العلويون في سورية..كتاب ورحلة من العزلة إلى السلطة

العلويون في سورية .. كتاب عن الرحلة من العزلة إلى السلطة

23 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

يتضمّن كتاب "العلويون في سورية"، الصادر أخيرا (2021) عن منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة، دراسات وأبحاث ورشة العمل الدولية التي نظمتها "مجموعة لبنان وسورية" في معهد الدراسات الشرق أوسطية في جامعة كينغز كوليدج لندن عام 2014، وشارك فيها فابريس بالانش وأسلم فاروق علي وآلان جورج وليون غولدسميث وريموند هينبوش ومايكل كير وكريغ لاركن ورفائيل لوفيفر وراينود ليندرز وآرون لوند وأوليفيا ميدا وماكس وايس وكارستن فيلاند وستيفان وينتر، وحرره مايكل كير وكريغ لاركين، وترجم الكتاب إلى العربية رضوان زيادة وأحمد العبدة.

ويدخل الكتاب في سياق الدراسات والأبحاث التي صدرت في السنوات الأخيرة، وتناولت الطائفة العلوية في سورية ولبنان، وكيفية صعودها ووصولها إلى الحكم في سورية، من خلال تسليط الضوء على النقاط التكوينية لهذه الطائفة في القرن العشرين، وتحليل تركيبة النظام الأسدي وطبيعته، بنسختيه الأب والابن، والتحدّيات التي واجهتهما في صراعهما للاحتفاظ بالسلطة، وذلك كي يضع ما يسميها "التجربة المعاصرة للمجتمع العلوي في سياقه التاريخي"، عبر تقديم دراساتٍ لمختلف الجوانب الدينية والتاريخية والاقتصادية والسياسية للطائفة العلوية، وللتغيرات والتطورات التي شهدتها بدءاً من تكويناتها الأولى في مجتمع ريفي مغمور أواخر العهد العثماني، مروراً بمرحلة الاستقلال السياسي تحت الانتداب الفرنسي، ثم الهجرة إلى المدن والتطور الاجتماعي والاقتصادي في سورية الاستقلال، ووصولاً إلى تولّي الريادة السياسية مع استيلاء حافظ الأسد على السلطة بانقلاب عسكري، ثم تفكّك الدولة وخرابها مع الكيفية التي تعامل بشار الأسد مع الانتفاضة السورية والسنوات الأولى للحرب الأهلية.

يشكل العلويون طائفة دينية باطنية استوطنت في سورية، لكن أصولها ترجع إلى العراق منذ أكثر من ألف عام

ولعل المعلم الأبرز الذي يشكل دافعاً لدراسات الكتاب هو الثورة السورية والتعامل الدموي للنظام معها، وما تبعه من تدويل الأوضاع في سورية وتحوّلها إلى صراع عسكري، لذلك فإن رؤية الوضع في سورية من منظور طائفي أو تدخل الأطراف الأجنبية تشوّه تعقيدات الوضع السوري، وتلقي بظلالها على التجربة المعاصرة للمجتمع العلوي وردود أفعاله المتباينة حيالها. وقد تفضي إلى فهم خاطئ للطائفية على أنها جوهر الصراع السوري، وأنه ينبغي النظر إليها بوصفها المكون الصلب للهوية السورية، وأنها تلقي بظلالها على كل النضالات السياسية والاجتماعية والثقافية في سورية الحديثة.

وسعى نظام الأسد، منذ بداية الثورة السورية، إلى تحشيد أبناء الطائفة العلوية خلفه في سعيه إلى البقاء في السلطة، وأصبح الصراع في سورية وعليها حالةً نموذجية لتفعيل الحدود الطائفية والإثنية، أي تصعيد الوعي بالاختلافات المتصوّرة بين أعضاء الجماعات الداخلية والخارجية. لذلك يحاول الكتاب تبيان ماهية تلك الحدود التي يجري، في الحقيقة، تفعيلها في الحرب الأهلية السورية، إذ لا تتضح محدّدات الهوية العلوية التي يفترض أن يتردّد صداها في المجتمع العلوي، ويتجاوب معها أعضاؤه بفعالية، بحيث جعلت النظام يتوسّلها في حملته الشرسة للحفاظ على السلطة بأي ثمن. وبالتالي، يتمحور مسعى الدراسات حول هذه القضايا في محاولةٍ لسدّ الفجوة في معرفة المجتمع السوري والسياسة السورية، وبعلاقات النظام بالعلويين والطبيعة المرنة والمتغيرة للهويات العلوية، والدور الذي لعبه المجتمع العلوي في التنظيمات المعارضة والموالية للنظام خلال سنوات الحرب الأهلية، من خلال تقديم منظوراتٍ حول تاريخ المجتمع العلوي المعاصر وعلم اجتماعه وسياساته، وتحليل بنية النظام السوري واقتصاده السياسي ونخبه الحاكمة وردود أفعال المجتمع العلوي التي طغى عليها تركيز النظام على ربط مصير العلويين ببقائه في السلطة إلى الأبد.

