الصين واستراتيجية الأمن القومي الأميركية

12 ديسمبر 2025

(Getty)

+ الخط -

كانت الصين على حقّ عندما نظرت بعين الرضا إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في فترة رئاسية جديدة خلال الانتخابات الأميركية أخيراً، عوضاً عن استمرار إدارة بايدن أو نائبته كامالا هاريس. فها هو ترامب يغيّر النظرة الاستراتيجية الأميركية تجاه الصين من اعتبارها عدواً شاملاً لا تفاهم معه، إلى خصم اقتصادي في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والسيطرة على سلاسل التوريد والمعادن النادرة والمواد الخام، فيقول في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، التي صدرت قبل أيام، إنّ التحدّي الصيني يتمثّل في "اختلال ميزان القوة الاقتصادية معها"، بعد أن كانت استراتيجية الأمن القومي في عهد بايدن ترفع شعار "الردع المتكامل" تجاه الصين.

حتى مسألة تايوان، تبدو في استراتيجية الأمن القومي الجديدة معياراً اقتصادياً؛ فالولايات المتحدة تريد منع الصين من فرض أمر واقع جديد في تلك الجزيرة، كي تمنع بكّين من خنق التجارة العالمية، وليس لأن مسألة تايوان تمثّل عنصراً مهماً في الدفاع عن الحرّيات، كما ظلّت تردّد الإدارات الأميركية السابقة، ولا لأنها عنوان بارز في شرق آسيا للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة وحليفٌ استراتيجيٌّ لواشنطن، بل يجب الدفاع عنها في إطار التنافس التجاري مع الصين لا أكثر. وهذا ينسجم عموماً مع تخلّي إدارة ترامب عن فكرة قيادة الحلفاء التقليديين لبلاده حتى في أوروبا، وتحوّلها عوضاً عن ذلك إلى الحديث عن حماية الحدود والحفاظ على الهُويَّة وترسيخ المصالح الاقتصادية، وهو خطاب لم يكن معهوداً من قبل في استراتيجيات الأمن القومي الأميركية التي تشرح برنامج كلّ إدارة ونظرتها إلى نفسها وإلى العالم من حولها.

رغم ذلك، أبدت الصين امتعاضها من استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، فقال المتحدّث باسم وزارة خارجيتها إن "الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين هو الطريق الصحيح للتعايش بين الصين والولايات المتحدة، وكذلك الخيار الصحيح والواقعي الوحيد"، مكرّراً الخطاب الصيني التقليدي حول أن بكين مستعدّة للتعاون مع واشنطن من أجل تعزيز علاقاتهما واستقرارها، مع تعهّد بلاده بالدفاع الحازم عن سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية. وهذا يعني أن الصين تنتقد تركيز واشنطن في دعوة حلفائها في شرق آسيا إلى التركيز في شؤون الدفاع، ما يشكّل إزعاجاً للصين في مناطق نفوذها، وكذلك في ملفّ تايوان والتعاطي معها كما لو أنها دولة مستقلة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة لا تعترف بذلك علناً، لكنّها تغضّ النظر عن التحوّل الاستراتيجي في النظرة الأميركية تجاه الصين، من الصدام والصراع حول "القيم العالمية" التي كانت الإدارات الأميركية السابقة تتخذها ذريعةً للدفاع عن نظام ما بعد الحرب الباردة أحادي القطبية في وجه الطموحات الصينية لبناء نظام عالمي متعدّد الأقطاب، لصالح تغليب مفاهيم التنافس التجاري والاقتصادي.

يقف العالم اليوم أمام باب واسع لتغيّر موازين قوى السياسة الدولية

ذلك أن هذا التغيّر العميق في فلسفة السياسة الأميركية الخارجية، من أنها دولة عظمى تتزعّم تحالفاً دولياً يسيطر على العالم، إلى دولة تضع سياساتها ومفاهيمها وممارساتها في خدمة اقتصادها وتطوير الحياة داخلها من حيث الهُويَّة ومعايير الحياة، إنما يتيح مجال مناورة كبيراً أمام الصين للتفاهم مع الولايات المتحدة، وبناء شكل من التعاون الاقتصادي معها، بشكل يخفّض خطر الصدام العسكري معها، وهو الخطر الفعلي الذي يهدّد خطط الصين نحو المستقبل الذي تتطلّع إليه لأن تكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم قبل منتصف القرن الجاري، وشريكاً أساسياً في السياسة الدولية مع الولايات المتحدة ودول كبرى أخرى.

