العلاقات اللبنانية السورية بعد عام على سقوط الأسد

10 ديسمبر 2025

الرئيس أحمد الشرع (يمين) ورئيس الحكومة اللبنانية نوّاف سلام في دمشق (14/4/2025 الأناضول)

+ الخط -

تواجه العلاقات بين لبنان وسورية نقصاً في حرارة التعاطي الرسمي لتجاوز العقبات وٳرساء المصالحة التاريخية التي تبدو أحياناً بعيدة المنال بعد عام من سقوط نظام بشّار الأسد. وهي الذكرى الأولى عند السوريين لتحرّرهم، وهم يحتفلون بحرّيتهم في جميع أنحاء البلاد، وبخروجهم من عزلتهم الدولية والدبلوماسية ومن العقوبات الأميركية الأكثر قسوة. وفي وقت تكافح فيه سورية لٳعادة الٳعمار بعد نصف قرنٍ من الرعب و14 عاماً من الحرب الأهلية، ومن أجل تعزيز مكانتها وهُويّتها، وبأنّها ستكون منفتحة، ما سيُحدث تغييراً كبيراً في الشرق الأوسط، لا تزال جروحات الماضي من الأحداث والمشكلات الأمنية والاقتصادية تكشف عن ندوب تؤثّر في العلاقات بين البلدين المُتجاورين، مع أنّ مصيرهما مُشترك. وتنعكس الندوب برودةً في ملفات عديدة شائكة تراكمت عبر العقود، لم تشهد حواراً رسمياً عميقاً حولها مع عمق تأثيراتها وضرورتها الملحّة، ما يُعيق تقدّم الخطوات وتأكيدها عملياً.

ومن هذه الملفات قضية اللاجئين السوريين وسبل عودتهم، إلى جانب مسألة الحدود البرّية المُعقّدة ومزارع شبعا والترسيم البحري، وملف مئات الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، مقابل المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. وتريد السلطات السورية التعاون في ٳخراج شخصيات النظام السابق الذين لا يزالون في لبنان بعد فرارهم ٳليه، وجلاء مسألة مصير الودائع السورية في البنوك اللبنانية خلال الانهيار المالي في عام 2019.

يتراكم ذلك كله فوق تاريخ مُلتبس بين البلدين، يمتدّ من الفصل الجمركي عام 1949، مروراً بالتدخّل العسكري والوصاية الأمنية، وصولاً إلى الاغتيالات والمشاركة في الحرب الأهلية، وأمور كثيرة أرخت بثقلها على الذاكرة الجماعية عند الشعبين وسط العنف الذي ارتكبته جميع الأطراف، فضلاً عن الٳرث المسموم الذي ارتفعت حرارته بسبب المخدّرات غير المشروعة، التي شكّلت المصدر الرئيس لـ"صادرات" سورية في الأيّام الأخيرة من حكم الأسد.

الشعبان، السوري واللبناني، لا يملكان رفاهية الانتظار، لتتحرّك الأمور في القليل الذي يُرى على الأرض، في وقت تُعيد فيه المنطقة رسم خرائط النفوذ

ورغم تعقيد هذه الملفات، فإنّ مقاربتها بشكل مسؤول وواقعي باتت ضرورة وطنية للبلدين ولاستقرارهما. والشعبان، السوري واللبناني، لا يملكان رفاهية الانتظار، لتتحرّك الأمور في القليل الذي يُرى على الأرض، في وقت تُعيد فيه المنطقة رسم خرائط النفوذ، وتنسج الدول تفاهمات جديدة، وفي حاجتها ٳلى ٳعادة الٳعمار والاستقرار والتنمية. والدول الخليجية متحمّسة ٳلى حدِّ كبير تجاه الرئيس أحمد الشرع في نافذة استثمارية ضخمة (قدمت نحو 28 مليار دولار من بين 118 ملياراً حُدّدت لٳعادة ٳعمار سورية، ويقدّر البنك الدولي أضرار الحرب بـ800 مليار دولار). علماً أنّ كلا البلدين في مرحلة انتقالية، أراضيهما مُحتلة في جزء منها من عدو ٳسرائيلي مُشترك، مهدّمة بشكل أساسي واقتصاداهما في حالة يُرثى لها، وعليهما أن يواجها مشاريع ٳعادة ٳعمار ضخمة، والعمل على تحقيق استقرار فعلي ودائم والتأسيس للتعاون المُستقبلي.

زار رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، دمشق، بعد سلفه نجيب ميقاتي، وتبعه نائبه طارق متري، الذي كُلّف إدارة العلاقات بين البلدين. والتقى متري الرئيس أحمد الشرع، كذلك استقبلت بيروت وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2025، فضلاً عن عدّة وفود وزارية. وتركّزت المُناقشات مع وزير العدل السوري بشكل خاص على التوصّل إلى اتفاق قضائي بشأن المُعتقلين السوريين، الذين سُجنوا من دون محاكمة، وغالباً لدعمهم مجموعات معارضة لبشّار الأسد. وساهمت هذه الزيارات المُتبادلة في تقريب وجهات النظر، من دون أن تحلّ تماماً المشكلة الرئيسية؛ نقص الثقة التاريخية بين العاصمتين، ومن دونها من الصعب السير نحو شفاء الذاكرة، وسيبقى البلدان عالقين، كلّ في ألمه وطريق تفكيره.