شكّل الجيش السوري أداة أكثر أهمية من حزب البعث في صعود العلويين إلى السلطة

ويشكل العلويون طائفة دينية باطنية استوطنت في سورية، لكن أصولها ترجع إلى العراق منذ أكثر من ألف عام، حيث ينحدر العلويون من أتباع محمد بن نصير الذي انشقّ عن المذهب الشيعي الإسلامي في القرن التاسع للميلاد. ونظراً إلى الدلالات السلبية التي جلبها تعبير "نصيري" لهذه الطائفة، تمّ استبداله في العصر الحديث بتعبير "علوي"، نسبة لأتباع علي، ابن عم الرسول محمد وخليفته الشرعي لدى المسلمين الشيعة. وتبلغ نسبة العلويين حوالي 12% من مجموع سكان سورية. وهم يشكّلون أغلبيةً في محافظتي اللاذقية وطرطوس اللتين تحدان تركيا ولبنان تباعاً، أي المنطقة الساحلية الغربية من سورية.

وفي سورية ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، لم تكن ممارسة الطقوس والشعائر الدينية، خصوصاً بشكل علني، ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى أفراد المجتمع العلوي، حيث أبقى العلويون دينهم سرّاً، بينما أبدوا مهارةً ثقافية ومرونة اجتماعية، بدءاً من حصولهم على حكم ذاتي عبر تأسيس دولةٍ علويةٍ لم تدم طويلاً تحت الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى السيطرة السياسية على السلطة التي وسم بها حافظ الأسد كل مستويات المجتمع إبّان فترة هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي. ولم يعتمد حافظ الأسد على أي عقيدة دينية، عندما قرّر القضاء عسكرياً على عصيان مدينة حماه الذي قاده الإخوان المسلمون عام 1982، الأمر الذي يشي بأن الانتماء العلوي كان رمزاً ثقافياً طائفياً مجتمعياً أكثر منه ظاهرة دينية. ويتضح ذلك عند مقارنته مع تجربتي المجتمعين، الإسلامي والمسيحي، في المنطقة، لذا فإن الهوية العلوية المعاصرة شكلت جزءاً من الطبيعة المتنازع عليها للمجتمع السوري الممزّق والمنقسم بشكل عميق.

وقد بقي العلويون في عزلة خلال العهد العثماني في المناطق الجبلية. ثم مع الانتداب الفرنسي، أنشأت فرنسا دولة علوية على طول الساحل السوري، في سياق تقسيم سورية إلى أربع دويلات، وتطبيق سياسة فرق تسد على المجتمع السوري وتكويناته. وعلى الرغم من أن المجتمع العلوي بقي منقسماً عند بداية الاحتلال الفرنسي إلى جماعاتٍ عشائرية أربع (عشائر الخياطين والحدادين والمتاورة والكلبيين)، فضلاً عن الانقسامات الدينية الفرعية (الشمسيون والقمريون والمرشديون) إلا أن الفرنسيين استغلوا هذه الانقسامات، إلى جانب استغلالهم الخلفية التاريخية للعلويين كأقلية دينية متماسكة، من أجل تغذية بذرة الانفصال، واتخذوها وسيلة لخنق حركة الاستقلال الوطني السورية.

