العالَم على طريقة "كأنّه"

21 مارس 2025
+ الخط -

لماذا بدا صادماً للعرب والفلسطينيين ترشيحُ عرّابة الاستيطان دانييلا فايس لجائزة نوبل للسّلام، أو حتّى لو تطوّر هذا التّرشيح إلى فوز بالجائزة وسواها؟ ما هي "جدوى" إصرار الفلسطينيين على المبالغة في إظهار "إنسانيّتهم" للعالم، وعقد تلك المقارنات (المزعجة) بين أسرانا وأسراهم، وأخلاقنا وأخلاقهم، وما نفعل وما لا يفعلون، بعد مذبح الدّم الواضح، هل "يحتاجُ دمٌ بهذا الوضوح إلى معجمٍ طبقيٍّ لكي يفهمه؟" (اقتبس من مظفّر النّواب)، وهي تشبه، إلى حدٍّ كبير، استمرار المقابلة، في الخطاب الفلسطيني والعربي المؤيّد له، بين أوكرانيا وفلسطين؛ لبيان السياسات الغربيّة المنحازة (هل تكفي الكلمة؟) تجاه القضيَّتَين؛ إذ منع السلاح عن أوكرانيا أو التلويح بمنعه أشدّ إيلاماً لنفوس الأوروبيين ورهافتها، وقيمهم الحضارية، من منع الطعام والماء والكهرباء (والحياة) عن شعبٍ كامل في غزّة. ولا يُعرفُ أيضاً بأيّ منطق بشري تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بالتهاني على "ثقة الرئيس" في شخصياتٍ عُيّنت أخيراً في مناصب داخل السلطة الفلسطينية، التي هي بلا سلطةٍ، وتحت الاحتلال، مثلما لن يعرف أحدٌ أبداً، حين سيقرأ تاريخنا، كيفَ "زُرعت" إسرائيل إلى هذا الحدّ داخل رؤوس وحكومات، إذ أصبحنا نسمعُ خطاباتٍ "تصهينت" وتقدَّمت (للخلف) على خطاب الإعلام العبري المتطرّف. ونقولُ: "تَصَهيَن"، أي تكلَّف في ادّعاء الفعل، وقياساً تقول العرب: "تحلَّم وليسَ بحليم"، أي تشبّه بالحُلماء وهو ليس منهم، والتشبّه يقتضي المُبالغةَ والتكلُّف في الفعلِ بُغية إثباته، فكان أنْ "تَصهيَنَ" بعضُ النّاس أكثر من الصهاينة أنفسهم أملاً بتلبُّس حالةٍ مثل "كلّنا إسرائيليون" مثلاً.

ذكر محمد حسنين هيكل، في إحدى مقابلاته (2012)، أن ثمّة مطعماً في تلّ أبيب، في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة، يسمّى مطعم "كأنّه". يقوم على "فلسفة" أن الجوع شيءٌ نفسي، ويقدّم حلولاً لإنقاصِ الوزن من خلال هذا الأسلوب؛ إذ يدخل الإنسان إلى المطعم، فيُحضر له النادلُ طبقاً فارغاً، وطبقاً كبيراً فارغاً أيضاً، فيغرف من الفراغ إلى الفراغ، ثمّ يبدأ بتناول الفراغ، وشرب مشروبه من الكأس الفارغة أيضاً، متظاهراً أنّه يأكل، ثمّ يدفع حسابه ويخرُج. و"العالم العربي يتصرّف على طريقة مطعم "كأنّه"، والاقتباس من كلام هيكل.

