العلاقات السعودية الباكستانية .. مسارها وتقلباتها

العلاقات السعودية الباكستانية .. مسارها وتقلباتها وآفاقها

24 مايو 2021
الصورة

محمد بن سلمان في استقبال عمران خان في الرياض (8/5/2021/ الأناضول)

+ الخط -

تثير زيارة رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، السعودية، في مايو/ أيار الجاري، والاتفاقيات الموقّعة على هامشها، تساؤلاتٍ مهمّة عن طبيعة "التقارب الراهن" في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، وما إذا كان يحمل مؤشّراً على نهاية "التوتر الدبلوماسي" بينهما، والذي حدث بعد قرار رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في أغسطس/ آب 2019، بإلغاء المادة 370 في الدستور الهندي التي كانت تكفل لإقليم كشمير، وضعاً خاصاً. آنذاك، غضبت باكستان، بسبب صمت الرياض، وعدم تحمّسها لتفعيل دور منظمة التعاون الإسلامي، في التضامن مع مسلمي كشمير لمواجهة التعسّف الهندي، سيما بعد تجرؤ سفير الإمارات في الهند، أحمد البنا، على دعم قرار مودي، بوصفه "خطوة ستؤدي إلى تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والثقة في الحكم المحلي لدى شعب "ولاية جامو وكشمير". وبهدف تحليل التقارب الراهن في العلاقات السعودية الباكستانية، تستعرض هذه المطالعة لمحات من تطور العلاقات، مروراً بالمتغيرات المؤثّرة فيها، وانتهاءً بآفاقها المستقبلية.

تطور العلاقات
شكّلت الرابطة الدينية الإسلامية المشتركة عاملاً مهمّاً في توطيد علاقة السعودية وباكستان الثنائية في بداياتها الأولى، بيد أنها تطوّرت تدريجياً إلى المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والدفاعية. وقد كانت السعودية من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال باكستان عن الهند عام 1947. كما كانت باكستان إحدى المحطات المهمّة في جولة الملك فيصل بن عبد العزيز، على دول إسلامية، عام 1966، بُغية إيجاد "رابط تنظيمي" بين دول العالم الإسلامي.

لعبت الأبعاد السياسية والاستراتيجية دورها في "التقارب السعودي الباكستاني"، على مدار عقود

وعندما انفصلت بنغلادش عن باكستان أواخر عام 1971، دعم الملك فيصل استضافة باكستان قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في لاهور، عام 1974، ما شكّل توطيداً لمكانة إسلام آباد داخل المنظمة التي يقع مقرها في جدّة. ونظراً إلى حاجة دول الخليج المتزايدة إلى الأيدي العاملة، خصوصاً بعد "الطفرة النفطية"، منتصف سبعينيات القرن العشرين، تدفقت أعدادٌ كبيرة من العمال الباكستانيين على السعودية، ما أدّى إلى إرساء علاقة اقتصادية جيدة بين البلدين؛ إذ يفيد أحد التقديرات بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 2,5 مليار دولار، مطلع عام 2019، كما تجاوزت أعداد العمال الباكستانيين المقيمين في السعودية 1.9 مليون. في حين تذكر الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية في إسلام أباد، أرحمه صديقه، أن أعدادهم بلغت، قبل انتشار جائحة كورونا، أكثر من 2.5 مليون عامل.
على صعيد آخر، لعبت الأبعاد السياسية والاستراتيجية دورها في "التقارب السعودي الباكستاني"، على مدار عقود؛ إذ تمتعت الدولتان بمستوىً من التنسيق والتشاور السياسي في عدة قضايا إقليمية ودولية، مثل: القضية الفلسطينية، وتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، والقضية الأفغانية، والتصدّي للمحاولات السوفييتية للتغلغل في آسيا والعالم العربي، والحرب العراقية - الإيرانية، وأمن الخليج العربي، وتطوير البرنامج النووي الباكستاني، والاصطفاف مع السياسة الأميركية في "الحرب على الإرهاب"، بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. كما شهدت العلاقات مظاهر تعاون عديدة، منها: إرسال باكستان فريقا للمساعدة في فك حصار الحرم المكي عام 1979، وتوقيع اتفاقية الدفاع بين البلدين عام 1982، ثم بيع باكستان معدّات عسكرية إلى السعودية، وإجراء التدريبات العسكرية والمناورات المشتركة، فضلاً عن تقديم إسلام آباد المشورة العسكرية للرياض.

