العراق: دولة مخطوفة .. وطن مخطوف

25 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

هذا يحدث في العراق، المخطوف يصبح شريكا متضامنا مع خاطفه، ومبرّرا له جريمته، تماما كما يعمد الضحية إلى الدفاع عن جلاده. يعرفنا علماء الاجتماع أن هذه الظاهرة المرضية تحيلنا إلى ما يطلقون عليه "متلازمة استوكهولم" التي أخذت شهرتها قبل خمسين عاما، عندما سطا لصوصٌ على مصرفٍ معروف في العاصمة السويدية، واحتجزوا بعض موظفيه رهائن، ثم شرع الرهائن، في فترة احتجازهم التي دامت أسبوعا، في التعاطف مع خاطفيهم شيئا فشيئا. وارتفعت درجة تعاطفهم، بعد إطلاق سراحهم إلى حد التضامن المطلق مع اللصوص والدفاع عنهم، والدعوة إلى حمايتهم من العقاب الذي يفرضه القانون.
تجسّد هذا كله في العراق على مستوى أكبر وأعلى، على مستوى دولة ووطن. وإذ يطاول الاختطاف، في الحالة التقليدية المعروفة، فردا أو أفرادا، أو حتى مجموعة من الناس، وينفذ، في العادة، بطريقةٍ عنيفةٍ يمكن عبرها سلب حرية البشر المخطوفين واحتجازهم، ومن ثم المطالبة بفديةٍ معينةٍ، أو تحقيق أمر ما، فإنه يتم إذا ما كان المخطوف وطنا أو دولةً على نحو مغاير، ولا يستهدف حرية شخصٍ أو أشخاصٍ محدّدين، بحكم مواقعهم الاجتماعية أو السياسية، وطمعا في ثرواتهم، أو بقصد إخضاعهم لتحقيق مآرب معينة، إنما لفرض هيمنةٍ كاملةٍ على الفضاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلد المخطوف من دولة ثانية، وإحالة شعب بكامله إلى عملية غسل دماغ مبرمجة، تفقده قدرته على التمييز والاختيار، وتشلّ حركته، وتحوّل نشاطاته وموارده لخدمة الأمن القومي للبلد الخاطف، وتصبح إرادة قطاعاتٍ واسعة من أبناء البلد المخطوف رهينةً لقرارات دولة البلد الخاطف ومؤسساته. يحدث هذا كله من خلال استثارة عوامل مذهبية أو عرقية، واستخدامها على نحو مدروس خطوة فخطوة، ووفق خطط استراتيجية معدة، ومن دون أن تتيح مجالا عند تلك القطاعات، للتفكير والتأمل في ما يمكن أن تؤول إليه مصائرها ومصير بلدها.
ويحدُث، بعد أن تتمكّن الدولة الخاطفة من إحداث التأثير النفسي المطلوب، أن تعمد إلى إنشاء مجاميع من أبناء البلد المخطوف، تؤهلها لمهمات قيادية في الفضاءين، الاجتماعي والسياسي، وتأخذ تلك المجاميع شكل مليشياتٍ تحمل السلاح، دفاعا عن الدولة الخاطفة، أو مافيات و"كارتيلات" تحمي مصالحها الاقتصادية والتجارية، أو مشيخاتٍ عشائريةٍ تنهض بمهمات تجميع وترويض من ينتسب لها ووضعهم في خدمة مخطّطات الدولة الخاطفة!
هذا هو ما يجري في العراق اليوم، حيث استطاعت إيران أن توظف العامل المذهبي في علاقتها مع شرائح واسعة من المجتمع العراقي، لغرض فرض مشروعها العرقي الذي يهدف إلى الهيمنة ليس على العراق فحسب، إنما أيضا على الإقليم الجغرافي كله. وقد شكل هذا نوعا من "متلازمة استوكهولم" الجماعية، إذ يتماهى الرهائن مع آسريهم، وينتهي بهم الأمر أن يصبحوا شركاء متضامنين معهم، ومنفذين لمخططاتهم الشريرة من دون أن يرفّ لهم جفن على مصالح بلدهم ومواطنيهم.

استطاعت إيران توظيف العامل المذهبي في علاقتها مع شرائح واسعة من المجتمع العراقي

وفي الحالة العراقية، لا تعتبر تلك المليشيات أو المافيات أو الفئة الحاكمة نفسها رهينةً لدى إيران، بل إنها مستفيدة من تماهيها معها عبر حصولها على حصتها من الموارد والثروات لخدمة أغراضها الخاصة. ومن هنا، ينفتح الطريق لضروب الفساد المتشابك مع الجريمة المحلية والدولية. وقد خدم المحتلون الأميركيون هذا التوجه، عندما قاموا بتفتيت الدولة وحل الجيش، وتسليم إدارة البلاد إلى فئة هجينة خانعة، لا تمتلك أية خبرة أو دراية بفنون الحكم.
والمثير للانتباه أن إيران لم تفكر في هذا كله انتقاما من حربٍ تعتبر النظام السابق مسؤولا عن تأجيجها، ولا هي تبغي طلب فدية أو قضم أرض، بل هو مشروع متكامل، سيطرة عرقية، واستراتيجيا للاستحواذ على موارد البلد. وبهذا المعنى المأساوي، يبدو أن ما تريده أصبح واقعا ماثلا للعيان، وبات من الصعب الفكاك منه، أو مواجهته بالصمت عنه وتجاهله. ولم يعد أمام العراقيين سوى الشروع بمشروع مضاد، مشروع "تحرير وطني" يعمل على استعادة البلد المخطوف من أيدي خاطفيه، عبر كل الوسائل السلمية المتاحة، وهذا ما هدفت له انتفاضة/ ثورة تشرين التي لم تكن حركة احتجاج مطلبية، كما يزعم بعضهم، إنما كانت "ثورة تحرير وطني" من احتلال أميركي وهيمنة إيرانية. واذا كانت هذه الانتفاضة/ الثورة قد انتكست، لسبب أو لآخر، فالمطلوب اليوم استعادة زخمها، بما يضمن إسقاط "متلازمة استوكهولم" العراقية، وفك الوطن من قيود آسريه.