الفساد... وحبّة السكر

12 نوفمبر 2025
+ الخط -

يقول الدكتور ستوكمان، في مسرحية "عدو الشعب" للنرويجي هنريك إبس: "أعظم أعداء الحقيقة ليسوا الفاسدين الأشرار، بل الذين يعيشون في الفساد، وهم يظنّون أنفسهم شرفاء!..." وفي الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية الحالية في إبريل/ نيسان الماضي، وغيرها من المناسبات، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أنه لن نسمح للفساد بالتسلّل إلى المؤسسات. وفي هذا التصريح إشارة ضمنية إلى وجود الفساد، إضافة إلى ما كشف عنه تحقيق لوكالة رويترز، وما يرشح هنا وهناك من أخبار وشائعات عن أن هناك شيئاً منه يلوح في الأفق، وأن هناك ممن يمارسونه أفراداً أو جماعات أو مسؤولين يديرون شؤون الناس. ونركز هنا على من يديرون شؤون الناس، لأنهم الأس الأول في احتمال تفشّي الفساد على أوسع وأعلى نطاق. وفي العموم، مهما صغر حجم الفساد أو كبر، فإنه في الحالة السورية الراهنة يعني شيئاً مريباً وخطيراً. وبالتالي، مهما كانت الخطوات السياسية والتنموية والدبلوماسية ناجعة، فإنه قادر على أن يغرقها جميعاً في الحضيض في نهاية المطاف، فهذا الوباء إذا ما انبعثت فيروساته في الأرجاء، سرعان ما ينمو ويتضخّم ويصير طاعوناً مدمّراً لكل الأركان. وسورية لا تحتاج مزيداً من الدمار، وهي تبحث عن الحياة. ومن هنا، هي لا بد أن ترى في كل من يمارس فيها الفساد قاتلاً وسفّاحاً مأجوراً. أجل، إلى هذا الحد وأكثر، بات السوريون يتحسّسون من الفساد، بوصفه جريمة خطيرة، ويتعاملون مع الفاسد أنه بغيضٌ وكريه، ولن يعودوا ليصفقوا له بحجّة "الشطارة والفهلوية"، فالجائعون منهم والمحرومون من رغيف الخبز، ما عادوا قادرين على أي طعنة خنجر، حتى لو كانت بحجم ربطة خبز. وسيعتبرون أن من يسبّب لغيره حرماناً ولو بهذا القدر، أنه تسبب بجوع أسرة وتركها تنام على جوع ووجع في الأمعاء والروح والجسد. وأكثر ما تحتاج هذه الأسر، وهي النسبة الساحقة من السوريين، هو انتشال أفرادها من الجوع والقهر، وإيواؤهم تحت سقف يقيهم البرد، وإنشاء مدارس تعليم أطفالهم، لا تركهم في ضياع وجهل.

وليس الفساد مجرّد ظاهرة مالية أو إدارية، بل هو انهيار أخلاقي ومجتمعي وديني، تقوده جرذان تظل تعمل نخراً في المؤسسات حتى تنهار. وبهذا المعنى، هو ليس فقط اختلاساً للمال العام، إنما هو اختلاس لأنفاس الناس، وخنق سعيهم إلى أن يكونوا بشراً. فحين تصبح الرشوة والتزوير والمحسوبية قاعدةً لا استثناء، يصير القانون بدوره واجهة لتبرير النفاق والظلم، لا لاحترام كرامة الإنسان وحياته. ومن يعرف؟ قد يبدأ الفساد أحياناً من أسفل الهرم، وأحياناً من أعلاه، وكلما ارتفعت مكانة الفاسد، وظيفيّاً أو اجتماعيّاً أو سياسيّاً، أفسد شريحة أوسع في عموم الأرجاء. وبذلك، تتحوّل ساحات البلد ومؤسّساته إلى حلبات مواجهة وصراع بين جماعات وجماعات، وبين مواطنين وموظفين، فتنهار كل القيم، ويغدو الفساد أمراً عاديّاً وطبيعيّاً، معزّزاً بوعيٍ مشوّه يردّده الجميع بقصد تبريره، كقولهم: "ما حدا نضيف" أو "هيك البلد ماشية". ويؤدّي هذا بالضرورة إلى موت الحس العام بالمسؤولية، ويصبح "الذكاء" والهمّ الأكبر أن تسرق، لكن من دون أن تُمسك أو يُقبض عليك أو تترك خلفك دليلاً. ويعرف السوريون أكثر من غيرهم كيف كان طاعون الفساد متفشّياً بينهم في الحقبة الأسدية، في مؤسّساتهم كافة، الحكومية والمدنية، وحتى في علاقاتهم الاجتماعية.

كان كل شيء في سورية يتحرّك على قارب ينخرُه الفساد، ومن لا يقبل الركوب فيه كان يُطرد أو يُبعد أو يقتل أو يُغرق

كان كل شيء في سورية يتحرّك على قارب ينخرُه الفساد، ومن لا يقبل الركوب فيه كان يُطرد أو يُبعد أو يقتل أو يُغرق. وكان التنظيم الأسدي بارعاً في إغراق السوريين في مستنقع الفساد، وتحويله أداة تُطبق على رقابهم ليقود وحده المركب الذي كان يعتقد أنه يمضي به إلى الأبدية، وأن جميع من فيه قطعان وعبيد يستطيع أن يأخذهم إلى حيث يشاء. وقد أخذهم بالفعل إلى الشقاء، وغرق هو وغرق معه المركب. وربما كانت أولى السموم التي ضخّها في نسيجهم المجتمعي سموم الرشوة والمحسوبيات والوساطات، ليحوّل النسبة العظمى من السوريين إلى مدمنين على الفساد كما الأفيون من دون أن يعوا ذلك. فهل كان رجل الشرطة الذي يقبض 25 ليرة سورية مدركاً أنه كان يرتكب جرماً رهيباً؟ وهل كان المحامي أو القاضي المرتشي، أو الراشي، يدركون أنهم كانوا بما يفعلون يقتلون النفس الإنسانية، ويخلخلون نظام الأمن والقضاء والعدل؟ وهل كان المعلم الذي رفع علامات طالب لقاء هدية تلقّاها يدرك أنه كان يطعن في صميم العلم؟