شكل القرن العشرون المنصرم محطة مفصلية في تاريخ المجتمع العلوي السوري، إذ بعد عهود من العزلة والاضطهاد، بدأ سكان الجبل ينزلون إلى مدن الداخل السوري

وشكّل حزب البعث أداة فاعلة في وصول الطائفة العلوية إلى السلطة، حيث وفر توسّع الحزب في مناطق الساحل السوري قاعدة قوية اكتسبت من خلالها النخب العلوية النفوذ والسلطة في مرحلة ما بعد الاستقلال وجلاء المستعمر الفرنسي. كما شكّل الجيش السوري أداة أكثر أهمية من حزب البعث في صعود العلويين إلى السلطة، وذلك بعد أن شجعت فرنسا تجنيد الأقليات لمجابهة النزعات الوطنية للأغلبية السنّية، ثم تدرج العلويون في سلم قيادات الجيش حتى سيطروا على قيادته وعلى اللجنة العسكرية التي قادت انقلاب البعث عام 1963.

وجاء استيلاء حافظ الأسد على السلطة بانقلاب عسكري عام 1970، كي يبني مراكز قوى تمحورت حول تجمعاتٍ طائفية، خصوصاً في الجيش، معتمداً على فئةٍ من ضباطه التي ينحدر أعضاؤها من أفراد عشيرته وعائلته المباشرة، وأقاربه المقرّبين، وآخرين من المجتمع العلوي. وعمد الأسد على توطيد سلطته الديكتاتورية على التضامن الطائفي، وعلى القمع الذي لعب دوراً محورياً فيها، من خلال تشكيله دولة المخابرات التي راقبت فيها أجهزة الاستخبارات المتعدّدة المواطنين السوريين والجيش. وشكل الأسد كذلك جيشين: وحدات الحرس الجمهوري المكونة من أفراد من عائلته وطائفته مهمتها حماية النظام. وجيش محترف كان شعاره حماية حدود البلاد، لكنه سُخر مع الثورة السورية لحماية النظام أيضاً.

وجرى توريث السلطة في سورية بعد موت حافظ الأسد في 10 يونيو/ حزيران 2000 إلى ابنه بشار الأسد، الذي ورث أيضاً أجهزة الدولة القمعية المترسّخة بعمق التي بناها والده بعناية فائقة. ومثّل حكم بشار، إلى حدّ بعيد، استمرارية لحكم أبيه مزخرفاً بمسحةٍ حديثة، حيث أصبحت السلطوية الشعبوية لحافظ تحديثية لبشار. وعندما بدأت حركة الاحتجاجات السلمية في سورية، لجأ النظام سريعاً إلى القمع الدموي، وأفضى تعامله مع الثورة إلى تحويل سورية ساحةً لمواجهات وحروب أهلية وإقليمية ودولية، تتنازع فيها قوى احتلال متعدّدة على مناطق النفوذ والسيطرة.

شكل القرن العشرون المنصرم محطة مفصلية في تاريخ المجتمع العلوي السوري، إذ بعد عهود من العزلة والاضطهاد، بدأ سكان الجبل ينزلون إلى مدن الداخل السوري، وقام العلويون بخطواتٍ من أجل إعادة اندماجهم في النسيج الاجتماعي الديني الأوسع للمجتمع السوري، عبر تأكيدهم الانتماء إلى التيار الشيعي، لكن المجتمع العلوي بقي برمته مشلولاً سياسياً لارتباطه بعشيرة الأسد الحاكمة التي استغلت الهوية الدينية من أجل ترسيخ حكمها الأوتوقراطي المستبد.

لعبت الرموز الدينية والثقافية التي تميز العلويين عن أبناء باقي المجتمعات السورية دوراً بارزاً باطراد في الحفاظ على "العصبية" العلوية

وقبل اندلاع الثورة السورية، لم يقم نظام الأسد بالترويج العلني لهويةٍ مركزيةٍ علوية، كما لم تتم عمليات حشد المجتمع العلوي وفق هذا الأساس، بل بقي الوعي الذاتي بالحاجة إلى الحماية بوصفها جزءاً أساسياً من نسيج الهوية العلوية. لذا أظهر المجتمع العلوي رغبةً في ترويج مجتمع سوري علماني والاندماج فيه، وجرى ترسيخ هذه العملية عبر إقامة شبكاتٍ اجتماعية زبائنية، سيطر عليها رعاة علويون، استفاد منها أبناء الطائفة العلوية في ظل حكم حزب البعث. وبالتالي، بقيت السرية جزءاً أساسياً من الهوية العلوية والعلاقات الاجتماعية العلوية، وقامت شبكات في الخفاء على ترقية العلويين إلى مواقع المسؤولية ومناصبها داخل الجيش وبيروقراطية الدولة السورية وحزب البعث.