أفرزت حالة التغير التي تمرّ بها السعودية، منذ 2015، تداعياتٍ خطيرة أدّت إلى تآكل المكانة الإقليمية للمملكة وضعف أوراقها التفاوضية

في المقابل، حظيت السعودية بقدرٍ من الاحترام الشعبي الباكستاني، كونها تحتضن الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وتُسهم عادةً في إغاثة المنكوبين في الزلازل والفيضانات، كما حدث تداخلٌ مشهود بين البيئات الاجتماعية والثقافية بين البلدين، على نحو ما يكشفه انتشار التيارات السلفية والمدارس الدينية في باكستان التي كانت تحظى بالدعم المالي السعودي، خصوصاً قبل أحداث "11 سبتمبر" التي أدّت إلى تشديد الولايات المتحدة قبضتها على "التدفقات/ التحويلات المالية" في سياق "الحرب على الإرهاب"، والتي يمكن القول إنها أسهمت في إنهاء سياسة "التضامن الإسلامي" التي أرساها الملك فيصل، وسار عليها من بعده الملكان خالد وفهد.

مصالح متباينة وتحولات دولية وإقليمية
على الرغم من غلبة التعاون في العلاقات الثنائية، وحاجة كل من الطرفين إلى الآخر، برزت إلى السطح مجموعة من الخلافات، تزامنت مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز، وتغير سياسة واشنطن تجاه العلاقات الباكستانية السعودية، في إطار إعادة تعريف الدور الإقليمي السعودي، وتقليص نشاطه وحصره في الدائرتين، الخليجية والعربية. وفي هذا السياق، أفرزت حالة التغير التي تمرّ بها السعودية، منذ عام 2015، تداعياتٍ خطيرة أدّت إلى تآكل المكانة الإقليمية للمملكة وضعف أوراقها التفاوضية، بسبب "عسكرة السياسة الخارجية"، وانجرافها إلى حرب اليمن منذ مارس/ آذار 2015، من دون القدرة على إيجاد "مخرج ملائم" منها، ثم حصار قطر (يونيو/ حزيران 2017- ديسمبر/ كانون الأول 2020)، ثم جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، ووصولاً إلى استعداء القوى الإقليمية إيران وتركيا وباكستان، في مقابل رغبة سعودية واضحة في التقارب مع الهند، وربما بدرجةٍ أقل مع ماليزيا وإندونيسيا.

لاحظ كثيرون تركيز الرياض على التقارب مع نيودلهي أكثر من إسلام أباد عند قيام محمد بن سلمان، بجولة آسيوية، شملت باكستان والهند والصين