الرياض وواشنطن قد تطلبان من الشرع تولي ملف لبنان في غياب التقدّم في بيروت بشأن نزع السلاح

ويُخشى في لبنان أنّ سورية تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع القوية ترفض التعامل مع لبنان على قدم المساواة، مستمرّة في نهج أسلافها، من شكري القوتلي وهاشم الأتاسي إلى حافظ وبشار الأسد. ومارس هذان الأخيران وصاية على لبنان، وهما مسؤولان عن عدّة اغتيالات سياسية. وهناك جروح شخصية وجماعية تستغرق سنوات عديدة. ويقول البعض ٳنّ لبنان الذي كان شريكاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مُفضّلاً للغرب لفترة طويلة، قد يتجاوزه النظام السوري، ويتقدّم عليه في علاقاته مع الدول الخليجية ومع واشنطن.

في هذا السياق، يبدو أنّ جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، يخشى عودة الاتفاق السوري ــ السعودي لعام 2009 حول لبنان، وأنّ الرياض وواشنطن قد تطلبان من الشرع، شريك "الشرق الأوسط الجديد"، أن يتولى ملف لبنان في غياب التقدّم في بيروت بشأن نزع السلاح. ويبدو أنّ الحزب يخشى نيات انتقامية مُحتملة من النظام الجديد لتبرير احتفاظه بأسلحته.

وجاءت تصريحات الموفد الأميركي، توماس برّاك، ورؤيته الخاصة "الجمع بين لبنان وسورية" لترفع من منسوب القلق والإحباط العام عند اللبنانيين، فيما ينفي الشرع في محادثاته الخارجية أيّ رغبة في ممارسة نوع من "الوصاية على لبنان"، وأنّ ما يريده بناء سياسة "صفر مشاكل" مع جميع جيرانه للاستفادة من موقع سورية وجعلها مركزاً اقتصادياً إقليمياً. وعلانية، يؤكّد رغبته في إقامة علاقات صحيّة مع لبنان، حيث لا يمكن أن يكون هناك "نهر من النيران". وصرّح سابقاً بأنّه قدّم "تنازلات" بشأن الجروح التي ألحقها حزب الله بالسوريين، مع أنه يتفاخر بشكل خاص بنجاحه في طرد المليشيات الشيعية من سورية.

يبدو أنّ بعض الفاعلين في لبنان لا يريدون التقارب السريع. وهذا بالطبع ينطبق على حزب الله، وكذلك على أوساط رئيس الجمهورية، جوزاف عون

يبدو أنّ بعض الفاعلين في لبنان لا يريدون التقارب السريع. وهذا بالطبع ينطبق على حزب الله، وكذلك على أوساط رئيس الجمهورية، جوزاف عون، الذي زار بلداناً عديدة، غربية وعربية، لكنه لم يزر دمشق (ربما لأنّه كان قائداً للجيش، الذي واجه كثيراً فصائل إسلامية سورية، بعضها مرتبط بهيئة تحرير الشام). وفي نظر البعض، لا يزال بعض المسؤولين المسيحيين في لبنان يلتزمون مبدأ تحالف الأقليات، الذي طرحه نظام الأسد. وأثارت تصريحات البطريرك الماروني، بشارة الراعي، بعض الانتقادات: "لقد أثبتت سورية الجديدة أنّها دولة إسلامية، بينما لم تكن كذلك من قبل، ولا مكان لغير المسلمين فيها"، ليعود ويتراجع عنها بعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتركيا ولبنان، في ظلّ مغادرة المسيحيين، ودعوتهم ٳلى السلام والبقاء.

في الواقع، لم يسعَ الشرع إلى فرض الشريعة الٳسلامية، ولم تتحوّل سورية إلى الخلافة الٳسلامية، وجُنِّدَت النساء في الشرطة. النبيذ في المطاعم وحانات المدينة القديمة في دمشق، والنساء غير مُجبرات على تغطية رؤوسهنّ أو البقاء في المنازل، والحكم يتصرّف براغماتياً. مع ذلك، ليس من المُبكّر الحكم على الطريقة التي يقوم بها بٳنشاء هياكل موازية للدولة الرسمية، أو في مسألة طمأنة الأقليات، أو في فعل المزيد لمشاركة الجميع في السلطة، والانخراط أكثر مع المجتمع المدني الذي نشأ خلال الحرب الأهلية.

لبنان كما سورية بحاجة ٳلى أراضٍ مستقرّة في دولة وطنية تتعامل مع الحرب الٳسرائيلية على فلسطين والمنطقة بعد 7 أكتوبر (2023)، وفي تاريخ طويل من عدوانية المُحتل العنصري وبربريته تجاه الفلسطينيين وشعوب المنطقة أكثر من قرن. فالمهم في البلدين ليس فقط الحفاظ على التماسك، بل إنشاء شيء مختلف عن العروض السابقة البائسة التي أُطيحَت.

يقظان التقي
يقظان التقي
إعلامي وأكاديمي ومترجم لبناني، له عدد من الكتب، دكتوراة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية.