العراق... ذاكرة تُمحى على مهل
(ضياء العزاوي)
ليس السؤال عن آثار العراق سؤالَ حجارةٍ صامتة، بل عن ذاكرةٍ تُمحى على مهل، وهُويَّةٍ تُترك لتواجه مصير الاندثار؛ وهي التي صمدت قروناً متتاليةً في وجه أنواع التعرية والهدم والطمس والتغييب كلّها. فالعراق، الذي وُلِد الحرفُ في أرضه، وقامت بين ضفّتي نهرَيه أولى حضارات البشرية، يقف اليوم شاهداً على مفارقة مريرة: بلدٌ يمتلك نحو ثلث آثار العالم، لكنّه يعجز عن حماية شواهد تاريخه، القريب منها قبل البعيد. من أور إلى بابل، ومن نينوى إلى الحضر، ومن سامراء إلى واسط، وصولاً إلى البصرة والكوفة، مروراً ببغداد؛ تمتدّ المدن القديمة خرائطَ مفتوحةً على الزمن، لكنّها خرائط منسيّة في دفاتر الإهمال الرسمي، وضحية لامبالاة سياسية، وفريسة سهلة للنهب والتجريف والتشويه، بل وأحياناً للاستثمار العبثي الذي لا يرى في الأثر سوى "أرضٍ قابلة للاستغلال العقاري".
لا تزال آلاف قطع الآثار العراقية تتنقل في "المزادات السوداء" العالمية، حيث تُباع هُويَّة العراق بـ"الكيلوغرام"
تفيد تقديرات منظّمات دولية مختصّة بالتراث، وفي مقدّمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، بأن العراق يضمّ أكثر من 15 ألف موقع أثري مُسجَّل، ناهيك عن آلاف المواقع التي لم تُنبش تربتها بعد. وحده هذا الرقم كفيل بأن يجعل من العراق متحفاً مفتوحاً للإنسانية، لكنّه في الواقع تحوّل إلى عبءٍ ثقيل في دولةٍ تتبدّل أولوياتها بتبدّل الحكومات، وتُختزل فيها الثقافة في بياناتٍ إنشائية تُقرأ في المناسبات، من دون وجود سياسة ناضجة لحماية تلك الشواهد التاريخية.
عندما سقطت بغداد عام 2003، فُتحت أبواب الجحيم على أرض الحضارات، وسُجِّلت أكبر عملية نهب للتراث في التاريخ الحديث؛ إذ تعرّض المتحف الوطني العراقي للسرقة، وضاعت أو نُهبت ما يزيد على 15 ألف قطعة أثرية، بحسب البيانات الرسمية. ورغم استعادة جزء منها لاحقاً، فإن آلاف القطع لا تزال تتنقل في "المزادات السوداء" العالمية، حيث تُباع هُويَّة العراق بـ"الكيلوغرام".
الأخطر من النهب كان "الإهمال الممنهج" الذي تلاه؛ فالمواقع الأثرية تُركت بلا حراسة، وبلا تسييج، وأحياناً بلا لافتات تعريفية. وفي محافظات كاملة، تحوّلت التلال الأثرية إلى مكبّات نفايات، أو أراضٍ زراعية، أو قواعد إسمنتية لمبانٍ عشوائية، وسط غياب شبه كامل للدور الرقابي للدولة. وتكشف الأرقام فداحةَ الموقف؛ إذ تُظهر بيانات غير رسمية أن أقلّ من 1% من الموازنة العامّة يُخصّص لقطاع الآثار والتراث، وهو رقم صادم لا يتناسب مع حجم الثروة الحضارية للبلد. فكيف يمكن حماية آلاف المواقع بعدد محدود من المفتّشين وميزانيات لا تكفي لتسيير الشؤون الإدارية؟
ثم جاءت سنوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لتوجّه ضربةَ موجعةً أخرى؛ فبين عامي 2014 و2017، تعرّضت مواقع كبرى مثل نينوى والنمرود والحضر لتدمير متعمد وثّقته التقارير الدولية. لم يكن التدمير عشوائياً، بل كان استهدافاً مباشراً للذاكرة ومحاولة لقطع صلة الإنسان بأصوله. ومع ذلك، وبعد زوال الخطر العسكري، لم تُستثمر اللحظة لإطلاق مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار الأثري، بل أُعيد الأثر إلى الهامش، وتحوّلت تلك الشواهد إلى بضاعة في سوق "سماسرة الاستثمار" وباعة الوهم. والمفارقة المؤلمة أن بعض المواقع لم تعد تُدمَّر بالسلاح، بل بـ"الإهمال الناعم": أمطارٌ تتسرّب إلى الجدران بلا صيانة، وتشقّقات تتسع عاماً بعد آخر، وزحفٌ عمراني يبتلع حدود المدن القديمة، في ظلّ صمت رسمي يرقى إلى مستوى التواطؤ.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن غياب الوعي المجتمعي، وهو غيابٌ تتحمّل الدولة مسؤوليته؛ فحين لا تُدرَّس الآثار جزءاً من الهُويَّة الوطنية، بل مادّةً هامشية، وحين لا يُربط الأثر بالاقتصاد والسياحة والاعتزاز الوطني، يصبح المواطن شريكاً غير مقصود في الجريمة، سواء بالاعتداء أو بالصمت.
حين لا تُدرَّس الآثار جزءاً من الهُويَّة الوطنية، ولا يُربط الأثر بالاقتصاد والسياحة والاعتزاز الوطني، يصبح المواطن شريكاً غير مقصود في الجريمة
تؤكّد الدراسات المتخصّصة أن الدول التي تستثمر في "الاقتصاد الثقافي" تحقّق عوائد سنوية بالمليارات. ونظرياً، يمكن للعراق أن يكون الوجهة السياحية الأولى في العالم لو أُدير الملفّ بـ"عقلية الدولة" لا بـ"عقلية المحاصصة" التي تنظر للوزارة حقيبةً سياسية تُمنح للكتل، من دون استراتيجية تنبع من قيمة هذه الآثار للبشرية جمعاء. وأمام هذه الكارثة، يبقى السؤال: من ينقذ آثار العراق؟ هل هي الوزارة التي تتبدّل قياداتها مع كل دورة انتخابية؟ أم القوانين الحبيسة في الورق؟ أم الإرادة الوطنية الغائبة التي ترى في الماضي عبئاً لا رصيداً؟
الإنقاذ لا يبدأ من الترميم المادّي وحده، بل من الاعتراف بأن ما يُهمل اليوم لن يُستعاد غداً؛ فالأثر إذا سقط لا يُعوَّض، والتاريخ لا يمنح الفرصة مرَّتْين. لا يحتاج العراق إلى خطابات رنّانة عن "مهد الحضارات"، بل إلى مشروع سيادي يرى في الأثر قيمةً وطنيةً كُبرى. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد مستقبلها، والعراق اليوم أمام خيارين: إمّا صون هُويَّته، أو الاستمرار في نهج الإهمال، وحينها لن يجدي الحديث عن حضارةٍ بلا شواهد، في ظلّ نظام سياسي قدّم المصالح الضيّقة على تاريخٍ صنع حاضر البشرية.