العزة بالإثم

العزة بالإثم

09 نوفمبر 2020

(بهرام حاجو)

+ الخط -

غالبا ما تأتي إجابة معظم المشاهير على السؤال التقليدي: على ماذا تندم في ما مضى من حياتك؟ معلّقة طويلة عريضة في مدح الذات، وإنكار أي مشاعر ندم أو تراجع عن أفعال أو أقوال أو قرارات، ويبرع في ذلك، على وجه الخصوص، النجوم العرب الذين تأخذهم العزة بالإثم، فتجد معظمهم يتحول إلى محامي دفاع، لا يشقُّ له غبار، في تعديد مناقبه ومزاياه، بما يفيد بأنه الطرف المحقّ الذي لا يأتيه باطل في أي خصومة، وأن عيبه الوحيد هو طيبة القلب.
في حوار مع نادية الجندي التي تزوجت من عماد حمدي، على الرغم من فارق السن الكبير بينهما، أنكرت الادعاءات التي وردت في مذكراته عن أنه أنفق كل ما يملك دعما منه مسيرتها الفنية، وأنه مع صعود نجمها، دبّت خلافات عديدة بينهما، انتهت بالطلاق فاستولت على أمواله وجرّدته من ممتلكاته. وأظهرت الجندي نفسها في الحوار ضحية مستلبة لعجوز متملّك غيور. وقالت، في تبريرها قرار الزواج غير المتكافئ، إنها رأت فيه صورة الأب الذي تفتقده. على الرغم من أن سياق الحكاية يشي بأن دوافعها للزواج كانت الطمع في المال والشهرة.
وتبقى قصة النجمين قابلة للبحث، ولعلها تنطوي على حقائق خفية غير معروفة للجمهور. ومن المؤكد أن النجم الراحل لم يكن ملاكا. ويمكننا، بسهولة، إدانته أخلاقيا، بسبب هجرانه زوجته واقترانه بفتاة في سن أولاده، غير أنه حصل، شأن راحلين كثيرين، على شهادة براءة وصك غفران بمجرد وفاته.
ينصرف الأمر على معظم الأعمال الفنية العربية المتعلقة بالسير الشخصية للمشاهير، مثل مسلسل "أم كلثوم"، حيث قدمها امرأة مثالية، منزوعة من الأخطاء والصفات السلبية، أقرب إلى القديسة. لم ينقصها في النص المنحاز سوى جناحين لتصنف ضمن فئة الملائكة. وعلى ما يبدو أن تلك سمة تمييز العقلية العربية القادرة على الكذب والتدليس المجاني. إذ حالما يموت شخص ما، ومهما كان مكروها منفرا في حياته، فإنه يتجرّد، حال إعلان الوفاة، من كل عيوبه وخطاياه تتم فلترة شخصيته وتنزيهها من كل السلبيات. ويجري كل ذلك التزييف على حساب الحقيقة التي يتم اغتيالها بقرار متواطئ من المجموع الذي تلجمه رهبة الموت عن الإفصاح. ولا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات لمشاهير تحرّروا من فكرة تلميع الذات وتنزيهها، وإسباغ مزايا خيالية غير متوفرة فيها.
لعل الفنانة تحية كريوكا من بين هؤلاء. كانت تمتلك مقدارا من العفوية والصدق في حوارتها، غير معنية بتجميل صورتها، فكانت تسرد الأحداث كما جرت بالضبط، وبما يكذّب وينسف نص المسلسل الذي تناول سيرتها الغنية، الحافلة بالأحداث والتحولات الكبرى، فجاء العمل مزوّرا ممسوخا لا يمت للحقيقة بصلة. وينطبق الأمر كذلك على الراحل عمر الشريف الذي قدّم، في حواراته في السنوات الأخيرة من حياته، اعترافات شخصية حسّاسة، تتعلق بإدمانه على القمار. وأورد تفاصيل تخص أفراد عائلته، ومسيرته الفنية التي نظر إليها دائما بعين الاستخفاف. كما عبّر، أكثر من مرة، عن ندم على مواقف وقراراتٍ اتخذها في مرحلة الشباب. وهذا أمر يتطلب جرأة وصدقا ونزاهة، وثقة عالية بالذات، وتحرّر مطلقا من الخوف من رأي المجموع.
لا تتوقف ظاهرة الانحياز للذات عند المشاهير، بل يمكن القول إننا جميعا نتورّط، بشكل أو بآخر، في الكذب والمواربة، حين يتعلق الأمر بالماضي الذي نسعى إلى التنصل منه. قلة قليلة نادرة تتحلى بالشجاعة للاعتراف، حتى أمام نفسها، بالأخطاء والخطايا، وهي فئة ناجية من وهم الكمال والمثالية، متصالحة مع ذاتها، غير مكترثة برأي الغير، لأن من الحمق والرعونة أن يقول الواحد منا إنه لا يندم على شيء فعله في حياته. شخص كهذا ليس جديرا بالثقة، كونه يعترف، بدون إكراه، بأنه لم يتعلم أيا من دروس الحياة التي نتعلمها من تجاربنا المرّة والأشد مرارة.