، وصقر يعترف بكثير من هذا في المقال، لكنه في النهاية يصفة بأنه "طمّاع"، "متمرد على الدولة" وكأن الدولة كيان مقدّس، وهو "مجرّد ملتزم"، حاطّا من قدْره، وهذا ليس منهجًا لإعادة قراءة التاريخ، فهل علينا أن نقول: إن جمال عبد الناصر مجرد ضابط، وغسان كنفاني مجرد صحافي، وجورج حبش وغيفارا مجرد طبيبين، والرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا مجرد ماسح أحذية، وياسر عرفات مجرد مهندس، ومحمود درويش وسميح القاسم وعبد الرحيم محمود، وعبد الرحيم الحاج محمد وفرحان السعدي مجرد قرويين، وعيسى عليه السلام مجرّد راع! ولماذا لا "يحلم" ظاهر بدولة، كما جاء في مقدّمة الرواية، وكيف يمكن لأحد أن ينفي ذلك، هل لأن ظاهر لم يكن يملك المصطلحات الحديثة التي أتيحت للباحثين في ما بعد؟ 

أستغرب أن يأتي هذا من باحثٍ بوزنٍ ثقيلٍ، فيتخلّى عن علميَّته من رأس مقاله إلى نهاية قدميه، فهناك "التلفيق الفلسطيني" وظاهر "الطمّاع"، "البطل المُلفّق"، "مجرّد ملتزم"، "الخائن"، "الجشع"، الذي "تمرّد عليه ابنه علي، ثم ابنه عثمان الذي أشار على أحمد الدنكزلي بقتله"، ألم تلاحظ أنك تمتدح الخيانة والتمرّد هنا حين لا يتعلقان بظاهر، وكأن ولديه كانا ملاكين وهو الشيطان، وكأن قائد جيشه، الذي عاش في ظله عشرات السنوات، مثال للوفاء إذ يقطع رأسه! وكأنّ ظاهر العمر هو الخائن الوحيد بين بحرَي طبرية وحيفا! ثم إن السؤال: خان مَن؟ الدولة العثمانية؟ ولماذا هذا الإصرار على طرده من التاريخ، بحجّة أن ذلك "يفسد التاريخ [الفلسطيني] الحقيقي والصحيح"، فأي تاريخٍ صحيح هذا؟ كيف يكون وجود شخصيةٍ محترمةٍ مضرًّا بالتاريخ الفلسطينيّ والقضية الفلسطينية؟ ربما على صقر أن ينتظر الكتابات الصهيونية القادمة عن ظاهر، وهناك أخبارٌ عن ذلك، وسنرى هل سيسرق الكتّابُ الصهاينة ظاهر العمر، أم سيُسخِّفون تاريخه، وهذا أمرٌ يصبّ في مصلحتهم، أم لعلهم سيعتبرونه جزءا من تاريخهم! واسمح لي أن أقول، وأعتذر عن هذا، هل سيغدو "مقال النوايا" هذا مرجعًا لقراءة تجربة ظاهر، على طريقة "وشهِد شاهدٌ من أهله"ّ، لأنني على ثقةٍ أننا على أبواب صراع روايتين، فلسطينية وصهيونية، بشأن تجربة ظاهر، فمن سيكون المستفيد من إعادة إعدام ظاهر العمر، كما فعلتَ، مرّة أخرى؟ 

ويقول: "عندما نجح ظاهر العمر في مدّ التزامه ليشمل الجليل كله، رغب، فوق ذلك، في أن يتوسّع نحو نابلس وجنين وغزة، فاصطدم بالعائلات المتنفّذة، أمثال آل جرار وطوقان والنّمر ومكي والحسيني. وكان مقرّه، في البدايات، في طبرية، لكنه، بسبب خوفه من والي الشام، نقل مقرّه إلى عكا في سنة 1746". أليس هذا ما فعله عبر التاريخ كلّ أولئك الذي أسسوا دولا وإمبراطوريات، سواء انطلقوا من العالم العربي، أو انطلقوا من الصين وإيطاليا وألمانيا لتوسيع رقاع نفوذهم، فلماذا حين يتعلق الأمر بظاهر العمر تُحوِّله إلى "مجرد متمرّد"؟ هذا التفسير هو نموذج للخطاب الرسمي، عربيا وعالميا، حين يسمّون الثائر متمرّدا، وفي بلادٍ أخرى يصبح اسمه قاطع طريق، فعل الإنكليز ذلك مع ثوار فلسطين، إلى أن وصلنا إلى مرحلةٍ يطلق فيها على الثوار لقب مُندسّين، وبلطجيّة، وثورتهم "انتفاضة حرامية".

من الغريب أن تكون الدولة العثمانية بجلالها مستعدّة للتعامل مع العمر بإنصاف أكثر من مقال صقر أبو فخر؟!