مطعم "كأنّه" هذا، إنْ وجد فعلاً، فهو يقدّم جواباً شافياً لكلّ ما لا أعرفُ جوابه أعلاه؛ ذاكَ أن القانون والمجتمع والعدل، وكلّ الكلمات التي تنتهي بـ "الدولي" لا تختلفُ عن الطّبق الفارغ، وهذا الكرم الباذخ المبالغ فيه بالأنسنة في مقابل التوحّش واللاحضارة، وإن كان ليس إلا استمرار أمل الضعيف باعتدال المائل والمتهاوي، إلا أنه في الحقيقة اغترافٌ من الفراغ، وإنّ كلّ استراتيجية تعوّل عليه فإنها تعوّل على الفراغ، وكلّ سيادة وطنية تستمدّ شرعيتها منه فإنها تستمدّها من الفراغ، وبالتالي لا استغراب من تصرّفات منتسبين إليه، ومن جوائزهم وانحيازاتهم، ولا استغراب من بيانات عاجزة تنوِّعُ بين الشجب والاستنكار والإدانة، تنويعات على مقامِ الفراغ، وقد يضاف إليها كلمة الشديدة في حالات "الطوارئ" القصوى، ولا استغراب من أيّ شيء وأيّ مآلٍ وأيّ تنصّل إسرائيلي من أيّ اتفاق، ذلك أن الوهم والفراغ أَخوان يحكمان حاضرنا السخيف هذا، "كأنّ شيئاً لم يكن، جرحٌ طفيفٌ في ذراع الحاضر العبثيّ، والتاريخ يسخرُ من ضحاياه ومن أبطاله" (اقتبس من جداريّة محمود درويش).

القانون والمجتمع والعدل، وكلّ الكلمات التي تنتهي بـ "الدولي" لا تختلفُ عن الطّبق الفارغ

قد أبدو متشائماً أكثر ممّا ينبغي، ولا أقدّم حلاً، ولا أعرفُ فقه الواقع ولا حتّى فقه التنزّه... ولا كيسنجر ولا الواقعيّة السياسيّة، ولا أفهم مصطلح الجيوسياسة وحمولاته الدقيقة، ولا المقاومة السلمية وطرقها، وقد يكون هذا كلّه صحيحاً، لكنّني أرى هذا العالم أصبح مصحّةً عقليةً كبيرةً، بكلّ ما فيه، وإن استمرارنا في تجريب المُجرَّب وتكرار المُكرَّر يخلّف هذياناً في الرأس، وإن النظر إلى حالنا يُخرجُ العقلَ من مكانه، وأتذكّر صديقاً فرنسياً من أصلٍ فلسطينيٍّ يخبرني أن الفرنسيين والأوروبيين عموماً أكثر تقديراً وندّيةً في التعامل مع الإيرانيين، في مقابل تعاملٍ فوقيٍّ مع العرب، وأتذكّر أن كلمة العرب أصبحت مزعجةً لشعوب كاملة، تقضي أيّامها تنفي عنها هذه "التهمة"، وأن الحديث عن حال العرب وعن القضية الفلسطينية أصبح تحريضاً و"تسخيناً" للشعوب لصالح الفوضى، وأتذكّر أنها قضية الفلسطينيين وما اجتلبوه على رؤوسهم، أمّا نتنياهو وقزمه سموتريتش، وهما يرسمان ويحكمان ويهدّدان ويدخلان ويخرجان في أراضٍ و"أعراضٍ" عربية، فذلك طبيعيٌّ ولا يمسُّ سيادةً ولا يُحرِّك ساكناً، بقدر ما تخدش كرامة الدّولة حدّ الألم تدوينةٌ في "إكس" أو "فيسبوك".

أمّا مآلات الفلسطينيين ففي أحسن الأحوال، تحسينٌ لشروط الخيمة، وترقيتها، وتحوّلها غرفةَ "زينكو"، ثمّ بيتاً صغيراً، قبل أن تعود سيرتها الأولى، خيمة مرّةً أخرى بعد بضع سنوات، وفي أسوأ الأحوال تهجير قسري، أو قسريّ يرتدي ثوب الطوعي. يبدو أننا نعيش على أمل أن يكون قريباً فناءُ هذه الأرض، (أو أنّني/ إنّني على الأقلّ)، أنْ تكون قريبةً جدّاً نهاية هذا الذّل المزمن، والحقد "البشري" المهول، ضدّ الأصدقاء والأعداء في حدٍّ سواء، وهذا الاستبداد والقمع والتزييف والجنون "الإنساني". ورغم أنّنا نسعى وراءها إلا أن الأشياء كلّها بلا قيمة، إنه البشريُّ "يُحسّن" ظروفَ سجنه الوحشي والموحش بالتوحّش أكثر، مساءُ الخير يا "ممدوح عدوان"، وأنتَ تكتبُ عن "حَيْونة الإنسان"، ثمّ تفطن: "نتواطأ مع جنسنا البشري؛ لكي نظلمَ الوحوش".

مهند ذويب
مهنّد ذويب
كاتب وصحفي فلسطيني في الرباط.