ويبدو أن امتناع باكستان عن إرسال قوات برية للمشاركة في حرب اليمن، لدعم "التحالف العربي" بقيادة الرياض، قد ترك أثراً عميقاً لدى كل من السعودية والإمارات، اللتين انتقلتا إلى "التربّص" بباكستان، بسبب رفضها الانخراط في جهود عزل إيران ومليشياتها إقليمياً، خشية انعكاسات ذلك على أوضاع باكستان الداخلية، خصوصاً أقلية الهزارة الشيعية فيها.
وعلى الرغم من قيام ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بجولة آسيوية، شملت باكستان والهند والصين، فقد لاحظ كثيرون تركيز الرياض على التقارب مع نيودلهي، أكثر من إسلام آباد. وعلى الرغم من عجز منظمة التعاون الإسلامي عن مساندة مسلمي كشمير، لم تذهب الدبلوماسية الباكستانية إلى توتير العلاقات مع السعودية، بل حاولت استرضاءها عبر إلغاء مشاركتها في قمة كوالالمبور في ديسمبر/ كانون الأول 2019، بسبب ما اعتبرته الرياض تحدّياً مباشراً لمنظمة التعاون الإسلامي، وتفضيل إسلام آباد التقارب مع إيران وتركيا وماليزيا وقطر في تلك القمة، بحثاً عن دعم الموقف الباكستاني في قضية كشمير.
بيد أن توتر العلاقات ازداد بعد استنكار وزير خارجية باكستان، شاه محمود قرشي، في 5 أغسطس/ آب 2020، "الرد الضعيف" لمنظمة التعاون الإسلامي على الانتهاكات التي ارتكبتها الهند في كشمير، من دون أن ينجح رئيس أركان الجيش الباكستاني، اللواء قمر باجوا، الذي زار الرياض لاحقاً، في تجاوز ما شهدته علاقات البلدين من عثرات؛ إذ طالبت السعودية باستعادة مليار دولار، من قروضٍ بلغت قيمتها الإجمالية ثلاثة مليارات دولار، كانت قدمتها إلى باكستان عام 2018، كما امتنعت الرياض، منذ مايو/ أيار 2020، عن تجديد تسهيلات ائتمان نفطي لباكستان.

الخلافات السعودية الباكستانية تكشف عن تحولاتٍ في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالبلدين

وإذا كان وجود خلافاتٍ وتبايناتٍ في المصالح أمرا عاديا في العلاقات الدولية، فإن الخلافات السعودية الباكستانية تكشف عن تحولاتٍ في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالبلدين. وفي حين تتزايد انعكاسات حرب اليمن على السعودية داخلياً، أمنياً وسياسياً واقتصاديا، ما يسهم في إعاقة تنفيذ مشروعات رؤية 2030، المحكومة بتوجهاتٍ "نيوليبرالية"، تجعل الرياض أقرب إلى "شراكة اقتصادية" مع الهند، فإن باكستان تتخوّف من ذلك، سيما بعد تكريم السعودية، رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، وتقليده وسام الملك عبد العزيز عام 2016، فضلاً عن توقيع محمد بن سلمان، في فبراير/ شباط 2019، مذكرات تفاهم إبّان زيارته الهند، بقيمة مائة مليار دولار من الاستثمارات المتنوعة، مقارنةً بـ20 مليار دولار فقط في زيارته باكستان. هذا فضلاً عن دعوة السعودية لاحقاً وزيرة الشؤون الخارجية الهندية، آنذاك، سوشما سواراج، لحضور اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي، على الرغم من معارضة باكستان تلك الدعوة. ناهيك عن قلق إسلام آباد من متغيرين؛ تصاعد التطبيع الإماراتي/ الخليجي مع إسرائيل، والعلاقات الهندية الإسرائيلية، سيما في تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن السيبراني، علماً أن الهند تتبع الأسلوب الإسرائيلي نفسه في تنفيذ عملياتها داخل كشمير.

علاقات الرياض مع إسلام آباد لم تعد قائمة على "التضامن الإسلامي"، بل أصبحت قائمة على أسس مصلحية اقتصادية

ويكشف تحليل انعكاسات العوامل/ البيئة الخارجية على علاقات السعودية بباكستان عن محورية تأثير العامل الهندي في زيادة خلافاتهما، في مقابل أولوية تأثير العاملين، الأميركي والإيراني، في السياسة الخارجية السعودية، بحيث يمكن القول إن علاقات الرياض مع إسلام آباد لم تعد قائمة على "التضامن الإسلامي"، كما كانت في بداياتها الأولى، بل أصبحت في حقبة ولي العهد، محمد بن سلمان، قائمة على أسس مصلحية اقتصادية، تتمحور حول إمكانية انخراط باكستان وأيديها العاملة في المساهمة في تنفيذ رؤية 2030. كما يبدو تآكل صيغ التعاون الأمني/ العسكري السابقة بين البلدين، على الرغم من استمرار الزيارات التي يقوم بها مسؤولون عسكريون باكستانيون كبار إلى السعودية.