اختلف الأمر تماماً مع الاحتجاجات والحرب الأهلية، حيث لعبت الرموز الدينية والثقافية التي تميز العلويين عن أبناء باقي المجتمعات السورية دوراً بارزاً باطراد في الحفاظ على "العصبية" العلوية، ممثلةً بالتضامن القبلي أو الجماعي، حيث كانت طقوس "التلقين" العلوي تستغرق سنوات عديدة لاكتمالها قبل الثورة. وبعدها باتت عملية "التلقين" العلوي بمثابة طقس عبور لانضمام الشباب العلوي إلى مليشيات "الشبيحة" الموالية للنظام، التي عملت رديفاً مساعداً لقوات النظام وأجهزة أمنه. وبالتالي، تغيرت الوظيفة السياسية "للتلقين"، وصارت تمثل صحوة مجتمعية أكثر منها دينية، وباتت محدّداً إثنياً تطور جزئياً رداً على تطرّف بعض حركات المعارضة السنيّة.

لقد عدّت طقوس "التلقين" التي يقوم بها شيخ أو راع ديني محلي مرادفة لعمليات التحشيد الاجتماعي، وجرى إدخال الُملقنين الجدد في شبكات اجتماعية علوية كبيرة، تماهوا من خلالها مع مجتمعهم على ما هو عليه، وأيضاً على ما يغايره، وبما يتعلق جوهرياً بطريقة تعاملهم مع الغالبية السنية. وبالتالي، كان التماهي الاجتماعي الوظيفة السياسية الرئيسية للدين في المجتمع العلوي، بمعنى أن تكون علوياً في سورية المعاصرة يعني أن تكون جزءاً من شبكةٍ تُسهل الحراك الاجتماعي والفرص السياسية والتقديم الاقتصادي. ونجمت عن ذلك تداعيات وإرهاصات اجتماعية سلبية، حيث حمل كثيرون من معارضي نظام الأسد ضغائن سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة ضد العلويين، وكانت تلك العداوات طبقيةً أكثر منها دينية. لكن ومثل أي مجتمع منقسم بعمق وممزّق دينياً وعرقياً، تجسّدت تلك العداوات وتبلورت عبر تصدّعات سورية الطائفية، ثم فعلت فعلها أخيرا في ردّ فعل النظام العنيف، وتعامله الدموي مع الثورة السورية.

المجتمع العلوي يبقى مسكوناً بمخاوف وجودية حول مصيره في سورية ما بعد الأسد

وكانت الحرية والخلاص من استبداد نظام الأسد الديكتاتوري المحرّك الأساس للحراك الاحتجاجي السوري، لكن مع انزلاق الوضع إلى حربٍ أهليةٍ أصبحت الهوية الطائفية محرّكاً أساسياً لها، ونجح نظام الأسد بالتلاعب بذكاء بهذا المتغير في سعيه إلى الحفاظ على "العصبية العلوية"، وعلى دعم مجتمعات الأقليات الأخرى، عبر إظهار أن الادعاءات الجهادية بالشرعية والدولاتية مزيفة واستتباعية، وأن هذه الواجهة يكمن مشروع إقامة دولةٍ عرقي قومي في أسسه السنيّة العربية.

وإن كان حافظ الأسد قد بذل جهوداً كبيرة كي لا ينظر إلى النظام الذي بناه على أنه واجهة لحكم الطائفة العلوية، إلا أن كثيرين من مناهضي حكم بشار الأسد، الأوضح علوية من حكم أبيه، باتوا ينظرون إليه أنه نظام طائفي بامتياز. ومع لجوء بشار إلى دعم عسكري لمليشيات حزب الله الشيعية اللبنانية، ومليشيات شيعية إيرانية، اتجه نحو تسهيل سرديات طائفية وسرديات طائفية مضادّة، كما أن تجاهل نظام الأسد مظالم المتظاهرين السوريين الاجتماعية والسياسية الشرعية أدّى إلى تعريض المجتمع العلوي، ربما عن قصد، إلى المنطق الاختزالي لأشد القوى الإسلامية تطرّفاً، بينما أغرقت السرديتان المتطرفتان صوت الخطاب العلماني للمجلس الوطني السوري الذي ضم في عضويته علويين معارضين للنظام، في حين أن دول الغرب تخلت عن المطالبة بتغيير النظام لصالح محاربة التنظيمات الجهادية.

