العراق والطائفية والإرهاب

21 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 05:45 (توقيت القدس)
+ الخط -
يبدو أن المشهد المالي يتكرر في العراق. ففي زمن قياسي، سيطرت جماعات إسلامية مسلحة على ثلثي التراب المالي تقريباً، وهددت باجتياح العاصمة باماكو، ما أدى إلى التدخل العسكري الفرنسي الذي لم يتكفل بأسباب المشكلة، وإنما بنتائجها، لأن الأسباب سياسية بامتياز، ولا يمكن التعامل معها بالقوة العسكرية. وها هي داعش (الفرع العراقي) تستولي على أجزاء من التراب العراقي، وربما تهدد باجتياح بغداد. وعلى الرغم من اختلاف السياقين، المالي والعراقي، فلا جدال في أن الأسباب ذاتها تؤدي إلى النتائج نفسها. فعجز الكيانات السياسية هو سبب ظهور الإرهاب، وتصلّب عوده إلى درجة إلحاقه هزائم كبيرة بما تبقى من الجيش في البلدين. وتكمن المشكلة في التربة الخصبة التي أوجدت الإرهاب، وسمحت بنموه واستفحاله.

لسهولة توظيف فزاعة الإرهاب، محلياً وإقليمياً ودولياً، تجنح كل الأنظمة إلى تضخيم الأمور، ووصم كل حركة احتجاجية بالإرهاب، ما يعفيها من مسؤوليتها، ويسمح لها بالاستمرار في الحكم، وبتزكية ودعم خارجيين. فحالتا مالي والعراق تبيّنان، بوضوح، كيف تركب الجماعات الإرهابية الاحتجاجات السياسية الشرعية. لكن الحقيقة أن الإرهاب يتسلل إلى أجسام هشّة، فقدت جزءاً كبيراً من مناعتها السياسية والاجتماعية، فهو لا يأتي من فراغ، أو ينمو في فراغ، بل يأتي دائماً في مرحلة بلغ فيها الانسداد السياسي، بل والتعفن الأمني، مستويات كبيرة. ومن ثم، فالمشكلة ليست في قوة الجماعات الإرهابية، وإنما في ضعف الكيانات السياسية الذي يشكل تربة خصبة لنمو الإرهاب وتطوره. فالإرهاب، أيضاً، من صنع الأنظمة. فمن جهةٍ، يشكل فشلها السياسي تربة خصبة لنموه وانتشاره، ومن جهة ثانية، فإن وصمها كل احتجاج بالإرهاب يقود إلى عسكرة الانتفاضات السلمية، وإلى خلط الأوراق بين المشروع وغير المشروع. وغايتها، طبعاً، هي نزع أي شرعية عن المحتجين لقمعهم. لكن هذا يقود، في نهاية المطاف، إلى تشدد قطاعات اجتماعية، والتي تحمل السلاح دفاعاً عن النفس.
يعبّد وصم الاحتجاجات الاجتماعية بالإرهاب، واستخدام القوة ضدها، الطريق للإرهابيين المحليين والعابرين للأوطان. فالأنظمة التي تسعى إلى خلط الأوراق، لنزع الشرعية عن الاحتجاجات الاجتماعية، وشرعنة استخدام القوة، تخسر في نهاية المطاف. فمن جهةٍ، يثبت نشاط الحركات الإرهابية فشلها في الحفاظ على الأمن، فداعش دلالة، بحد ذاتها، على فشل حكومة المالكي. ومن جهة ثانية، فإن دفع قطاعات من المحتجين نحو التشدد بقمعهم يخلق حاملاً اجتماعياً للعنف، وربما للإرهاب. وهنا مكمن الخطر، لأن من الصعب القضاء على أي حركةٍ، تستخدم العنف، إذا كانت تستند إلى حامل اجتماعي.

