العراق بقيادة الرئيس دونالد ترامب

29 أكتوبر 2025
+ الخط -

ربما يستفز هذا العنوان مشاعر بعضهم، وقد يثير حفيظة آخرين، وقد أوردناه بحسب أول "تغريدة" يطلقها مارك سافايا بعد تسميته مبعوثاً شخصياً للرئيس دونالد ترامب إلى العراق، تلك التغريدة التي أبلغنا فيها بأنه "ملتزم بتعزيز الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق بقيادة الرئيس ترامب وتوجيهاته"، وقد وجد عراقيون في ذلك بشارة تصحيح لوضع شاذّ دام 23 عاما، فيما عدّها آخرون خطوة نحو المجهول، لكن المفارقة أن معظم العراقيين العاديين لم يعودوا يملكون ترف شراء الوقت حتى يناقشوا أمرا كهذا، بعدما عانوا من المرارات حدودها القصوى، منذ ارتكب الأميركيون خطيئة غزو بلادهم. كما لم تعد هناك جدوى من البحث عن الحقيقة في هذا كله، لأننا لم نعد نتحمّل الحقيقة، بل نريد أوهاما تجعل حياتنا ممكنة، على حد ما قاله نيتشه. وهكذا ربما تدفعنا مبادرة ترامب إلى أن نتنفس الصعداء قليلا مع إدراكنا أنه لم يتخذ خطوته هذه إكراما لسواد عيوننا، وإنما قصده إعادة اجتراح الهيمنة على بلادنا، على نحو ناعم، مختلفٍ عما فعله بوش الابن في حينه، وكان قد لمح إلى ذلك عندما التقى في قمّة شرم الشيخ أخيراً رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، حيث قال "العراقيون عندهم نفط كثير، لكنهم لا يعرفون كيف يستخدمونه". وهنا يجيء بيت القصيد، أن مهمّة سافايا أن يعلّم العراقيين كيف يستخدمون ثرواتهم التي منحتها لهم الطبيعة!

أزيد من ذلك أن هذا التوجه الأميركي المستجد نحو العراقيين، وأخذ شكلا مميزا، لا يمكن رؤيته بمعزل عن هدف الاستراتيجية الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية في العمل على استحواذ أميركا على المعادن الأرضية النادرة التي تستخدم في تصنيع منتجاتٍ تشمل المحرّكات والفرامل وأشباه الموصلات والطائرات المقاتلة، وهو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز، وهو ما يريده الأميركيون أيضا من إيران وفنزويلا، وحتى من أوكرانيا، وهي الأقطار التي يقول علماء الجيولوجيا إنها غنية بهذه المعادن، وبعضها غير مكتشف بعد.

تأمل واشنطن أن يكون العراق مؤهلا للدخول في اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل

ولكن مشكلة العراق أنه، وبفضل "الفوضى الخلاقة" التي زرعها الأميركيون أنفسهم فيه، لم يعد بيئة صالحة لمغامرات من نمط التنقيب أو الاستكشاف أو الاستثمار، يضاف إلى هذا وجود قوة غريمة على أرضه تتمثل في وكلاء إيران والمليشيات المرتبطة بها، والتي تمتلك السلاح والنفوذ والسطوة المذهبية، وتسيطر على اقتصاديات البلاد، وحتى على قرارها السياسي، وهذا كله يعيق أي عمليات مطلوبة من واشنطن، لا بد إذن من صيغة تضمن "تنظيف" هذه البيئة، وتحجيم دور القوة الغريمة قبل الشروع في تنفيذ مشاريع وخطط تلبّي الهدف المطلوب، وحيث إن العلاقة التي تقوم على عمل سفير وسفارة لا تفي بالغرض، وجد ترامب أن الأفضل، والأقدر على إنجاز المهمّة رجل مغامر يأتي من خارج الصندوق، يمنح الصلاحيات التي يمكنه من خلالها تجاوز الروتين الثقيل، ويرتبط بسيد "البيت الأبيض" مباشرة من دون المرور بالقنوات الدبلوماسية التقليدية، ولم يجد أفضل من مارك سافايا للقيام بهذه المهمة، وهو الذي جمع المجد من طرفيه، كونه عراقياً وأميركياً في آن. وسبق له أن سجل "مآثر" عديدة، إذ اخترق عالم المليشيات العراقية، وأقنع زعماءها بفكّ أسر الباحثة الإسرائيلية - الروسية المختطفة إليزابيث تسوركوف، بعدما عجزت حكومة بغداد عن ذلك، وضمن للجمهوريين أصوات الناخبين العرب والمسلمين في ولاية ميشيغان "المتأرجحة"، وله خبرته في اقتناص الفرص والتربح، وقد فعل ذلك في إنشاء مزارع قنّب، وترويج الماريغوانا.

إلى ذلك، يعدنا سافايا الذي كانت هدية عيد ميلاده الأربعين أن يضع العراق في جيب سيده، يعدنا أن "يجعل العراق عظيما" عن طريق تحجيم هيمنة إيران، وتفكيك المليشيات الموالية لها، ومحاسبة قياداتها، والعمل على تحقيق نقلة نوعية في المجال الاقتصادي تؤمن قيام بيئة صالحة للاستثمارات من خلال بنية اقتصادية تخدم مصالح الولايات المتحدة، وتعطي الأولوية للشركات والمؤسسات الأميركية. وبالتالي، ومع التقدّم العملي المنتظر في هذه الجوانب تأمل واشنطن أن يكون العراق مؤهلا للدخول في اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل.

وهكذا نكون قد عدنا 23 عاما إلى الوراء، إلى اللحظة التي دمّر فيها الجنود الأميركيون أسوار بغداد، ومن مكر التاريخ أنه يعيد نفسه مرّتين، مرّة كمأساة، ومرّة كملهاة، وفي الحالين، العراق هو الخاسر.

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"