"الفرح العدوّ"
كوثر عظيمي، كاتبة جزائرية فرنسية مولودة في الجزائر عام 1986، عاشت بين البلدَيْن، وتُعتبَر من الكاتبات الجزائريات اللواتي فرضن حضورهنّ عبر صوتٍ واضح يقول الأشياء من دون التفاف أو مهادنة. وقد تميّزت منذ أعمالها الأولى بمقدرتها على ربط الشخصي بما تهتزّ له صفحات التاريخ، إذ تكتب دائماً عند تخوم الذاكرة، وعند النقطة حيث يلتقي المنفى بالعائلة، والعنف بالطفولة، والعودة إلى ما فُقد وتستحيل استرجاعه، بلغة مشدودة، نظيفة، تلتقط تفاصيل اليومي، بقدر ما تلتقط الكسور والشروخ. مع "الفرح العدوّ" (دار ستوك 2025)، تعود إلى جزء من سيرتها، وإلى إحدى أكثر الشخصيات حضوراً في الفنّ الجزائري: الرسّامة باية محي الدين.
وبما أن الرواية تنتمي إلى سلسلة أطلقتها الدار الفرنسية بعنوان "ليلتي في المتحف"، قرّرت عظيمي أن تكون "ليلتها" في معهد العالم العربي في باريس، في خلال معرض للوحات الفنّانة الجزائرية باية التي طوّرت الفنّ التشكيلي الجزائري وانتزعت إعجاب كبار الفنّانين من أمثال ماتيس وبيكاسو. هذا هو الإطار العام الذي يتجاوز أن يكون مجرّدَ تقنية سردية، لأنّ ارتداد الألوان المشتعلة على القماش، النساء الممدّدات في لوحات باية، والحدائق المتخيَّلة، توقظ في الكاتبة صوراً من الذاكرة تحوّل مسار السرد إلى رحلة بين خطَّيْن متداخلَيْن: مسار باية، الطفلة اليتيمة التي تحوّلت موهبةً استثنائيةً، وعاشت في باريس ثمّ عادت إلى الجزائر، ومسار طفولة عظيمي نفسها، تلك الطفولة التي تهشّمت بعودة عائلتها إلى الجزائر في قلب العشرية السوداء.
تروي عظيمي هذه العودة عندما غادرت عائلتها فرنسا إلى بلدٍ كان ينزلق نحو العنف الأعمى. تصف الطريق، ونقاط التفتيش، والسيارات التي يوقفها المسلّحون، الخوف الذي يُخفى عمداً كي لا يُعْدي الأطفال، هذا كلّه بدقّةٍ تلتقَط بها معنى العيش داخل بلد ينهار، كيف يطبع الخوف الجسد، وكيف يُعيد تشكيل اللغة ويقلب العلاقات داخل الأسرة. طفولة عظيمي تنسكب داخل فوضى انقطاعات الكهرباء، ودويُّ الانفجارات، وصمت الكبار الخانق، والغياب الغامض، والأيام التي يتآكل شكلها تحت وطأة القلق. ليس في الحكاية أيّ استعراض، بل نبرة الحقيقة كاملة.
في مواجهة هذه "الليلة الجزائرية"، تبدو أعمال باية وكأنها ردّ معاكس، هي التي كانت ترسم ضدّ الصمت والانكفاء، الفقر والوحدة والاضطراب السياسي، وحتى المنفى، بألوانها النافية للموت، وشخصياتها النسائية الطافحة بالحياة. لذا ترى عظيمي في هذه اللوحات مقاومةً، وطريقةً للتمسّك بما يجب ألّا يموت: الفرح، الحرّية، الخيال. ومع تقدّم الليل في المتحف، اللوحة تُنير الماضي، والماضي يُعيد للّوحة معناها، فيما يتقدّم النصّ منساباً كالمياه. تفصيل صغير في اللوحة يستدعي مشهداً من الطفولة، لونٌ يُرجع إلى طريقٍ خطرة، وشكلٌ يوصل إلى حدث قديم، ضمن سرد غير خطّي، إنما شديد التركيز. أمّا الفرح الذي يتحدّث عنه العنوان، فهو ليس سهلاً لأنه "عدوّ" نجا من محاولة اغتياله، ولأنه يعود رغماً عن كلّ ما أراد طمسه. الفرح هنا ليس راحة، بل قوّة خام، وتمرّد صغير على زمنٍ أراد محو كل ما يلمع، والمتحف هو مساحة ذهنية يضيء فيها الفنُّ الذاكرة، وتمنح الذاكرة الفنَّ عمقه. باية وعظيمي تلتقيان في أعمال تتخاطب، الأولى ترسم لتحيا، الثانية تكتب لتفهم، وكلتاهما تعرفان معنى أن يحيا المرء في بلدٍ يتمزّق.
هذا ولا تسعى عظيمي إلى تصفية حساب مع الجزائر، ذلك أن كتابتها خارجة من مكانٍ أكثر تعقيداً، إنه موضع الانتماء المشروخ، والحبّ الذي لا يستطيع الانفصال، والجرح الذي لا يلتئم بشكل كامل. عودة والدها إلى الجزائر، التي بدت للطفلة غير قابلة للفهم، أصبحت الركيزة التي بُنيت هُوَّيتها الممزّقة عليها. فالبلد الجريح يبقى البلد المحبوب، والبلد العنيف يبقى البلد الذي شُكّلت داخله حياة، وفي هذه المفارقة يكمن قلب الرواية ومعناها.