سورية، الخارجة لتوّها من المدرسة الأسدية الضاربة جذورها في الفساد والغش والخداع، تحتاج تأسيس آليات شفافية

نستطيع القول، بثقة معقولة، إنهم قلّما كانوا مدركين فداحة ما يفعلون، وهنا تكمن مخاطر هذا الأفيون، فمن أدمن عليه يستسيغه ويسعى إليه بكل طاقته. وهكذا كانت المناصب والوظائف والفرص والشهادات والكفاءات والولاءات تُشترى وتُباع في كل محل وركن من سورية، ليغتني الفاسدون، وينزاح بعيداً كل أمين ونزيه، حتى تفاقم الجوع والقهر بين الأغلبية الساحقة وغابت العدالة تماماً وانفجر بركان الثورة العظيمة في وجه الخنوع والذل، وهو ما كلّف السوريين ملايين الشهداء والضحايا وكمّاً هائلاً من الخراب. ومن هنا تكمن مخاطر العودة إلى ممارسة الفساد. نعم، هناك رائحة فساد تنتشر في الأرجاء، تظهر ملامحها في السيارات الفارهة التي يركبها بعضهم، وفي شرائهم الفلل والمزارع والبيوت والقصور بملايين الدولارات، كسبوها في فترة الثورة السورية، أو قبلها أو بعد انتصارها على السفاح. ويفترض أن يُسأل هؤلاء: من أين لهم هذا وكيف اغتنوا؟ ومن تثبت إدانته بالتفريط بدم وجوع الناس تتم محاكمته. أجل، فحتى قيادة سيارة فارهة في سورية الآن، وهناك ملايين من السوريين لا يملكون أجرة ركوب سرفيس، تُعد فساداً وجريمة. ويفترض المحاسبة عليها، ولو بالحد الأدنى بتأنيب الضمير، لئلا يصبح الثراء والمظهر مقياساً لقيمة الإنسان. وإلا سيساهم هذا في نشر سموم الأحقاد بين الناس والناس، وبين الفقراء والأغنياء، وبينهم وبين بعضهم. فأن يخرُج أحدهم بسيارته وثمنها عشرات الملايين من الدولارات، أو أن يرتدي بذلة ثمنها مئات الدولارات، في حين هناك ملايين الجائعين والمحتاجين وملايين الأطفال خارج مدارسهم يعد بمثابة جريمة! فقد يكون ثمن زرّ في بذلة فاخرة سبباً في حرمان مقعد في مدرسة من برغي صغير، أو قد تكون سيارة واحدة ثمناً لبناء مدرسة كاملة.

هكذا يفترض أن يحسب السوري لكل خطوة يخطوها في شأن من شؤون الناس ألف حساب، فسورية، الخارجة لتوّها من المدرسة الأسدية الضاربة جذورها في الفساد والغش والخداع، تحتاج إلى تأسيس آليات شفافية: رقابة مجتمعية، وإعلام حر، وقضاء مستقل، وأفراد في الإدارات لا يخضعون للمحسوبيات والرشاوى، ولا يُباعون ولا يُشترون، فالساكت عن أي شكل من الفساد كمن يشارك في بناء قبر وطنه بيديه. وأخيراً، وبالإشارة إلى مخاطر الفساد، فإنه حالة هلامية يصعب ضبطها من دون إرادة جادة وعزيمة نبيلة. وهو إذا ما تفشّى، لا يبدأ بقرار من مدير أو وزير، ولا يحتاج ذلك، إنما قد يبدأ بقطعة حلوى يقدمها الراشي للموظف الجديد ليختبره، بحكم أن الواقع تغيّر، وأن الأطراف قد لا تعرف بعضها بعضاً جيداً، وبهذه الطريقة يمتحنون بعضهم بعضاً. وربما من قطعة الحلوى تلك يتعرّف طرفٌ إلى الطرف الآخر، وإن اتفقا على مثل هذا الأسلوب وأغراهما الغوص فيه أكثر، يصبحان كتلة صلبةً يصعب النيل منها. ومن يعرف؟ قد يكون الراشي من أتباع الأسدية أو من تربّى عليها، أو قاتلاً أو مجرماً، وقد يكون ممن زعموا أنهم أبناء الثورة. ومن قطعة الحلوى تلك، ربما ينتشر هذا الوباء. نعم، إلى هذا الحد وأكثر، يمكن أن يؤدي التهاون في أمر قطعة الحلوى أو "حبّة السكر". بالمناسبة، هناك صفقات من الرشاوى كانت تُدفع فيها المليارات، ومع ذلك ما زال السوريون يسمّونها "حبّة سكر"، وهي التي ساقت سورية إلى الخراب والدمار.

ضاهر عيطة
ضاهر عيطة
ضاهر عيطة
ضاهر عيطة كاتب سوري روائي ومسرحي، حاصل على إجازة في الفنون المسرحية، ويقيم في ألمانيا. له عدة أعمال أدبية ونصوص مسرحية.
ضاهر عيطة