بالطبع، لن تقول الصين إنها راضيةٌ عن هذا التغيير، وإن استراتيجية ترامب للأمن القومي أفضل عندها من استراتيجية بايدن التي كانت تنطوي على تهديدات جمّة لطموحات الصين، فحين يأخذ ترامب في اعتباره المعايير المالية على حساب معايير الحضور الدولي للولايات المتحدة، فهذا يعني أنه يفتح باباً للصين لأن تمدّ حضورها هي مقابل تفاهمات مالية وتجارية واقتصادية تصبّ في صالح الاقتصاد الأميركي، وتساهم في تلبية وعود ترامب أمام مواطنيه وظهوره بمظهر القائد الذي يحقق الانتعاش الاقتصادي الداخلي. صحيح أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة بشّرت بنقل الاستثمارات الأميركية من الصين إلى دول حليفة أو إلى الداخل الأميركي، بحيث لا تتمكن بكين من تهديد خطوط التزويد التجارية العالمية لو أرادت، إلا أن ذلك يبقى (في ما يخص الصين) أقلَّ خطراً من مساعي إدارة بايدن لتقويض مشروعها الأثير المتمثّل في مبادرة الحزام والطريق، التي هي مفتاح استثماري واقتصادي لمدّ النفوذ السياسي الصيني، خصوصاً في ما تسمّيه الصين "الجنوب العالمي"؛ أي الدول النامية، ذلك أن استراتيجية الصين الدولية تغيّرت منذ نحو عشر سنوات من التركيز على جذب الاستثمارات والتجارة الخارجية، كما كانت منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، لصالح التركيز في استعمال ثمار النمو الاقتصادي في التحوّل إلى قطب عالمي مؤثّر، وتغيير النظام العالمي إلى متعدّد الأقطاب.

تمنح إدارة ترامب الصين فرصةً عظيمةً لتغيير النظام العالمي كما تشاء

من وجهة نظر تاريخية، يقف العالم اليوم أمام باب واسع لتغيّر موازين قوى السياسة الدولية؛ فبينما تتنازل الولايات المتحدة عن دورها التقليدي الذي رسَّخته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية زعيماً يشرف على حلفائه ويهتمّ بولائهم له، إذ تجد ذلك مكلفاً ولا طائل منه، وتعتبره هدراً للموارد والإمكانات، تتحرّك الصين لتلعب دور قائد عالمي للدول النامية وشريك دولي لأوروبا، من غير نظرٍ إلى كلفه المالية المباشرة في هذه المرحلة. وبينما تغلق الولايات المتحدة بابها على نفسها بغرض الاهتمام بمسائل الهُويَّة والتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، معتبرةً أن كلّ دولة مسؤولة عن نفسها ومواطنيها، تمدّ الصين خططها الاقتصادية إلى أوروبا والشرق الأوسط متحدّثةً عن الشراكة في ثمار التنمية، والربح المشترك، ومستقبل البشرية.

في الخطاب المُعلَن، لا تتخلّى الولايات المتحدة عن وصف الصين بأنها تهديد خطير لأمنها القومي، لكن من دون أن تتحمّل كلف ذلك فعلياً، بل تسعى إلى إشراك منافسي الصين الآخرين في الكلفة، متناسية أن الصين يمكنها التفاهم معهم اقتصادياً وفق مبدأ الربح المشترك البراغماتي. في المقابل، لا تتخلّى الصين عن الشكوى من التصريحات والمواقف الأميركية تجاهها، حتى لو كانت تراها تتغيّر نحو الأفضل. لكن ما يمكن قوله إن إدارة ترامب تمنح الصين فرصةً عظيمةً لتغيير النظام العالمي كما تشاء.

1E93C99F-3D5E-4031-9B95-1251480454A7
سامر خير أحمد

كاتب أردني من مواليد 1974. صدرت له سبعة كتب، أبرزها: العرب ومستقبل الصين (بالعربية والصينية)، العلمانية المؤمنة، الماضوية: الخلل الحضاري في علاقة المسلمين بالإسلام، الحركة الطلابية الأردنية. رئيس مجموعة العمل الثقافي للمدن العربية.