يمكن التمييز بين نوعين من الإرهاب، المحدود والواسع الانتشار. يتمثل الأول الذي يفتقر إلى قاعدة جغرافية، في نشاط جماعاتٍ، محدودة عددياً، تنفذ عمليات انتقائية محدودة بين حين وآخر، ولا تمثل خطراً على بقاء المجموعة الوطنية أو الدولة. فهي خطيرة، لكن ليس بالقدر الذي تضع فيه وجود الدولة على المحك. أما الثاني فيتمتع بقاعدة جغرافية، لاستقراره في مناطق معينة من البلاد، وله من الرجال والسلاح ما يجعله أقرب إلى جيش نظامي، وله القدرة على السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، بخلق دولة داخل دولة بحدودها وتشريعاتها... النوع الأول أكثر انتشاراً، ونجده في الدول غير الديمقراطية أكثر منه في الدول الديمقراطية. أما النوع الثاني، فنماذجه معدودة، ولا نجده إلا في الدول (غير الديمقراطية) الفاشلة، إن لم نقل المنهارة. وربما أبرز نماذجه حالياً: مالي وسوريا والعراق وأفغانستان والصومال. ويوجد هذا النوع من الإرهاب كلما وجد انقسام حاد داخل المجموعة الوطنية، لأسباب طائفية أو طائفية وعرقية.

وتزداد الصورة تعقيداً حينما تكون الدول المعنية مسرحاً للصراع الإقليمي، كما حال سورية والعراق. وبحكم خطورته الأمنية، لا يمكن للدولة أن تتعايش معه، فالصراع مع الإرهاب الواسع الانتشار صفري. وهناك سبيلان لمواجهته، لا ثالث لهما. يكمن الأول في استخدام القوة العسكرية البحتة (عموماً بواسطة تدخل أجنبي)، وهو حل ظرفي لا غير، لأنه يعالج النتائج لا الأسباب. أما الثاني فيكمن في المعالجة العسكرية والسياسية في الوقت نفسه؛ المعالجة العسكرية بمواجهة الجماعات الإرهابية المسلحة، والسياسية بحرمانها من أي حامل اجتماعي، وذلك بالتعامل السياسي مع الاحتجاجات، لإيجاد صيغة تضمن حقوق جميع المواطنين على أساس المواطنة.

لم تتعامل حكومة المالكي بحنكة سياسيةٍ مع الاحتجاجات السنية في البلاد، ولم تسع إلى إرساء قواعد ديمقراطية حقيقية، تسمح بتحييد النزعة الطائفية بالتعامل مع كل العراقيين على أساس المواطنة الحقة (وليس الانتماء الطائفي)، أي إرساء قواعد دولة المواطنة، لا دولة الطائفية، حائلة دون اتخاذ "داعش" أو غيرها موطئ قدم لها في العراق. بل قامت بالعكس من ذلك. فبدل العمل على الحل السياسي للمشكلة الطائفية في العراق، والتي تهدد كيانه المنكشف، تشن حكومة المالكي منذ مدة "حرباً" على الاحتجاجات السنية في البلاد، بل وتسير على نهج حكومة الأسد في سورية، باستخدامها براميل متفجرة ضد أهل الفلوجة.

قيل إن مَن لا يريد حل مشكلة، عليه أن يشكل لها لجنة، أما اليوم فمَن لا يريد حل مشكلة يصمها بالإرهاب، لأن فزاعة الإرهاب ذريعة فتاكة، توظفها الأنظمة والدول لشرعنة سياساتها، ولنزع المصداقية عمّن تعتبرهم خصوماً. هذا لا يعني أن الإرهاب غير موجود، بل هو حقيقة. لكن، ليس كل خصم إرهابي، وليس كل معارض إرهابي. يسعى النظام العراقي (مثل النظام السوري) إلى تسويق المسألة السياسية على أنها "حرب على الإرهاب" ونزاع طائفي بتقديم طائفة على أنها إرهابية، بينما الأخرى مسالمة. وما زاد الأمور تعقيداً هو توظيف الإشكالية الطائفية الشيعية ـ السنية (على الرغم من أنها لا تصلح للتحليل، كما يتضح من سلوك داعش في سورية) في لعبة إقليميةٍ كبرى، تقودها السعودية وإيران، ومسرحها سورية والعراق، ويقوم فيها السوريون والعراقيون بحروب بالنيابة. سواء اختزلت المسألة في صراعٍ طائفي بين الشيعة والسنّة أو في الإرهاب، فإن ذلك لا يحل مشكلات العراق السياسية. ويبدو حال العراقيين، اليوم، كحال المستجير من الرمضاء بالنار، فهم تخلصوا من التسلطية، ليسقطوا تحت رحمة الطائفية (وما تحمله من تسلطية).
دلالات