ومع ذلك يبقى السؤال قائماً عما إذا ما كان العلويون جماعة إسلامية شرعية، إذ على الرغم من جهود حافظ الأسد لحسم المسألة، إلا أن الجماعات الإسلامية السنية المتطرّفة المناهضة للنظام ما تزال تنظر إلى العلويين والجماعات الدينية الأخرى في المنطقة كفرة وزنادقة. وحاول بشار الأسد التقرّب من السنّة عبر زواجه وبناء مساجد سلفية وإدخال رجال الدين السنة حظيرته السياسية. بينما عاش المجتمع العلوي تحت حكم حافظ الأسد عملية تشيّع في سياق محاولة حافظ الأسد إلى تقريب المجتمع العلوي من التيار الشيعي السائد، وذلك كي يوطّد علاقات نظامه الاستراتيجية مع النظام الإيراني في فترة ما بعد الحرب الباردة.

مستقبل المجتمع العلوي كان، وما يزال، مرتبطاً على نحوٍ مؤذٍ بمصير نظام الأسد

وعلى الرغم من أن المجتمع العلوي قد خضع لعملية "إعادة علونة في العقد الماضي، كما فعلت باقي المجتمعات العلوية في لبنان وتركيا"، إلا أن المجتمع العلوي يبقى مسكوناً بمخاوف وجودية حول مصيره في سورية ما بعد الأسد. وقد استغل النظام في أثناء الحرب الأهلية هذه المخاوف، وتلاعب بها، كي يباعد بين العلويين وجمهور الأغلبية السنّية. وكانت الانشقاقات في الجيش أو الحكومة على امتداد الأزمة أقلّ بكثير مما طمحت إليه المعارضة السورية، ومع أن الخوف من انتقام النظام شكّل العامل المحفز على الحدّ من الانشقاقات. في المقابل، استند خطاب المعارضة المعتدلة منذ البداية إلى سردية التماسك المجتمعي، وأن سورية أمة موحدة، ولا وجود لأي صراعٍ طائفي، وليس هناك أي شقاقٍ بين المجتمعات الدينية والإثنية المختلفة، ولن تبقى سورية ما بعد الأسد دولةً قوميةً علمانيةً موحدة فحسب، بل ستصبح ديمقراطية أيضاً. ومع التعبير الواضح عن الوطنية السورية، الذي ظهر مع بداية الحراك الاحتجاجي عام 2011، اكتسبت المعارضة زخماً وجاذبية، وأقنعت كثيرين ليس فقط بأن انهيار النظام وشيك فحسب، بل بأن ثمّة قوى سياسية معتدلة داخل المجتمع السوري المدني، بإمكانها أن تحل محله وتحكم سورية على نحوٍ أفضل منه، لكن بعد اندلاع الصراعات العنيفة صارت الهوية المذهبية القاسم المشترك الأدنى في علاقة المواطن السوري بالدولة السورية، وسرعان ما ظهر التمزّق الداخلي السوري من خلال تفاقم الانقسامات الدينية والعرقية والقبلية داخل المجتمع، وأخذت بنيته بالتشظي والتمزّق.

ويخلص الكتاب إلى أن مستقبل المجتمع العلوي كان، وما يزال، مرتبطاً على نحوٍ مؤذٍ بمصير نظام الأسد. وبات رهينة النهج الذي اتبعه بشار الأسد في مقاربة الصراع الذي تجاوز حدود سورية، وستؤثر نتائجه على توازن القوى في المنطقة مستقبلاً، في وقتٍ لا يشي باقتراب أي حل سياسي أو عسكري للصراع الدائر والمتعدّد الوجوه فيها. وبالتالي، فإن القراءات المتعدّدة للتجربة العلوية المعاصرة التي يقدّمها الكتاب، قد لا تماهي بين نظام الأسد والمجتمع العلوي، إلا أن ما جرى خلال السنوات العشر الماضية أثار مختلف الفوارق الطائفية والإثنية وفتت أنماط التعايش المجتمعية في سورية.