جاء في الموسوعة الفلسطينية، "الملفّقة!" بالتأكيد من وجهة نظر صقر: "وهكذا أصبح الشيخ ظاهر العمر سيد فلسطين بلا منازع. وقد دان له الأمراء، وخطب ودّه الحكام. ويذكر أن والي الشام الجديد، عثمان باشا المصري، أرسل إلى الباب العالي كتاباً يطلب فيه الصفح عن ظاهر العمر، والإنعام عليه بإيالة صيدا على أساس المالكانة، أي الالتزام مدى الحياة، ... وقد وافقت الدولة العثمانية على الصفح عن الشيخ ظاهر العمر، وأصدر الباب العالي (فرماناً) خاصاً بذلك". 

إنني أعجب كيف تكون الدولة العثمانية بجلالها مستعدّة للتعامل معه بإنصاف أكثر من مقالك!

أي طريق معرفي هذا؟

ويُشير لنا أبو فخر إلى طريق المعرفة الحقيقي لمعرفة حقيقة ظاهر: "وبات في إمكان المؤرّخين دراسة تجربة ظاهر العمر بصورة أفضل بكثير من المروّيات القديمة، والسقيمة أحيانًا، وتقويم ما فعله ذلك الملتزم الطموح والطمّاع، استنادًا إلى مئات الوثائق، خصوصًا التركيّة، التي جعلت من مرويات ميخائيل نقولا الصبّاغ الواردة في كتابه (تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني)، وحكايات جدّه عبود إبراهيم الصباغ المدوّنة في كتابه (الروض الزاهر في تاريخ ظاهر)، مجرّد قصص متقادمة وبالية". 

ولأن ما قاله فيه مساسٌ برواية "قناديل ملك الجليل" (التي لفّقها الفلسطينيون كلهم!)، فإن ما يثير الاستغراب كثيرا، أن كاتب المقال لم يرَ عناوين 18 مرجعا تاريخيا، عادت إليها الرواية، مثبّتة في نهايتها، من بينها ما كتبه مخائيل وعبّود الصباغ، وقد قرأتهما وثبتُّ عنوانيهما ضمن المراجع، ولكنهما في الحقيقة كانا بالنسبة إليّ موضع شك، لإدراكي العميق أن الذاتية لعبت دورا كبيرا في كتابتهما، ولذا اعتبرتهما مصدريْن غير موثوقيْن.

أما أن يقول إن علينا الاستناد إلى "الوثائق التركية"، فهذا أيضا من غرائب المقال، لأن ذلك يعني اعتماد "عدوِّ" ظاهر مصدرًا معرفيا موثوقا ووحيدا عن زمنٍ كانت فيه الدولة العثمانية تُحرِّم الكتابة عن ظاهر وتعتّمها، مثل أي دولة حديثة اليوم، وهي قاتِلَتُه في النهاية، وليست الشاهدة في قضية "تمرّده". هذا يشبه أن نقول: إن علينا الالتجاء إلى أرشيف المخابرات المصرية في مسألة قتل خالد سعيد وقتل مئات المصريات والمصريين في ثورة يناير، وإن علينا أن نلجأ إلى أرشيف السلطة الفلسطينية لمعرفة حقيقة اغتيال باسل الأعرج، وعلينا أن نلجأ إلى أرشيف قتلة "المتمرِّد" المهدي بن بركة، لأنها المصدر الموثوق! وأرشيف قتلة "المتمرّد" مارتن لوثر كينغ، وأرشيف قتلة ستيف بيكو في جنوب أفريقيا، وأرشيف المخابرات الأميركية المتعلقة بمقتل غيفارا. وأظن أنني سأكتفي بهذا، لأنني كنت على وشك إضافة اسم آخر وخشيت سوء الفهم. هل علينا أن نلجأ إلى أرشيفات أنظمة الحكم العربية، لنفهم الحقيقة الحلوة للتعذيب والتهميش والقتل والسجن وكل ما مارسته ضد شعوبها؟

كل الكتاب العرب الشرفاء يكتبون ضد أنظمة أوطانهم وهم "متمرّدون"، وكل من شارك في ثوراتنا الحديثة والقديمة متمرّد، ولكنهم ليسوا أعداء للوطن أو الدولة

كل الكتاب العرب الشرفاء يكتبون ضد أنظمة أوطانهم وهم "متمرّدون"، وكل من شارك في ثوراتنا الحديثة والقديمة متمرّد، ولكنهم ليسوا أعداء للوطن أو الدولة. النظام وحده من يدّعي أنهم أعداء الوطن، لأنهم ضد أنظمة الحكم الفاسدة، الأنظمة التي تسمّيهم خونة وتصفهم أعداء للوطن "لتفرمهم"، حسب قول أنور السادات. 

