العنف الجليديّ

12 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:55 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم يغب العنف عن البشريّة على امتداد تاريخها، لكنّه تلوّن في كل قرنٍ بالألوان الغالبة على ذلك القرن. قد يجوزُ لنا وضعُ القرن التاسع عشر تحت لافتة "العنف السكران"، الشغوف بما كان بودلير يعتبره سُكْرَ التقدّم العلميّ الذي سيحرّر الروح كما حُرّر القطارُ من الحصان، والذي شهدَ أوروبّا تمسح فمها بمنديل الفلسفة بعد كلّ استعمار، وتحلمُ بالإنسان الكونيّ وهي تقصّبُ أجنحته في أفريقيا وآسيا. وقد يجوزُ لنا وضعُ القرن العشرين تحت لافتة "العنف المنظّم": قرنٌ حوّل الأيديولوجيا إلى آلة ذبح جماعيّ من ستالين إلى هتلر ومن هيروشيما إلى فيتنام، واكتفي خلاله العالَمُ المتوحّش بمنظومةٍ من النيات الطيّبة والذرائع والمبرّرات كي يقتل نصف العالم الآخر. أمّا مع القرن الحادي والعشرين، ومع وُجوهٍ مثل ترامب ونتنياهو، فقد أصبحنا في مواجهة عنف "الكاوبويات الجدد". عنف فوق الوصف، يمارس علناً، وبدمٍ بارد، ومن دون أيّ حضورٍ لتأنيب الضمير أو دواعي الحشمة: إنّه "العنف الجليديّ"، الذي أصبح نظامَ حُكمٍ كونيّاً، يستشري كلما ازداد العالم اضطراباً، وتتحوّل بواسطته القوانين نفسها إلى أدواتٍ لإدارة العنف لا لمنعه، فإذا هو أشبه بدستورٍ غير مكتوبٍ تسري بنودُهُ في الدم لا في القانون.

ليس من شيء في العالم اليوم إلّا وهو مؤسّس على الاستثمار في العنف. مفرداتُ المعاجم نفسُها غدت مجرّد تنويع على العنف: ضربات البورصة. الضربات الوقائية. الضربات الجراحية. ضربات الحظ. حتى الأعمال الفنيّة لم تعد قادرةً على جلب الانتباه إن لم "تضرب في السوق". لم يبق للإنسان سوى أن يتعوّد كونه هدفاً متحرّكاً منذوراً للضرب في ساحةِ رِمايةٍ كونيّة، بينما يشرح له المعلّقون السياسيون أن هذا جزءٌ من التوازن الدولي. كان فرانز فانون يعتقد أن العنف يحرّر المستعمَر من عقدة الدونيّة، لكنّ العنف المعاصر لا يحرّر أحداً. إنّه يستعبد الجميع. ولم يعد في وسع منظمة الأمم المتحدة نفسها، تلك المُقاوِلة العجوز، إلّا أن تضع المراهم على جراحٍ تُفتح بالمدافع نفسها التي اشتُريت باسم حفظ السلام. لقد صارت قرارات مجلس الأمن أشبه ببيانات الأحوال الجويّة. أما القانون الدولي، المرحوم في أغلب الأحيان، فليس سوى توصية شعريّة لا تُنفّذ إلا ضدّ الضعفاء وعابري السبيل.

ولعلّ المفارقة الكبرى كامنةٌ في الزعم أنّ هذا العالَم يعيش عصر "حقوق الإنسان"، من دون أن تُحدّدَ لهذا الإنسان هويّةٌ واضحة. هل هو الإنسان الأبيض أم الإنسان الكونيّ؟ هل هو الإنسان الذي تراه الأقمار الاصطناعية من الأعلى، أم ذاك الذي يُدفن تحت الركام؟ ربما كان شعار المرحلة ما قاله أحدُ الجنرالات الفيتناميّين في تلك الأيّام: "اضطررنا إلى تدمير القرية لكي ننقذها". وأيّاً كان الأمر، لا يبدو العنف، في نهاية المطاف، مُضادّاً للإنسان، بقدر ما يبدو ممثّلاً للإنسان (الكاوبوي) نفسه وقد تخلّى عن المجازات. إنّه الغريزة تستعيد صوتها في زمنٍ يظنّ أنه عقلانيّ. العنف هو الذاكرة التي تذكّرنا بأننا ما زلنا حيواناتٍ ترتدي بدلات أنيقة. ولعلّ هذا العالم، رغم شعاراته البرّاقة، ما انفكّ يعيش في عصور ما قبل التاريخ، لكنّه هذه المرّة مزوّدٌ بأسلحة نوويّة وأدوات خوارزميّة. وربما تتمثّل المأساة الحقيقية في أنّنا لم نعُد نخاف من العنف، لأننا جميعاً أصبحنا جزءاً منه. كأنّ البشرية كلها دخلت في عقدٍ اجتماعيّ جديد، بندُه الأول: "لا يَحكمنا إلا من يستطيع أن يَضربنا أكثر". وإذا كان فيلسوفٌ مثل سبينوزا قد كتب أنّ الإنسان العاقل لا يضحك ولا يبكي، بل يفهم، فإنّ إنسان هذا القرن لا يفهم إلا حين يُصفَع، ويَصفع، باستمرار. ولعل هذا هو الدليل الأخير على أن العنف لم يعد مشكلةً سياسيةً أو أخلاقيّة، بل هو أسلوب إدراكٍ للعالم، كأنّنا لا نرى الواقع إلا بعد أن ينفجر في وجوهنا.

السؤال هنا: هل ثمّة ضوءٌ في آخر هذا النفق، الذي يمارس فيه العنف الجليديّ، المدجّج بالذكاء الاصطناعي وخوارزميّات الإعلام؟ ليس من شكّ في ذلك. ثمّة دائماً أمل ما دامت ثمّة روح تقاوم. البرودة نفسها حين تبلغ الحدّ تستأنف دورتها بعد العصر الجليديّ وتستعيد بعده الأرض هواءها وشمسها وإشراقها. هكذا علّمتنا الحياة. في انتظار اللحظة المجهولة التي لم يعُد منها أحدٌ كي يمنحنا فكرة عنها.

شاعر تونسي ومترجم من الفرنسية.
آدم فتحي
شاعر تونسي ... وشاعر غنائي ومترجم من الفرنسية.