العرب والمسألة الدستوريـة

01 أكتوبر 2020
الصورة

اختتمت قبل يومين أشغال المؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تحت عنوان ''المسألة الدستورية والتحوّل الديمقراطي في البلدان العربية''. وعلى الرغم من أن أشغال المؤتمر جرت افتراضيا، بسبب الإكراهات التي تواكب تفشّي فيروس كورونا، إلا أن ذلك لم يمنع من متابعة جلساته عبْر منصات التواصل الاجتماعي.

تباينت الأوراق المقدّمة في مضامينها وعدّتها المنهجية وخلاصاتها، فتناول بعضها موقع المسألة الدستورية في السياقات الانتقالية، في محاولة لفهم الكيفيات التي تسمح بإنجاز تحوّل دستوري، يُفترض أن يتوازى، بالضرورة، مع تحوّل ديمقراطي متَفاوض عليه. وتصدّت أوراق أخرى لمعالجة الإشكالية ذاتها باستدعاء تجارب دولية معروفة، سيما فيما يتعلق بإدارة الفاعلين الانتقال السلس وغير المكلف من الدستور الانتقالي (المؤقت) إلى الدستور النهائي الذي يضع القواعد الكبرى والناظمة للعقد الاجتماعي الجديد.

وعلى الرغم من تباين الأوراق المقدّمة، إلا أنها تقاطعت في التأكيد على أهمية المسألة الدستورية في إعادة البناء السياسي والمؤسسي في المنطقة، بعد الارتجاج الذي أحدثته ثورات الربيع العربي. وكانت إحدى أهم توصيات المؤتمر بلورة المقدّمات العلمية والعملية، من أجل تبني دستورانية عربية جديدة. وهو ما يعني، بشكل أو بآخر، تجاوز المآزق النظرية والإيديولوجية التي لم تسمح للإصلاحية العربية، بمختلف أطيافها، بالتعاطي مع هذه المسألة بالنضج الكافي، من خلال ربطها بسياقاتها الثقافية والاجتماعية، والنظرِ إليها باعتبارها جزءا من تفاوض أوسع، يفضي إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بالمجتمع.

كشفت هذه الثورات الاختلالات الكبرى في تعاطي النخب العربية مع المسألة الدستورية، سيما في المرحلة الانتقالية. ويمكن القول إن الخبرة قد خانت هذه النخب، وتحديدا فيما يتعلق بقضايا حاسمة، مثل الهندسة الدستورية والسلطة التأسيسية وغيرهما. وقد كشفت الوقائع لاحقا أن تطلع القوى الثورية والمدنية لإسقاط الاستبداد والفساد لم يكن إلا تعبيرا غير مباشر عن مطلب شعبي دالّ بضرورة إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع، عبر منظومة قانونية جديدة، تضمن سيادة القانون وضمان احترام الحريات والحقوق وفصل السلطات. ولا يتأتّى ذلك إلا بواسطة وثيقة دستورية تعكس ما يعتمل داخل المجتمع. بيد أن إنجاز هذه الوثيقة يتطلب التصدّي للمآزق والمطبّات التي تواكب ذلك، فالمدخل الدستوري نحو المقرطة والإصلاح السياسي، على أهميته، يبقى وثيق الصلة بمداخل أخرى قد تكون أكثر أهمية، من قبيل الثقافة السياسية التي تتيح للقوى المجتمعية إدارة انقساماتها والتفاوض على عقد اجتماعي يحفظ مصالحها بشكل متوازن. ولا يعني ذلك، بالطبع، استبعاد ميزان القوى داخل المجتمع، ولا ما تفرزه صناديق الاقتراع، بقدر ما يعني أن بناء الديمقراطية وترسيخَها يتطلبان فترة انتقالية لتبادل التنازلات وإنجاز التسويات والتوافقات الموازية التي تغذّي التوافق السياسي الرئيس.

وإذا استثنينا التجربة التونسية، في حدودٍ معينة، فإن الجدل، الذي رافق المرحلة الانتقالية بشأن القواعد والمعايير الناظمة لمؤسسات الدولة، لم يفض إلى تحوّل عميق في تمثّل النخب دورَ المسألة الدستورية في إعادة صياغة الصراع الإجتماعي. ولعل المفارقة التي كشفتها هذه المسألة في علاقتها بالتدافع السياسي الذي حصل بين سنتي 2011 و2013، تكمن في الفجوة البادية والدالّة بين تطلع القوى الثورية والمدنية نحو الحرية والديمقراطية والكرامة، وانقسام مكوّناتها بشأن قضايا الهوية والحريات والمرأة وموقع الدين في الحياة العامة، والعلاقة بين المؤسسات السياسية. 

لا تعكس السياسة العربية الدساتير التي يُفترض أنها تنظّم الحياة السياسية، وتؤطر الصراع داخل المجتمع. ولذلك لا يُستغرب أن تنصّ معظم الدساتير العربية التي صدرت طوال العقود الماضية على مبادئ مركزية، كاحترام الحقوق والحريات، وسيادة القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء. حتى أعتى السلطويات العسكرية العربية استأنست في حكمها الشمولي، ولا تزال، بدساتير طيعة، يسهل تعديلها عن طريق برلمانات شكلية متحكَّم فيها.

تبدو الحاجة ماسّة إلى تمثلات جديدة بشأن المسألة الدستورية ودورها في التغيير السياسي. ولعل ذلك لا يتأتّى إلا من خلال دستورانية عربية أكثر ارتهانا للتحوّلات العميقة التي تعرفها مجتمعاتنا، فقد أظهرت التجارب أن أكثر الدساتير ليبرالية وديمقراطية قد تكون مدخلا لإعادة إنتاج السلطويات المختلفة.