كانت الدولة العثمانية إمبراطورية كبرى، لها ما لها، وعليها ما عليها. والفساد والظلم وسلب الناس خيرات أرضهم، واقتيادهم إلى الحروب وقودًا، لم تكن خيالا، ولم يكن هذا كله في صالحها، فليست هناك إمبراطوريات تنهار وهي في عزّ قوتها الأخلاقية، تنهار حين تبلغ أسوأ درجات ضعفها القِيَمي، وتآكلها الداخلي. وحين ننتقد الدولة العثمانية في مراحل فسادها وظلمها، ننتقدها كما ننتقد فساد السلطة العربية وظلمها، وفساد الزعامات الفلسطينية، قبل النكبة وبعدها، وفساد سلطة رام الله اليوم، وميوعة كثير من التنظيمات الأخرى! ولا يختلف أبدا عدم إدراك هذا الأمر عن عدم إدراك آخرين أن الستالينية ظلت تبطش إلى أن أوصلت الاتحاد السوفييتي إلى الغورباتشوفية. كما أن مصر الحلم العربي، معنويّا، ليست مصر عبد الفتاح السيسي اليوم، وفلسطين عبد القادر الحسيني، على مستوى القيادة، ليست فلسطين محمود عباس. الأنظمة تصعد وتهبط وتبطش، ولسنا ملزمين بالانصياع لها.

لماذا لا يكون ظاهر العمر سابقا لزمانه، مائة عام؟ هل كان أبو فخر في رأس ظاهر، قارئا لأفكاره، أو صديقا شخصيا ملازما له خلال رحلته في ذلك الزمان، وكاشفا لأحلامه؟! 

ونصل إلى مفهوم الكيان السياسي، فنتساءل، لماذا يَحرم أبو فخر ظاهرَ العمر، من دون أيِّ دليل تاريخي، من التفكير بكيانٍ شبه مستقلّ، تأخذ الدولة منه ما لها من ضرائب، وتترك للبشر فيه إدارة أنفسهم بكرامة، في الوقت الذي يجيز فيه أبو فخر، ويتقبّل، أن تفكِّر النّخب الفلسطينية بكيان فلسطيني في مطلع القرن العشرين، لماذا لا يكون ظاهر العمر سابقا لزمانه، مائة عام؟ هل كان أبو فخر في رأس ظاهر، قارئا لأفكاره، أو صديقا شخصيا ملازما له خلال رحلته في ذلك الزمان، وكاشفا لأحلامه؟! 

النهاية المرعبة

وكما بدأ المقاله مرعبًا من عنوانه، كان لا بدّ له من نهايةٍ مرعبةٍ أيضا، كما أشرت، حين يقول أبو فخر: "وهكذا انتهت حكاية ظاهر العمر الزيداني مثلما انتهت قصة فخر الدين المَعْني. فلا وطن ولا وطنية في قصة الاثنين، بل نهايةٌ تشبه نهايات المتمرّدين من هذا الطراز". وفي ظنّي أن هذا الحكم المرعب من صاحب المقال لا يختلف عن الأحكام التي تُطلق اليوم على كل من يحتجّ، حتى يسهل إطلاق النار عليه. هذا حكمٌ فيه من التشفّي الكثير الذي يشبه الثأر الشخصي، حتى وكأن الكاتب هو من أصدر هذا الحكم، بلسانه الشخصي، فالكتابة عن شخصية تاريخية، بعلمية، لا يمكن أن تتضّمن عبارات تحقير مثل عبارة "نهايات المتمرِّدين من هذا الطّراز". الطّراز؟!

الكتابة عن شخصية تاريخية، بعلمية، لا يمكن أن تتضّمن عبارات تحقير مثل عبارة "نهايات المتمرِّدين من هذا الطّراز"

يقول أبو فخر: "وبالفعل، أطلق الدّنكزلي النار على ظاهر العمر وهو يغادر عكا في 16/8/1775، ثم احتز رأسه وسلّمه إلى حسن باشا الجزائرلي، قائد الأسطول العثماني، الذي حمله بدوره إلى إسطنبول". هل هذا مشهد يمكن أن يؤيّده كاتب، أي كاتب؟ هل هذا مشهد يستحقه إنسان، أي إنسان؟ وهل ثمّة كراهية أكثر من أن يُحْمَل رأس ظاهر إلى إسطنبول؟ وبعد ذلك يطالبنا أبو فخر، بثقةٍ مرعبة، أن نستنير بالوثائق التركية خصوصًا، قبل الكتابة عن ظاهر العمر؟!! 

وبعـــد:

لم يعترض أبو فخر على أي واقعة تاريخية وردت في رواية "قناديل ملك الجليل"، وهي الرواية التي بقدر ما تتبعت مسار رحلة ظاهر منذ الطفولة، تتأمل فلسطين والحياة الفلسطينية خلال 85 عاما بكل ما فيها من قيم وتراث وأفكار وتفاصيل حياة، غير ملفّقة، وتتحرّك فيها ما يقرب من مائة شخصية غير شخصية ظاهر. في حين أن صاحب المقال لا يعتمد إلا على نوايا ظاهر التي لا يعرفها غير ظاهر، وعلى هجائه، بل شتائمه الشخصية له.

وبعد أيضا: لقد انتابني إحساس غريب بعدما انتهيت من كتابة هذا الردّ، وإعادتي إلى قراءة مقال صقر، إذ أحسست أن نشر مقاله هذا قد تأخَّر 245 عامًا، إذ كان يجب أن يُنشر كبيان للناطق الرّسمي باسم الحكومة العثمانية، بعد قطع رأس ظاهر وشحنه إلى إسطنبول مساء اليوم الذي تمّ قتله فيه، لتبرير حكاية التّخلص منه بكل هذه الدموية!