العرب والانتخابات الأميركية

06 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

العرب أكثر الشعوب اهتماماً ومتابعة للانتخابات الرئاسية الأميركية في دورتها الأخيرة، وانقسموا إلى معسكرين، أحدهما أيد الرئيس دونالد ترامب، والثاني منافسه جو بايدن. وكما هو معروفٌ، ليست العملية لعبة مشاعر، بل حسابات سياسية بحتة. وإذا نظرنا إلى الخريطة العربية، نجد أن القسم الأكبر من العالم العربي دخل في الرهان الانتخابي الأميركي. السعودية، الإمارات، البحرين، ومصر أيدت، بصراحة تامة، ترامب، فيما لم تأمل دول أخرى أن يحصل على ولاية ثانية، كما هو الحال في فلسطين وسورية ولبنان. وهناك دول أخرى حافظت على وضعية رمادية، ولم تصرّح بموقفها، مثل العراق والجزائر والمغرب وتونس والكويت والأردن.

ليس هذا الانقسام بين مؤيد لترامب ومعارض له اعتباطياً، بل يجري على أسس محدّدة، تتعلق بحصاد أربعة أعوام من ولاية الرئيس الإشكالي، وكما أن هذا الحصاد وافر بالنسبة إلى بعض الدول، كما هو حال السعودية والإمارات ومصر، فهو كارثي بالنسبة إلى دول أخرى، مثل فلسطين على وجه التحديد، حيث شهدت القضية الفلسطينية انقلاباً لم تواجهه مع رئيس أميركي آخر، ومن ذلك أن ترامب نقل السفارة الأميركية في تل أبيب إلى القدس. وعلى الرغم من أن القرار صدر عام 1995، فإن كل الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا منذ ذلك الحين تركوه على الرف، وجاء ترامب لينفض عنه الغبار. وذهب أبعد نحو الضغط على الفلسطينيين، لقبول صفقة القرن التي يجري بموجبها التنازل عن القدس وأجزاء واسعة من الضفة الغربية، والقبول بدويلة عرجاء على جزء من الضفة الغربية وتحت رعاية إسرائيل. وهناك مسألة لا تقلّ خطورة عن محاولة تصفية القضية الفلسطينية، وهي تتمثل بالتطبيع بين بعض البلدان العربية وإسرائيل، ودشنتها الإمارات، وجرّت وراءها البحرين والسودان، وتعمل على سحب دول أخرى على هذا الطريق. وهذه العملية تعهدها ترامب، وجاءت في سياق حملته الانتخابية.

وعلى المنوال نفسه، لعب ترامب دوراً أساسياً برعاية الانقلاب الداخلي الذي شهدته السعودية، وترتبت عنه تغييرات داخلية وإقليمية، وتشكيل حالة من التوتر والانقسام في المنطقة. وينسحب الأمر ذاته على الوضع في مصر، ولولا صمت إدارة ترامب، لما تجرّأ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على ممارسة كل هذا القمع ضد المعارضة إلى حد القيام بتصفيات جسدية للمعارضين، وسجن بعضهم في شروط سيئة تنتهي بالموت، كما حصل مع الرئيس محمد مرسي.

وبالنسبة إلى البلدان الأخرى ذات الأوضاع الخاصة، مثل سورية، لم تتعامل إدارة ترامب مع الوضع من منظور المسؤولية الأخلاقية للولايات المتحدة لإيجاد حلّ لملايين السوريين. وكان في وسعها أن تتدخل من أجل وضع حد للمعاناة السورية الرهيبة. ولا يفوتنا هنا حساب الرأي العام العربي، الذي ينقسم بدوره بين تأييد ترامب وبايدن، ولكن هذا الموقف ليس على سوية واحدة، أو على موجة الأنظمة. ويعكس الاهتمام العربي مدى تدخل إدارة ترامب بقضايا العالم العربي من جهة. ومن جهة ثانية، رهن العرب حلول قضاياهم للولايات المتحدة، كما نقرأ من ذلك تراجع دور الأمم المتحدة وأوروبا في العالم العربي. وذات مرة قال أحد رؤساء وزارات فرنسا، ريمون بار: "إذا كانت أميركا بخير، فالعالم بخير، وإذا كانت أميركا على سوء، فالعالم بسوء". العالم لم يكن بخير خلال ولاية ترامب الذي مثّل حقبة من الفوضى السياسية على المستوى الدولي، فالرئيس الذي تقلب كثيراً، وتلوّن خلال أربع سنوات من ولايته، أطلق العنان لأنماط من الشعبوية والاستهتار بالقوانين في أكثر من بلد، والعمل حسب أسلوب الصفقات، وقياس المواقف بمعايير الأعمال التجارية والعائلية. وعلى عكس الشعارات التي رفعها حول عظمة أميركا وقوتها، فإن الصورة تعرّضت للاهتزاز بسبب سياسات ترامب التي لم تكن مهنية في أحيان كثيرة، مثلما حصل مع كوريا الشمالية وإيران والصين.