العلاقات السعودية الباكستانية إلى أين؟
على الرغم من استناد العلاقات السعودية الباكستانية إلى ركائز مصلحية اقتصادية وأمنية مهمّة، كما ذكر آنفاً، فإن افتقادها الغطاء الأميركي، سيما في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، قد أوجد توتراً في العلاقات؛ فالتوجهات اليمينية الشعبوية لدى الأخير، وتقاربه مع الهند بزعامة ناريندا مودي، على حساب باكستان، تزامن مع بروز توجهات محمد بن سلمان، وانحيازه إلى توطيد علاقات الرياض مع واشنطن ونيودلهي، ما أسهم في تظهير الخلافات الباكستانية السعودية، سواء في إحجام باكستان عن المشاركة بقواتها في حرب اليمن التي بدأت في عهد باراك أوباما، أم حصار قطر، أم عزل إيران إقليمياً، أم قضية كشمير التي تفاقمت بسبب حالة "الفوضى الإقليمية" التي أجّجتها سياسات ترامب.

"التغير" في طبيعة العلاقات الباكستانية السعودية يعكس ضغوط السياقيْن، الدولي والإقليمي، سيما بعد تداعيات جائحة كورونا

وإذا كانت التغيرات في صناعة القرار السعودي، أدّت إلى "شخصنة/ ارتجالية" قرارات السياسة الخارجية وعسكرتها، وبالتالي الإخلال بالتوازنات السعودية السابقة على الصعد الخليجية والعربية والإقليمية، فإن "النموذج الباكستاني"، القائم على هيمنة المؤسسة العسكرية على شؤون البلاد، لا يزال يحاول إدارة توازناته وتحالفاته الإقليمية، بما يمنع حدوث صراعات غير ضرورية مع إيران وتركيا، خشية إضعاف قدرة باكستان على التعامل مع جارتها النووية الكبيرة، الهند، والتي تلعب دور "الطرف الثالث" المؤثر على العلاقات الباكستانية السعودية.
يبقى القول إن زيارة رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، السعودية، في مايو/ أيار الجاري، تشير إلى تدشين مرحلة براغماتية جديدة في علاقات البلدين، يمكن توصيفها بأنها "أكثر من تعاون اقتصادي، ولكنها أقل من تحالف عسكري"، وذلك ضمن استعداد أغلب الدول الإقليمية لاحتمالات تغيرات/انكفاء السياسة الأميركية في عهد الرئيس جو بايدن، تجاه الشرق الأوسط. وبهذا المعنى، فإن "التغير" في طبيعة العلاقات الباكستانية السعودية يعكس ضغوط السياقيْن، الدولي والإقليمي، سيما بعد تداعيات جائحة كورونا. وهذا ربما يجعل الرياض أقرب إلى السياسات الأميركية، في حين تعيد إسلام آباد "تموضع" سياساتها الخارجية لتكون أقرب إلى "الفلك الصيني"، سيما عبر موقعها المميز في "مبادرة الطريق والحزام".
وعلى الرغم من إيجابية مساعي "الانفتاح الإقليمي الراهن" بين السعودية وكل من إيران وتركيا وباكستان، فإنه يصعب الجزم باستمرارية هذا المنحى، بسبب كثرة الضغوط والتدخلات الدولية في شؤون الإقليم، على نحوٍ يبقي خيار اشتداد الصراع الإقليمي قائماً، سيما بسبب السلوك الإسرائيلي العدواني الذي لا يزال يحلم بمكانة الفاعل الإقليمي المهيمن/ الرئيس في الشرق الأوسط، ما يؤخّر التسويات/ المصالحات الإقليمية، كونه المستفيد الأكبر من الصراعات التي تمكّنه من الاستمرار في تقديم خدماته الأمنية والتسليحية والتكنولوجية، للدول الحليفة مثل الهند، تحت لافتة "مكافحة الإرهاب".