العراق... البحث عن "أخو هدلة"

21 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

يقول مثل عراقي مشهور: "أنا أخو هدلة"، بلسان فارس نبيل أريحي ينتصر للمظلومين، ويتصدّى لمن ظلمهم. يرجع أصله في التراث الشعبي إلى حكاية عن امرأه من جنوب العراق اسمها هدلة، اعتاد زوجها أن يسومها سوء العذاب، يضربها ويعنّفها ويؤذيها، وحيث إنها تقيم مع زوجها بعيدة عن أسرتها وعشيرتها صبرت على ذلك زمناً، حتى وجدت من يوصل معاناتها إلى أشقائها الأحد عشر الذين ما إن سمعوا بمحنتها، حتى هبّوا جميعاً متسابقين إلى نجدتها، وكلّ منهم يهتف: "أنا أخو هدلة"!

ويطلق عراقيون عديدون هذا اللقب على الرئيس الراحل صدام حسين، على خلفية رواية تقول إنه حدث أن محكمة عسكرية حكمت على جنودٍ هاربين من جبهة الحرب مع إيران بالإعدام شنقاً، لمخالفتهم القوانين التي تفرض هذه العقوبة، خصوصاً في أوقات الحرب. وتضيف الرواية أن أم أحد هؤلاء الجنود استنجدت بصدّام لإنقاذ ولدها من عقوبة الإعدام التي كانت ستُنفَّذ في اليوم التالي، وأن صدام سارع إلى العفو عنه، وعن رفاقه الآخرين، قائلاً لمن طلبت نخوته: "أنا أخو هدلة"، ومن هنا جاء اللقب إليه. 

ومع أن ثمّة عراقيين، بينهم من كان معارضاً صلباً لصدّام، باتوا، بعد سبعة عشر عاماً من الويلات والمصائب، يستذكرون مآثره، ويتمنون عودة نظامه، إلا أن أكثر منهم يبحثون اليوم عن "أخو هدلة" آخر، يمكنه نجدتهم بعد أن حاقت بهم الملمّات، وفقدوا قدرتهم على الصبر، ولا من منجد.

يبدو أن مسلسل الخطف والاغتيال واقتحام البيوت الآمنة في العراق سيتواصل، وأن لا شيء سيوقفه

آخر واقعة سوداء مغمّسة بالدم احتلت الأذهان في العراق، وجعلتهم يصرخون: "أين أخو هدلة؟"، أن أحدى المليشيات المجهولة (المعروفة!) اقتحمت بيوت 12 شاباً (وفي رواية أخرى 25) في ناحية الفرحاتية في محافظة صلاح الدين، واختطفتهم، واقتادتهم مكبّلين إلى جهة نائية، وقتلت بعضهم بالرصاص بدم بارد، فيما أخذت الآخرين رهائن. وحدها ظلت عوائل المغدورين تستصرخ ضمير الدولة، (هل بقي لدولة العراق ضمير؟). أما رجال الطبقة السياسية، فقد هبّوا يخلون أنفسهم من الجريمة، ويتصنعون براءة الذمة، طالبين أن يأخذ القانون مجراه، وكل منهم يزعم أخوّته لهدلة، فيما هي لم تقرّ لهم بذلك!

شكّل مصطفى الكاظمي الذي وضعته أقدار خائبة في موضع لم يكن مستعداً له لجنة للتحقيق، مضيفاً رقماً جديداً إلى مئات اللجان التي شكلت في عهده وعهود أسلافه، للنظر في وقائع سوداء مماثلة، بعضها لم يجفّ الدم فيها بعد، "اغتيال" لاعب كرة القدم أحمد راضي، واختطاف الناشط سجّاد العراقي، وقنص أكثر من ستمئة شاب في ثورة تشرين، وغيرها، وما لبث أن استجمع شجاعته، وطار إلى المنطقة المنكوبة، مرتدياً بذلة المليشيات، ليحضر مجالس العزاء، وليطرح نفسه وليّاً للدم ومتعهداً بلزوم ما لا يُلزمه بشيء. وكان عليه أن يتعامل مع الحدث بواقعية وحسم، وليس بهذه الهشاشة، وهو يعرف جيداً من خطّط ومن نفذ، يعرف من أين تأتي الأسلحة بما فيها السلاح الثقيل، وكيف تمرّ معها الأموال والخطط والوصايا والأوامر، ويعرف أيضاً، وهذا أخطر من كل ما يعرفه، أن مرتكبي جريمة "الفرحاتية" يحملون صفة رسمية، ويستخدمون سيارات الدولة، لكنهم يعملون لحساب دولة أخرى، وينفذون أوامرها.

لجنة لتقصّي الحقائق يرأسها مليشياوي معروف، كان عضواً في عصابة خطف، قبل أن تقذف به صفقة فاسدة إلى مبنى البرلمان!

وبدا رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، كما لو كان شاهداً "ما شافش حاجة"، تقمّص أخوّة "هدلة"، ووصف الواقعة الدموية بأنها "نذير شؤم"، وشكّل لجنةً لتقصّي الحقائق خاصة به، يرأسها مليشياوي معروف، كان عضواً في عصابة خطف، قبل أن تقذف به صفقة فاسدة إلى مبنى البرلمان! ومن المضحكات المبكيات أيضاً، أن قادة مليشياويين وزعماء أحزاب استنكروا ما وقع، وأنكروا صلتهم بالجريمة عند صياح الديك، ملقين المسؤولية على الكاظمي، وقد وجدوا في الواقعة نقطةً أخرى قد تفيدهم في تبرير إزاحته عن منصبه. أما لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، فقد امتلكت الشجاعة، لتعلمنا بفخر أنها تعتمد على "حكمة ورزانة عقلية الفرد العراقي" في حل المشكلة!

هذا كله يعني أن مسلسل الخطف والاغتيال واقتحام البيوت الآمنة في العراق سيتواصل، وأن لا شيء سيوقفه، ما دامت السلطة تدار من مكان آخر، وفي كل حلقة من حلقات هذا المسلسل التراجيدي سيسقط عدد من الضحايا، وسيقف أي مسؤول عن الدم، ليزعم أخوته هدلة، لكنه سيتقدم خطوة ويتراجع خطوتين.

وفي اختصار مفيد، سيظل العراقيون يبحثون عن "أخو هدلة" أمداً أطول، لكنْ "أخو هدلة" قد يجيء وقد لا يجيء.