الطيران مع خيري منصور

الطيران مع خيري منصور

18 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

كانت غبطةً باهظةً أحرزتُها في الساعتين ونصف الساعة، مدّة الطيران إلى الدوحة من عمّان، مساء يوم الجمعة الماضي، لمّا اخترتُ أن يُرافقني في تحليقي في الأجواء صديقي الباقي، خيري منصور، بأن أقرأ كتابَه الذي أصدره نجلاه الصديقان قبل أسابيع. وضاعف من الغبطة أن الكتاب يضم 60 مقالةً لخيري، أكثرُها من وحي أسفاره إلى غير بلد، فلم تعد رحلتي طيرانا إلى الدوحة وحسب، وإنما أيضا طيرانا إلى بغداد والقاهرة وبيروت وبكين والرباط وتونس ودكا وسمرقند وصنعاء وموسكو، فوجدُتني أطوفُ مع خيري في أمكنةٍ وشوارع وميادين عديدةٍ في هذه المدن، وأجالسُه في غير مقهى فيها. عنوان الكتاب موفقٌّ "الجغرافيا الحزينة .. نصوص في نوستالجيا الأمكنة" (المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2021). غشيني، في أثناء هذا الارتحال مع خيري الذي لم يغب يوما عن وجداني منذ سافر إلى الأبدية، رحمه الله، (سبتمبر/ أيلول 2018)، أسىً مالحٌ، بل كادت دمعتان تطفران من عيني، لولا أنني انتشلتُني من الاستغراق في الكتاب إلى نظراتٍ، من النافذة المجاورة مقعدي، من العلوّ الذي أنا فيه إلى أرضٍ تحت بلا جغرافيا ظاهرة. وأظنّه ذاك الأسى جاءني لأن كثيرا مما كنتُ أقرأ قرأتُه سابقا لمّا توزّع منشورا في الصحيفتين الأردنية واللندنية والدوريتين القاهريتين، في بعض التسعينيات وما بعدها. أما أن الأسى جاء مالحا فربما لأمريْن: أن كثيرا من هذا الكثير الذي أقرأ سمعتُ أحاديث غزيرةً عنه من خيري الذي تخيّلتُه يُجالسني في المقعد الفارغ بجانبي في الطائرة، يحكي لي، مرّة مضافةً، عن مشاهداتٍ (وأصدقاء) في مدنه وأمكنته. وأنني أصادفني، في سطرٍ من نصوص هذا الكتاب المثقل بالحذاقة، لمّا يتحدّث خيري عن زيارته الثانية إلى الرباط، فلا أكون، وكذا جبرا (إبراهيم جبرا) ومحسن (الموسوي)، فيها.

"سبقنا خيري، لكنه ترك إرثا من جمال الكلمات .."، صحيحةٌ هذه قولة زهير ماجد في تقدمته الكتاب. والجميل في النصوص الستين، المضمومةِ بين الغلافين، أنها حرّةٌ، طلقةٌ، في طوافها ليس فقط بين أمكنة وعواصم ومدن في المشارق والمغارب، وإنما أيضا بين ثقافاتٍ وحضاراتٍ، بين ماضٍ وراهن، وعتيقٍ وجديد، فخيري ليس سائحا عندما يزور مدينة، أول مرة، أو عندما يعود إليها، وإنما كاتبٌ فاحصٌ كاشف، وأحيانا تجده يفتّش عنها هي. مثالا، لمّا عاد إلى بيروت، بعد سبعة عشر عاما من غيابٍ عنها "لم أجدها فيها، فتّشت عنها في المقاهي والشوارع ومداخل العمارات وأكشاك الكتب، وحتى في وجوه المارّة، لكنني لم أجدها". وأكثر ما يبدع فيه خيري هنا، وفي غير هنا، انصرافُه من رداءة لحظةٍ راهنةٍ إلى لحظةٍ سالفةٍ في المكان، مستعادةٍ لتشحَنه بقوّةٍ، بتماسكٍ يتوسّله. أولى مقالات الكتاب عن بغداد التي سكنت خيري، على ما كتب زهير محقّا، وهي "الناي في وجه العصا"، كما رآها في واحدةٍ من مجازاتِه الوفيرة عنها. وإذا كان خطأ أن الكتاب خلا من تأريخ نشر كل مقالةٍ فيه، فإنك لن تخطئ في حدْسك إن خيري، على مبعدة سنواتٍ قليلة من مغادرته بغداد في صيف 1990، كتب ما تقرأه هنا "..، ولأعترف بدون مواربةٍ أنني اكتشفتُ، بل أعدت اكتشاف حقيقةٍ ناصعة.. عدم قدرتي على الحياة بعيدا عن بغداد، فكل أشكال الإقامة خارجها هي ضربٌ من العيش وليس الحياة". وذلك بعد أن يكتب في المقالة نفسِها "كنتُ وما أزال أحد التفاصيل في نسيجها الحي". وفي مقاطع في غير مقالة، يتألّق خيري في تعبيره الحارّ عن إقامة بغداد فيه، وعن أجواء فيها، كما مقهى حسن عجمي الذي "تنعقد في فضائه الرطب سحاباتٌ بريئةٌ من الحوار والمعارك الصغرى". وللمقاهي في نصوص الكتاب مطارح عديدة، وهي "بوابات المدن"، بل قد تصلح في بلد ما "مدخلا لقراءة حياة الناس وأنماط علاقاتهم".

أما القاهرة فأقامت في خيري أيضا، هي التي يجب أن تكون الكتابة "منها لا عنها، وفيها لا حولها"، كما يُخبرنا في نصّ فاتنٍ في ملاعبة الذاكرة، وقد كان صاحبه هناك إبّان هزيمة 1967، وفي تجوالٍ مع نجيب محفوظ وجمال عبد الناصر وعبد الوهاب البياتي وآخرين، عنوانه "القاهرة .. ندّاهة اليتيم .. وحفيف العذارى الخالدات". ليس النص الوحيد في الكتاب عنها، أو عن قاهرة خيري فيها، والتي يبحث عنها، وفيها "يشتبك المكان والزمان". أما بكين التي زارها في مؤتمر الأمم المتحدة عن المرأة (1995)، فقد شاهد خيري، قبل سفره إليها ثم بعد عودته منها، فيلم "الإمبراطور الأخير"، وقد جال هناك في "المدينة المحرّمة". .. فعلتُ شيئا من هذا لمّا عدتُ من الصين، قبل أزيد من عام. وهنا أجدُني، ليس فقط مع خيري في الطائرة، نهبط منها في الرباط وسمرقند وموسكو ودكا وغيرها، ثم نُقلع، وإنما أيضا نشاهد الفيلم معا في الأرض التي تحتنا، ثم نستأنف كلاما كثيرا أنّى له أن يكتمل..

لم تكتملْ قراءتي الكتاب الشفيف في تينك الساعتين ونصف الساعة، وأنّى لقراءةٍ في خيري أن تكتمل.