الطفل المشطور
فلسطينية مع طفلها قرب النصيرات وسط قطاع غزّة (10/10/2025 فرانس برس)
جاء في "سِفْرِ الملوك الأوّل" أنّ امرأتين وَلَدتَا معاً في بيت واحد، فاضطجعت إحداهما على رضيعها ليلاً فمات، فقامت بالرضيع الميت فأضجعته في حضن الأخرى وهي نائمة وأخذت الرضيع الحيّ وأضجعته في حضنها. ولمّا قامت الأخرى صباحاً لترضع ابنها، ظنّت أنّه ميت، ثمّ تأمّلت فيه، فإذا هو ليس ابنها الذي ولدته. وأنكرت الأخرى. وظلّت كلّ منهما تقول ابنك الميت وابني الحيّ، حتّى وقفتا بين يدي الملك سليمان. فقال اِيتوني بسيف. ثمّ قال اشطروا الولدَ الحيَّ اثنين، وأعطوا كلاً منهما نصفاً. فقالت الكاذبة: لا يكون لي ولا لك، اشطروه. أمّا الصادقة فقالت: أعطوها الولد الحيّ ولا تميتوه. قال سليمان: هذه أمّه. هكذا أثبت الملك الحكيم الأمّ الحقيقيّة وأعاد إليها رضيعها.
ماذا لو عاد سليمان الحكيم اليوم؟... في الحكاية الأولى، دار النزاعُ بين امرأتين حول طفلٍ في بيتٍ واحد. أما اليوم فالبيت هو الأرض والطفل هو فلسطين. المرأة التي خنقت الوليدَ تُسمِّي نفسها شعب الله المختار وصاحبة الأرض والأمّ الأصليّة، وتُقدَّمُ في المؤتمرات الدولية بصفتها ضحيةً خائفة لا تريد إلّا الأمن. بينما تُتَّهم الأمّ الحقيقية بالإرهاب. ولو عاد سليمان وجلس على عرشه في مجلس الأمن، لكان سؤاله بسيطاً: من التي تنام فوق الطفل حتى يختنق؟ من التي تسرق الحيّ وتضع مكانه ميّتاً، ثم تقول: "المكان لي"؟. لن يردّ على سليمان أحد، فالكلّ يرطنُ في آن واحد، باللغات الستّ الرسمية للأمم المتحدة، عن حقّ الدفاع عن النفس وعن المعايير المزدوجة وعن ضرورة ضبط النفس عند المذبوحين.
كانت الحكاية القديمة تحتمل المعجزة: دمعةٌ واحدة أنقذت الطفل. أما اليوم، فالدنيا مغمورة بالدموع، إلى حدّ أن أحداً لم يعد يراها. كلّ دمعةٍ تُقاس بمؤشّر الرأي العام وتُوزن بميزان الخوارزميات. وإذا بكت الأمّ الفلسطينية، قالوا إن دموعها تمثيل مسرحيّ. وإذا صرخت قالوا إنها خطرٌ على السلام الدوليّ. لذلك يطلبون منها الهدوء تحت الأنقاض والرصانة في الألم.
كان سليمان القديم حكيماً، لكن الحكمة اليوم جريمة. أن تقول إنّ الطفل الفلسطيني هو الحيّ ويجب أن يظلّ حيّاً، يعني أنك اخترت الانحياز الخاطئ في المسرحية.
أن تقول: "لا تقتلوه" يعني أنك ضدّ الحداثة، وضدّ "الحقّ في القتل المتكافئ". الحقّ الجديد في هذا العالم أن يُسمح للجميع بالقتل بالتساوي، على أن يُحظر البكاء بالتساوي أيضاً.
لم تعد هناك أمّ حقيقية تبحث عن الحياة وساسة ينصرونها لإقامة العدل. ثمّة فقط لجنة تحقيق دائمة تُسمّى "المجتمع الدولي"، تجتمع، تصوّت، تكتب بياناً متأخّراً تقول فيه: "نأسف للأحداث المؤسفة"، ثم تُرسل مساعدات إنسانية، بعد أن تتأكّد من أن الأطفال الذين تتّجه إليهم المساعدات لم يبقوا على قيد الحياة.
لو عاد سليمان، لكان أول من يُدرج على القوائم السوداء، ولكتبت الصحفُ الغربية في اليوم التالي: قاضٍ شرقيّ ينحاز للأمّ الفلسطينية ويشكّك في حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وليس من شكّ في أنّه سيحاصر إعلاميّاً. ولو حاول التحدث عن العدالة لقالوا له إن العدالة مفهوم نسبيّ، وإن من الأفضل ترك القضية للتاريخ، لأن الضحايا سيتغيّرون بمرور الزمن، لكن الجلاّدين لا يتغيّرون.
الحكاية القديمة كانت عن أمٍّ وطفلٍ وملكٍ يعرف الفرق بين العدل والمساومة. أما الحكاية الجديدة، فهي عن شعبٍ يُباد، وعن أمّ تُعاقَب لأنها لم تتعلّم كيف تتخلّى عن حقّها، وعن ملكٍ لم يعد له مكان، وعن طفلٍ يُقتل مرتين: مرّة في الواقع ومرّة في اللغة. والذين يطالبون اليوم بحلٍّ عادلٍ هم أنفسهم في الأغلب الذين يشطرون الطفل باسم السلام، والذين يُصوّتون في المؤتمرات ضدّ القتل هم أنفسهم غالباً الذين يموّلون الذبح ويعطونه اسماً لطيفاً: دبلوماسيّة التجارة.
لو عاد سليمان، لما عرف كيف يحكم بين هذا الكمّ من الأمهات الكاذبات. لكنه على الأرجح سيقترب من الأمّ الفلسطينية، يلمس كتفها، قائلاً بهدوءٍ ساخر: كنتُ أظنّ أن العدالة ما زالت ممكنة، لكن العالم اليوم لا يبدو أنه يريد حلاً، بل نصفَ جثّةٍ تُوزَّع بالتساوي بين القتَلة والمحلّلين السياسيين. ثم ينظر إلى السماء هامساً بمرارة الأنبياء المتعبين: أخطأتُ يا ربّ. قلتُ يوماً: اشطروا الطفل نصفين، فتعلّموا الدرس جيّداً، وها هم يطبّقونه على الكوكب كلّه.