العمارة إذ تتحرّك وتنطق
متحف غوغنهايم في بلباو بإسبانيا وصمّم بناءه فرانك جيري (6/12/2025 فرانس برس)
يمثّل رحيل المهندس المعماري الأشهر في العالم، فرانك جيري (96 عاماً) لحظةً فاصلةً في تاريخ العمارة المعاصرة، فهو كان من بين القلائل الذين يمكن التعرّف إلى أسلوبهم فوراً من بين الآلاف، وقد تمكّنوا من تحويل العمارة من مجرّد غلاف وظيفي إلى تجربة حسّية وفكرية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. فقد سعى جيري طوال حياته المديدة، ومنجزاته الكثيرة، إلى كسر القيود التقليدية للعمارة، مُؤكّداً وجوب أن يكون المبنى أشبه بكائنٍ حيٍّ يتفاعل مع الضوء والظلال، مع الحركة والانطباع الخاصّ الذي يثيره لدى من يراه. "العمارة يجب أن تفاجئ الناس، لأن المفاجأة هي التي تجعلهم يلاحظونها"، هذه هي قاعدته التي طبّقها على نفسه، إذ كان يقول إن التصميم يجب أن يفاجئ في النهاية المعماري نفسه، وإلا فلم ينفّذه، وهي قاعدة وضعت المشاهد أمام سؤال: هل يمكن للمبنى أن يكون حدثاً وتجربةً مفتوحةً تتجاوز الوظيفة لتصبح لغةً ثقافيةً؟
لقد انتمى جيري إلى التيار التفكيكي الذي يرفض الانسجام الكلاسيكي، ويفكّك الشكل والبنية لكي تظهر المباني وكأنّها تتحدّى قوانين الهندسة والتوازن التقليدي. في أعماله، مثل متحف غوغنهايم في بلباو (وهو الذي كان وراء شهرته العالمية في سنّ السبعين)، ودار الموسيقى في لوس أنجليس، ومبنى جامعة فيفلد في هولندا، يظهر بوضوح هذا الانتهاك المُتعمَّد للخطوط المستقيمة، الانكسارات المفاجئة، والأسطح المنحنية التي تتجاوز وتتحدّى ما اعتادت أو ما تتوقّع العين أن تراه. فمتحف بلباو لم يكن مجرّد مساحة لعرض الفنّ، بل تجربة حسّية كاملة، حيث يتحرّك الزائر بين الانحناءات المعدنية والضوء المنعكس على التيتانيوم، وكأنّ المبنى نفسه يحكي قصّةَ الحركة والفضاء، بينما صُمِّمت دار الموسيقى في لوس أنجليس لتكون تجربةً سمعيةً (وبصرية) حيث تتقاطع الهندسة مع الصوت، والفراغ مع الانفعال. في كل أعماله، تجلّت فلسفته في رفض القوالب الثابتة، والسعي الدائم إلى إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالمكان، فأتت اختباراً للجرأة، وإثباتاً بأنها ليست مجرّد تصاميم ميكانيكية، بل مشروع ثقافي يعكس طموحات الإنسان، فضوله وخياله.
جدير بالقول إنّ لجيري تجربة عربية وحيدة هي متحف غوغنهايم - أبوظبي، الذي أثار جدلاً حتى قبل أن يرى النور (الافتتاح مفترض في 2026)، إذ أعلنته حكومة أبوظبي عام 2006 مشروعاً ثقافياً ضخماً، قبل أن يتوقّف العمل فيه لاحقاً بسبب صعوبات التمويل وقرارات إدارية، ليعود ويُستأنَف، مثيراً سجالات واسعة حول شروط العمل فيه، وأيضاً جدلاً بين المعماريين والمثقّفين، إذ اعتبره بعضهم فرصةً استثنائيةً لإثبات قدرة العالم العربي على احتضان معمار حديث عالمي المستوى، بينما رآه آخرون استنساخاً إضافياً للمعايير الغربية، وخرقاً للهُويَّة الثقافية. المفارقة أن هذا الجدل قد أعاد إلى الواجهة الأسئلة التي لطالما طرحها جيري نفسه: هل يمكن للمدينة أن تبتكر لغتها الخاصّة من دون الانصياع للمعايير العالمية؟ وهل الجرأة المعمارية ممكنة في بيئة غالباً ما تميل إلى الماضي والتقليد؟
والحال، أن رحيله اليوم ليس مجرّد وداع لمعماري عظيم، بل تذكير بأنّ أيّ مدينة تريد أن تعيش، يجب أن تسمح لخيالها بالتحرّك والإبداع والتجديد، وأن تعترف بأن العمارة هي قبل كل شيء حوار ثقافي حي، وتجربة تحرّك العقل والحواس وتثير التساؤل حول المستقبل. فالمباني التي خلّفها جيري وراءه، ليست مجرّد هياكل بقدر ما هي تجارب تتحدّى السائد وتفتح المجال أمام كل من يزورها ليعيد التفكير بما يمكن أن تكون عليه المدن والعمارة والحياة، مع التأكيد أن الجرأة والخيال والتفكير النقدي، هي ما يجعل العمارة فعلاً ثقافياً حيّاً، لا مجرّد بناء جامد.